الطبيعة المرنة والتأقلم في الظاهرة الإرهابية

يسرا الشرقاوي –

وفقا لأحدث ما كشفت عنه أجهزة المخابرات البريطانية، فإن تنظيم «داعش» يعكف حاليا على إعداد ونشر ما يعرف بــ «خلايا التماسيح» بدول أوروبا المختلفة، تمهيدا لتشكيل تهديد متكرر وقوي ضد أهداف مختلفة هناك. حديث الوثائق البريطانية حول اعتماد «داعش» نمط ما أطلق عليه « خلايا التماسيح» في توجيه ضرباتها ضد ما تعتبره «عدوا» غربيا، أعاد إلى الأذهان مسمى « الذئاب المنفردة» الذي سيطر على تحليلات ودراسات الجماعات الإرهابية والتشكيلات المتطرفة طوال السنوات الأولى من الألفية الجديدة وحتى عهد قريب.
طرح المفهوم الجديد لـ «خلايا التمساح» يعيد التذكير بالطبيعة المرنة والمتغيرة لظاهرة الإرهاب الدولي، التي يصعب الجزم بتراجعها أو انهيارها. وذلك لقدرتها على التبدل والتأقلم مع الضغوط والتهديدات.
وتستفيد ظاهرة الإرهاب الدولي في ذلك من عدة عوامل ساعدت في تجاوز فكرة «حتمية المركزية» وكذلك فكرة «القيادة بشكلها المادي». فمع التوفر والتطور المستمر والهائل في وسائل التواصل، وقدرتها على ربط العالم شرقا وغربا، أصبح من الممكن أن يستمر الفكر المتطرف ويزدهر، حتى وإن لم يرتبط بكيان محدد. وبخلاف عامل «التواصل»، تكرر نجاح دور «صندوق الأدوات الثقافي».
فوفقا للتقديرات المختلفة أن الأنشطة الإرهابية المحسوبة على الدين الإسلامي استفادت في الأساس من «الأدوات الثقافية» لذلك الدين، سواء من حيث وحدة قضاياه سابقا وحاضرا، فالأزمة الفلسطينية على سبيل المثال كانت إحدى أهم القضايا الموجهة للغضب الذي يتم استغلاله وتوظيفه من جانب الجماعات المتطرفة لجذب الأنصار من الشباب. أو استغلال عناصر الوحدة الزمنية: موعد صلاة الجمعة، أو الوحدة المكانية: المسجد، للتنظيم والحشد.
استغلت هذه الجماعات أدوات التواصل الحديثة بالإضافة إلى الأدوات الثقافية الثابتة في الترويج لأفكارها وحشد الأنصار وتوجيههم لتلبية مطالبها وتحقيق أهدافها. ولكن هذه الأدوات ذاتها أثبتت قدرة على المواصلة وخدمة الفكرة، حتى وإن تراجع المركز أو اختفى تماما. فظهرت نتاج لذلك ظاهرة «الذئاب المنفردة»، الظاهرة برزت خلال السنوات التالية على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، في أعقاب الضربات والحروب التي لاحقت تنظيم القاعدة الإرهابي من جانب التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب بزعامة الولايات المتحدة.
وتقوم ظاهرة «الذئاب المنفردة» ليس على وجود خلايا إرهابية تتواصل وتتعاون لتنفيذ عملية بعينها أو ضرب هدف محدد لصالح التنظيم الأم، أو وفقا لتوجيهه. ولكن تقوم على انتشار عناصر منفردة مطلعة بشكل غير مباشر على أفكار التنظيم أو الجماعة الأم، وتدين لها بالولاء. ولكن ذلك من دون تواصل مباشر مع قادتها أو إثر تلقي تدريب محدد أو تحصيل أوامر مباشرة للقيام بأنشطة لصالحها. هذه العناصر المنفردة تنفذ عمليات متأثرة بتعاليم وأفكار التنظيمات والجماعات التي تؤمن بفكرها. وتتسم هذه العمليات بعدد من السمات. حيث تتم في الأغلب بواسطة عنصر واحد، ونادرا ما يكون هناك أكثر من منفذ.
إن هذه العمليات يتم تنفيذها بأساليب وأدوات «بعيدة عن التعقيد»، والإعداد المطول وفي الأغلب ما تتنوع هذه العمليات ما بين اعتداءات طعن أو إطلاق نار عشوائي أو الدهس بواسطة سيارة خاصة أومستأجرة. وهجمات «الذئاب المنفردة» تكون «منفردة» ذات هدف واحد وتركز في الأغلب على إسقاط أكبر عدد من القتلى من المدنيين، وليس إلحاق أضرار بأهداف استراتيجية في الدولة أو الكيان المعني بالضربة.
الاعتداء لا يكون مخططا له من جانب تنظيم أو جماعة، ولكن منفذه يحرص ترك أدلة مثل رسائل مسجلة أو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، وغير ذلك من الدلائل، تبين اتباعه لتنظيم محدد أو جماعة يؤمن بأفكارها. والجماعة أو التنظيم بدورهما يقفزان على الاعتداء وصاحبه وتؤكد، صدقا أو كذبا، مسؤوليتها عنه.
هذا النمط من الهجمات يعطي للتنظيم الإرهابي حجم أكبر من حقيقته، ويزيد من حجم الدعاية لأفكاره، وهي التي يطلق عليها في هذه الحالة «الدعاية بالفعل». وذلك بالإضافة إلى دوره في الحشد وجذب العناصر المتوائمة وصاحبة الاستعداد المماثل لتصبح «ذئاب المنفردة»، تتبع المسار الذاتي نفسه. ومن أبرز الاعتداءات الإرهابية التي كانت البطولة فيها للـ «ذئاب المنفردة»، ما وقع في فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وأمريكا خلال الفترة بين عامي 2015 و2017. كما أن ظاهرة الــ «الذئاب المنفردة» لها جذور ونماذج بالنسبة لإرهاب اليمين المتطرف كان أحدثها المعتدي على مسجدي «كرايست تشيرش» في نيوزيلاندا.
ولكن وفقا للكشف الذي أكدته المخابرات البريطانية مؤخرا وتم تناقله عبر وسائل الإعلامي إقليميا ودوليا، فإن هناك تحولا يطرأ على شكل الاعتداءات الإرهابية من الـ «ذئاب المنفردة» إلى «خلايا التماسيح». والمقصود بالتعبير الجديد، تجاوز مسألة العمل المنفرد، إلى تكوين خلايا من عدة أفراد، يكونوا على تواصل وتنسيق مشترك، وتكون العملية المخطط لها أكثر تعقيدا من مثيلتها في حالة الـ «ذئاب المنفردة». وبخلاف التعددية عوضا عن الفردية، يتسم هذا النمط أيضا، بمستويات متقدمة من التسليح حيث يكون «التماسيح» مدججين بالأسلحة التي يسهل حملها من متفجرات وسلاح خفيف. والاعتداءات في هذه الحالة تستهدف أكثر من هدف في وقت واحد، ما يعيد للذاكرة نموذج الحادي عشر من سبتمبر. والأهداف لا تقتصر على الإسقاط الموجع لأكبر عدد من المدنيين، ولكن «التماسيح» مدربين على استهداف المواقع الاستراتيجية التي بإسقاطها يحدث درجة أو أكثر من درجات الفوضى والبلبلة في المجتمع الغربي المستهدف. وتتضمن أمثلة الأهداف في هذه الحالة، السجون، ومولدات الكهرباء، والطائرات المدنية، والبلدات الصغيرة، وغير ذلك.
كما أن في حالة « خلايا التماسيح»، فإن الصلة مباشرة ما بين منفذي الاعتداء والتنظيم الأم. ويلاحظ، أيضا، أن نمط تنفيذ العملية يقضي ضمن ما يقضي على ما يطلق عليه «العملية المميتة»، بقضاء المنفذ نحبه إما بحزام ناسف أو بأي أداة من أدوات تنفيذ المهمة الأصلية، أو عبر الانتحار المقصود في حالة الاعتقال لتجنب الضغوط والكشف المتحمل عن التسلسل القيادي وعناصر توجيه المهام القائمة وراء العملية.
وتقوم «خلايا التماسيح» في الأساس على الاستفادة من الخبرات المتراكمة لعناصر «داعش» خلال سنوات القتال الأخيرة في سوريا والعراق وما حولهما. وكذلك على الاستفادة من واقع «الدواعش العائدين» إلى المجتمعات الأوروبية والأمريكية وغيرهما، في أعقاب انهيار ما يسمونها معاقل «داعش» بالشرق الأوسط إثر ضربات التحالف الدولي لمواجهة التنظيم.
سيشكل «الدواعش العائدون» بما لديهم من خبرة سواء بالقتال على النسق الداعشي أو بالمجتمع المصدر، أوروبيا أو أمريكيا، وبما لديهم من حنق أيضا إثر الهزائم التي لحقت بتنظيمهم وأسقطت لهم رفاقا وقيادات، خير ركائز لـ «خلايا التماسيح». ويمكنهم الانسياب تحت المياه الراكدة لهذه المجتمعات وتوجيه الضربة من أسفل وبشكل مميت. أما «داعش» فقد يتحقق لها نصر مضاعف عبر انتشار «خلايا التماسيح» وتشعب صلاتها، وتعقيد العمليات المفترضة، ما يعني أنها ما زالت حية ترزق وقادرة على توجيه الضربات وحشد الأنصار ونشر الرسالة. صحيح أن المعاقل الفعلية سقطت ولكن الخلايا الفتاكة المتحركة قائمة ويمكنها أن تتجدد وتتكاثر.

وفي اعتداء سريلانكا صبيحة عيد القيامة خير مثال على هجمات «التماسيح» المرجح تكرارها. فهي كانت اعتداءات متعددة ومعقدة من حيث الإعداد والتنفيذ وتستهدف أكثر من هدف ما بين الفنادق والكنائس، وتستدعي إلحاق الأضرار بالبنية التحتية، بالإضافة إلى الأهم وهو إسقاط أكبر عدد من القتلى. والتحقيقات كشفت عن صلة المنفذ عبد اللطيف جميل، قائد المجموعة التي نفذت اعتداءات سريلانكا بقيادات إرهابية كانت عاملة في سوريا، وتم ذكر اسم «جون قاطع الرؤوس» المسؤول الشهير عن الإعدامات العلنية والدعائية لتنظيم «داعش».
«خلايا التماسيح» تعتبر التطور المنطقي للـ «ذئاب المنفردة»، وتعتبر وسيلة «داعش» للمقاومة والتأقلم، وكذلك نتاج تراكم الخبرات خلال أحد عهود النشاط الإرهابي المحسوب على الدين الإسلامي. ولا يستبعد أن يكون له أصداء على صعيد إرهاب اليمين المتطرف الصاعد بقوة حاضرا.