مشهدان سوريان

عادل محمود –

الظلال
«نعيش بلا أمل.. ولكن بشوق دائم» و «الحياة لا تبدأ إلا من الشاطئ الآخر لليأس».
هذا كلام دانتي من جحيمه، يذكرني بالالتباس المفهوم والدائم، في منجز الشاعر السوري نزيه أبو عفش في (الشعر والرسم).. الالتباس بين المادة المؤلمة وجمالياتها المفرحة. ففي الشعر يصنع الشاعر من أثواب ميت بريء.. حبل غسيل في مقبرة مزدانة بزهورها وشواهدها المليئة بكتابات العزاء المستحيل.
في الشعر يجعل نزيه من الصورة النمطية للأمل مدخلاً إلى مسرح الحطام المؤلف من اليأس. ويدعو إلى «تعالوا نعرّف هذا اليأس». لكنني، أنا القارئ، أتفرج على أزاهير الحياة تنمو في شقوق الجدران المتصدعة!
في الرسم تتكون لوحته من سلالات حزينة مليئة بالنور الداكن والحب والسلام ، وتؤسس المشهدية المتكررة لأيقوناته في اللوحات.. فكرة البصيرة في لوحة البصر: «أحياناً تكون أجمل المشاعل، تلك التي نشعلها، لا لكي نرى النور، بل لكي نرى الظل». لوحة نزيه استخراج المادة الحرجة (الفرح والسلام) من المادة البائسة، القاسية (الألم والخيبة). إنها محاولة وصف عالم سيء لتأكيد وجود مكان ما في هذا العالم، أفضل للعيش وللسعادة أيضاً.
نزيه أبو عفش الشاعر والرسام… مؤلف من الموسيقى أيضاً. بوصفها إرثا غريب التأثير في عالم الصمت.. بوصفها صانعا لا يتوقف، للرهافة الإنسانية، حيث يكون اللطف بديلاً للعنف. حيث الموسيقى إسهام قلب العالم في استمرار نبض العالم. نزيه أبو عفش.. يشبهه هذا التذمر الخفيف الحزين على لسان فنان مجهول: «من سخرية الفن أن يجبر الفنان على إضاعة الوقت في الدفاع عن قيثارته، بدلاً من العزف عليها».

العودة
«نواف غزالة» اسم الرجل الذي مات العام الماضي عن عمر ناهز الثمانين.. كان قد أوصى أن يدفن في مدينة السويداء (سورية). وهكذا جاء جثمانه من البرازيل ليحتفل الأهالي بقدومه كبطل شعبي ، له مأثرة لا تنسى. ذات يوم قام الشاب «نواف غزالة» بزيارة العقيد أديب الشيشكلي، قائد أحد الانقلابات العسكرية في سورية.. والذي نفذ مجزرة في أهالي السويداء، ثم هرب إلى البرازيل.. وقال له: « سيادة العقيد.. إذا صدر عفو رئاسي عنك، هل ستعود إلى سورية؟ فأجاب الشيشكلي: طبعاً. فقال له نواف: أهلي شهداء على يديك، لن تعود وأنا حي. وأطلق عليه 5 رصاصات من مسدس، قائلاً له: هذه الرصاصات هدية لك من سلطان باشا الأطرش.*
*أحد قادة الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي1925-1945