كتاب يستقرئ التجربة الفنية لأنور سونيا ومحاكاته للماضي

عرض: خلود الفزارية –
يقدم كتاب «أنور سونيا.. التجربة الفردية في محاكاة الماضي للفن المعاصر» للمؤلف الدكتور مروان عمران مستشار الفنون في مؤسسة بيت الزبير قراءة في أحد رموز المشهد التشكيلي ورواده في السلطنة الفنان أنور سونيا الذي ما يزال يرفد الساحة الفنية المحلية، وقد ضم في نسخته عرضا باللغتين العربية والإنجليزية.

وتناول الكتاب الصادر عن مؤسسة بيت الزبير عوامل التأثير في أعمال الفنان وعرض تجربته الفنية بملامحها وتوجهاته الفنية، حيث استهل الكاتب عرضه ببدايات التجربة الفنية للفنان أنور سونيا، وأشار بأن تجربته تحاكي البيئة العمانية متنقلا بيت الطبيعة والقرى والتقاليد المحلية القديمة من أزياء ورقصات وحرف.
وكانت بداية الفنان في البحرين حيث نشأ هناك وكانت مرحلة التأسيس الفني على أيدي أساتذة تركت له آثارا أكاديمية أثرت في أسلوبه، مشيرا إلى أن الفنان انخرط في الحياة اليومية في أعماله التي تنوعت بين ضجة الأسواق الشعبية، وغبار بائعي الماشية ليرسم المشهد الطبيعي بطريقة تعبيرية انطباعية، ما منح أعماله مفهوم الصدق الذاتي من الفنان والمحاكاة الحقيقية للصورة والحدث في اللوحة انعكست بطريقة تعبيرية في القيم اللونية التي تظهر في أغلب أعماله المعاصرة.
وانتقل الكاتب بعدها إلى صور الموروث الشعبي في أعمال الفنان حيث أشار إلى أن سونيا ليس كغيره من الفنانين المعاصرين الذين يحاكون التراث والتقاليد العمانية بطريقة أيقونية بحتة، ولا سياقية مألوفة في فن الرسم الواقعي باستمرار وإنما هو متعمق النظرة والفكرة إلى تلك التفاصيل الدقيقة حول الفرد العماني، ومحاكاة الماضي بطريقته الأسلوبية، فيقوم بتأليف صور جماعية مستمدة من الواقع المحلي يبحث من خلالها عن الروح الجماعية للمجتمع، مؤكدا أن سونيا لا يزال يعتمد على مخيلته وخبرته الفنية في صياغة المشهد الفني في أعماله بطريقة منحت له الخصوصية الأسلوبية عن بقية فناني عصره.
ويبين الكاتب أنه لا يمكن فصل عنصر أو مركب التراث من أعمال سونيا، كون هذا المركب له أثر ذاتي وفكري يمتزج مع مخيلة الفنان مع الواقع، ولا يمكن فصل تأثيرات اللاوعي والذاكرة في هذا الصنف من الأعمال الفنية، مركزا على جانب الحركة عند سونيا التي اعتبرها محور الحياة وتظهر لديه بأنماط متنوعة في الأشكال أو الأجسام أو اللون، مع ظهور أشخاص في أوضاع مختلفة، وجانب البيئة التي تتحول إلى لقطات من الواقع ينقلها الفنان عن طريق الرسم من خلال التخطيط السريع أو الدخول إلى مفاصل الحياة الشعبية ورسمها عن كثب، ليظهر التجانس والتنوع في المفردات.
وتوقف الكاتب عند أسلوب أنور سونيا الفني الذي وصفه بالتغير والانتقال الأسلوبي، موضحا أن أغلب نتاجات الفنان ممزوجة بأسلوبين هما الانطباعي والتعبيري بدون تعمق في الواقعية أو الرمزية حيث أنه انطباعي اللون، واقعي المشهد وتعبيري أحيانا في الخطوط اللونية والحركات الجسدية.
وانتقل الكاتب بعدها إلى تحليل هذا الأسلوب من حيث اللون مشيرا إلى أن الفنان تعامل مع الألوان بطريقة انطباعية تنقيطية وهي إحدى الخواص الجمالية في أعماله حيث جعل من اللون العمق والمنظور والكتلة أحيانا، وتمتلك أغلب أعماله إيقاعا لونيا عاليا أو سيادة متناغمة تخلو من أي تضارب لوني أو تناقضي.
كما أشار الكاتب بأن سونيا يحاول أن يختزل الكثير من التفاصيل من ضمنها سمات الوجوه البشرية وملامحها، إلا أن التشخيص قائم في بعض الأجزاء من الهيئة البشرية لذلك اتجه نحو طريقة التنقيط في توزيع القيم اللونية في العمل الفني جاعلا من الأشكال متجانسة باللون وأكثر جمالا في الإدراك البصري.
أما عن المشاهد البيئية فأوضح الكاتب أن أعمال سونيا الأولى ليست تراكيب ذهنية تصورية بل كانت صورا من الواقع من حيث الشبه واللون والنسبة والتفاصيل، والبيئة المحلية هي الصورة الأكثر ظهورا من حيث المشاهد التي تتضمنها.
انطلق بعدها الفنان نحو المراحل الفنية في أعمال أنور سونيا، حيث أوضح أنها بدأت بالمرحلة الواقعية التي اعتبرها أولى تجاربه الفنية، ثم المرحلة التجريدية التي لم تأخذ مساحة كبيرة من أعماله ووصفها بشبه العابرة، وأخيرا المرحلة الانطباعية التعبيرية وهي الأهم غزارة ومحاكاة في حياة الفنان، والمرحلة المعاصرة في أسلوبه ولم يكتف فيها بنمطية واحدة وإنما بتطوير تجربته.
وأوضح الكاتب أن التجارب والانتقالات بين أسلوب وآخر في مسيرة سونيا الفنية يمكن تناولها من حيث الرؤيا الجمالية عند سونيا التي تندمج ببعض المفردات وتتكرر بقصد منه، وتعتبر ضمن نطاق الإيقاع الحركي الذي يحول العمل الفني إلى مشهد درامي يأتي بإسقاط النمط السينمائي من خلال الصورة الذهنية المتراكمة من الماضي إلى لوحة أشبه ما تكون لقطة متسلسلة ضمن لقطات شريط سينمائي متتابع.
والحركة الإيقاعية في أعماله ترتبط بالمضمون الفكري لتمثل موضوعات مشتقة من الحياة اليومية العامة للمجتمع العماني برؤية جمالية صادقة، كما أن العمق والمنظور في أغلب الأعمال الفنية الأخيرة لدى سونيا تظهر أن أغلب المشاهد قد رسمت بطريقة مواجهة باختلاف مستوى خط الأفق، حيث يرسم بطريقة مرتفعة قليلا فوق رؤوس الأشخاص وأحيانا مع مستوى الرؤوس باختلاف مساحة حجم السماء، ولم يرسم بتاتا تحت مستوى خط الأفق.
ومن حيث المنظور اللوني أشار الكاتب بأن سونيا اعتمد على إظهار العمق بطريقة المنظور اللوني وليس الهندسي أو التقليدي الواقعي، وقد وضع سونيا البصمة الخاصة له في كل الأعمال التي أنجزها.
وتناول الكاتب أيضا الانتقالات الأسلوبية لأعمال سونيا الأخيرة من حيث تركيب البنية الأسلوبية بين ما هو تعبيري مع تكعيبي لتركيب صورة جمالية جديدة ليتجنب الرتابة، وبقيت سمة الحركة ملازمة والهيئات البشرية كما هي، والموضوع يتكرر نحو محاكاة الأحداث التراثية والتقاليد إلا أن بنية اللون أصبحت تتجه إلى التحليلية أكثر من البنائية.
واستعرض الدكتور مروان عمران مجموعة من أعمال الفنان متناولا كل صورة بطريقة تحليلية، معرجا على أساليب الفنان الانطباعية الواقعية، والتعبيرية التكعيبية، والمرحلة الواقعية.
واختتم الكتاب بعرض مجموعة من الشهادات والأوسمة التي حازها الفنان أنور سونيا تكريما له في مسيرته الفنية.