أوروبا بين التماسيح والذئاب.. إلى أين؟

إميل أمين –

بات أحد الأسئلة المزعجة لأمن وأمان العالم في السنوات الأخيرة، هو ذاك المتعلق بالإرهاب والى أين يمضي، سيما بعد تفاقم شرور الجماعات الإرهابية المسلحة، وما وفرته لها وسائل التواصل الحديثة من أدوات جعلت من الشر فعلا يسيرا، وان بقي مكروها في كل الأحوال.

والشاهد أننا إذا قسمنا العالم مناطقيا، أي بحسب انتشار الإرهاب جغرافيا، ربما نجد أن وضع القارة الأوروبية مؤلم ومثير للمخاوف للكثير من الأسباب، التي منها ماهو جغرافي وما هو ديموجرافي في الوقت عينه.
كانت أوروبا ولا تزال موقعا وموضعا للتنوير وللحفاظ على منظومة حقوق الإنسان تلك التي ارخ لها وبلور كيانها فلاسفة أوروبيين كبار من أمثال توماس هوبز وجان جاك روسو وغيرهم وصولا إلى آخر فلاسفة القرن العشرين برتراند راسل، وقد اعتبر الأوروبيون أن من حق الإنسان أن يؤمن بما يشاء وأن يمارس شعائره كما يحلو له.
غير انه وفي غفلة من الزمن تسربت إلى الداخل الأوروبي جماعات استغلت تلك الأجواء للترويج لمشروعات انتقصت من حقوق الإنسان، وملأت أوروبا وبقية العالم بالشرور.
الذين تابعوا ما جرى على الأراضي الأوروبية خلال الأعوام القليلة المنصرمة يدركون تمام الإدراك أن خللا ما أصاب القارة العجوز وأدى إلى انتشار الإرهاب على أراضيها، وقد سفحت بالفعل دماء بريئة، وأزهقت أرواح لا ذنب لها إلا أنها تواجدت في أماكن بعينها في وقت ارتكاب فصيل من الإرهابيين عملا بعينه تجرمه كافة الشرائع والنواميس.
لعل السؤال المحوري في هذه السطور: «هل باتت أوروبا في مأزق حقيقي وبمواجهة معضلة بعينها إزاء الإرهاب القائم والقادم؟
يمكن القطع وبدون أدنى تردد أن هناك مخاوف حقيقية من أن ينتشر الطاعون مرة أخرى في أرجاء القارة الأوروبية، لكنه في واقع الأمر ليس طاعونا بيولوجيا كذاك الذي ضرب أوروبا في القرن السادس عشر، وجعل أوروبا عاجزة عن جمع الجثث من الشوارع، بل هو طاعون فكري بات يتسرب من بين الثنايا والحنايا، ولا احد يقدر على مواجهته بالطرق الاعتيادية او التقليدية.
أصبحت أوروبا ومن جديد أرضا لإحياء أزمنة الحروب الماضية، واستدعاء الخلافات التاريخية، وهذه وتلك امتلأت حكاياها بقضايا دينية وإيمانية، وما أسوأ حال الإنسانية يوم تكون الصراعات من منطلقات عقائدية وروحية.
لا يمكن إنكار أن حالة المد الأصولي التي عاشها الشرق الأوسط في العقود الأربعة أو الخمسة الماضية لم تؤثر على أوروبا، كما أن الصراع القطبي الأمريكي السوفييتي، أتاح في واقع الحال لتيارات الإسلام السياسي أن تنمو وتنتشر بشكل غير طبيعي، وحين وضعت الحروب أوزارها، عاد هؤلاء في أواخر الثمانينات إلى أوروبا لكي ينشروا أفكارهم، ويسعوا إلى خلق جيل جديد من الاتباع المغرقين في أصوليتهم، وقد جاءت الحروب الأخيرة في الشرق الأوسط، وكذا الأقصى، لكي تعطي لهؤلاء وأولئك قبلة الحياة، بدءا من الحرب على أفغانستان وصولا إلى العراق، ومن ثم نشوء وارتقاء تنظيمات إرهابية مثل القاعدة وداعش، والذين لم يعدموا المزيد من المريدين من المقيمين على الأراضي الأوروبية سواء من أبناء البلاد الأصليين أو من المهاجرين من الجيل الأول والثاني.
ولعل ما جعل ويجعل مأزق الإرهاب في أوروبا معضلة حقيقية، هو أن المشهد الحديث للجماعات الإرهابية بات منافيا ومجافيا لما كان عليه الأمر في تسعينات القرن الماضي… ما الذي نعنيه بهذا الحديث؟ المؤكد انه حين ولدت القاعدة على الأراضي الأفغانية، كان هناك هرم تنظيمي واضح تجري من خلاله سياقات الأعمال الإرهابية، بمعنى وجود رأس للتنظيم واذرع ومساعدين وأوامر تخرج من الأعلى إلى الأقل رتبة، وهكذا مضت عمليات عديدة مثل عملية الحادي عشر من سبتمبر 2001.
لكن ما جعل ويجعل مجابهة الإرهاب في أوروبا إشكالية حقيقية، هو أن الإرهاب الآن بات يسعى في طرق غير هيراركية، ولم تعد العمليات الإرهابية تجري كما السابق، بمعنى انه لم يعد هناك راس يدبر ويفكر ويصدر التكليفات بالعمليات، بل باتت القناعات فردية، وأصبحت أدوات الإرهاب في غير حاجة إلى القنابل والمفخخات، اذ يكفي أن يستقل الإرهابي سيارته ليدهس ويقتل ما شاء لهم من عباد الله الآمنين.
من هنا ولد مصطلح «الذئاب المنفردة»، أي أولئك الذين تتحكم فيهم القناعات الشخصانية وتقودهم أفكارهم السوداوية من أجل احداث أكبر الضرر بالآخر، وتحويل حياته إلى نوع من أنواع الجحيم المقيم. يتساءل خبراء مكافحة الإرهاب في أوروبا اليوم عن الذئاب المنفردة، وهل من طريق ناجع لمواجهة دعاة الموت المجاني؟
الكارثة الحقيقية في المشهد الإرهابي الأوروبي الآني تتمثل في أن غالبية إن لم يكن كل هؤلاء الذئاب القائمين أو القادمين، انهم أشخاص عاديون لا يلفتوا الانتباه إلى شخوصهم، ولا يبدو على محياهم أو من خلال تاريخهم المهني أو الدعوي آية علائم موصولة بميول إرهابية، وعليه يمكن توقع مساراتهم أو مساقاتهم، وعليه يمكن أيضا وضعهم تحت رقابة امنيه وثيقة ولصيقة طوال الأربع وعشرين ساعة من ساعات النهار.
الأمر الآخر هو انه ما من إرهاب او عمليات إرهابية بدون تمويل كبير حتى يتدبر الإرهابيون شؤونهم، غير انه في حال الذئاب المنفردة يضحى الأمر أكثر سهولة ويسر، إذ تقوم عمليات الذئاب المنفردة على مبدا التمويل الذاتي المحدود والاستعانة بالمواد التي تدخل في صناعة المتفجرات والتي يمكن الحصول عليها في الأسواق دون أن تجلب الانتباه والمراقبة.
ولعل إشكالية أوروبا مع الذئاب المنفردة أنها تواجه جيلا من الإرهابيين المتعلمين بل وبعضهم خبراء في مجالاتهم لا سيما النواحي الإلكترونية الحديثة وشبكات الاتصال والتواصل، وبقية أدوات الحياة التي تتحول في أياديهم إلى أدوات للموت.
في هذا السياق لا يمكن لاحد أن ينكر أن أوروبا وغيرها من بقاع وأصقاع العالم باتت مهددة من قبل توافر المعرفة عبر الشبكة العنكبوتية، فعلى سبيل المثال وفي تقرير مطول لها، نشرت مجلة «الفورين بوليسي» الأمريكية ذائعة الصيت تقريرا عن الارهابي النووي، أي ذاك الذي يمكنه ان يبتكر قنبلة نووية بدائية بمبلغ لا يتجاوز العشرة آلاف دولار، حال توافرت المواد المطلوبة، وباتت مواقع الإرهابيين على الانترنت تقدم معلومات للإرهابيين حول العالم بلغات شتى، لتبرهن على أنها قادرة على استقطاب الشباب الأوروبي والأمريكي إلى صفوفها.
لم تتوقف كارثة الإرهاب في أوروبا عند هذا الحد، اذ يبدو ان الأوروبيين أمام منعطف اشد خطورة، ذاك الذي عرف مؤخرا بقضية «خلايا التماسيح».. ماذا عن هذا؟
في أواخر شهر أبريل الماضي كانت أجهزة الاستخبارات البريطانية تحذر من مخططات لتنظيم داعش الإرهابي لتنفيذ هجمات في بريطانيا وأوروبا عبر ما يسمى بـ «خلايا التمساح»، والتماسيح معروف عنها أنها تنام لفترات طويلة جدا في أماكن بعينها سواء في المياه العميقة او بالقرب منها، ويخيل لمن حولها أنها غير موجودة، غير انه وفي لحظات بعينها تنطلق بقوة وشراسة لتلتهم من حولها مرة والى الأبد، ولتقضي على الأخضر واليابس من دون استعداد من الطرف الآخر. هذه هي في واقع الحال فلسفة الدواعش الجديدة، لا سيما بعد عمليات الاندحار التي تعرضوا لها في العراق وسوريا، وبعد الامتهان الكبير الذي وقع لهم.
يسعى الدواعش، والقيادات الخاصة بهم بنوع خاص إلى إيقاظ التماسيح النائمة، أي الخلايا الإرهابية الساكنة، تلك التي كانت ولا تزال تنتظر الأوامر من أجل التحرك واحداث اكبر قدر من الانتقام والخسائر في الآخر فردا كان او جماعة او مؤسسة.
ولعل ما يجعل خطر تلك التماسيح شديد الخطورة كون بعضها قريب العلاقة بعضها البعض، بمعنى انها خلايا عائلية، الأمر الذي رايناه في حادث سيرلانكا الأخير، وقبله في اندونيسيا، بمعنى ان تكون خلية التمساح من الأشقاء، وهو ايضا كما حال الأخوان كواشي في فرنسا على سبيل المثال، واللجوء الى هذا الأسلوب، الهدف منه الهروب من الرقابة الأمنية، وايجاد طرق للتغطية بحيث لا يمكن اختراق مثل تلك الخلايا من أجهزة الأمن التي تفتح أعينها في الحال والاستقبال على العناصر المرشحة لان تضحى ارهابية. اضحت أوروبا الآن وفي الواقع المؤلم بين نارين، ذئاب منفردة تترصدها من جهة، وخلايا تماسيح راقدة يمكنها ان تستيقظ وقتما تشاء، وعليه يتساءل الناس أوروبيا كيف الفرار من هذا القدر الصعب الذي بات مكتوبا على الجبين الأوروبي؟
ما تواجهه أوروبا حقيقة ليست مشكلة، لان المشكلة يمكن ان تحل من خلال طرق تقليدية معروفة مثل المجابهة الأمنية على سبيل المثال، والقبض على الجناة وايداعهم السجون، وهي الطرق التاريخية في معاملة المجرمين.
لكن وضع اوروبا اليوم هو اشكالي، والاشكالية فلسفيا هي الأزمة التي تحتاج إلى حلول ابداعية ومن خارج الصناديق المعولبة التقليدية، ومن هنا تظهر صعوبة المشهد والمواجهة الأوروبية.
ولعل ما يزيد من الوضع تازما هو ان هناك الكثيرين من الإرهابيين الذين انتموا إلى الدواعش في الشرق الأوسط بات مصيرهم مثير للجدل، هل يسمح لهم الرجوع الى دولهم، أم تسقط عنهم جنسياتهم، ويضحوا مطاردين من العدالة؟
واذا كان هذا حال الآباء من الإرهابيين فكيف يكون الأمر مع الأبناء الذين ولدوا خارج الدول الأوروبية لاباء وأمهات انتموا لداعش؟ وهل يمكن ان يثق احد ما في توبة هؤلاء إن أعلنوها، أم يكون الأمر نوعا من التقية؟ المؤكد ان لا احد يملك جوابا شافيا وافيا في أوروبا على ما يحدث وما هو مرشح للتصاعد حال انفجر صراع بعينه في الخليج العربي او الشرق الاوسط، لكن أوروبا من حسن الطالع لديها الرجال والمرجعيات. أما الرجال فنعني بهم كبار المفكرين والمنظرين من علماء الاجتماع، والمرجعيات تتمثل في الحواضن الفكرية القادرة على التفكير بعمق، لايجاد مخارج اكثر عقلانية من أجل أوروبا أكثر أمنا وأمانا.
الخلاصة: لا يمكن توقع مقاربة ناجحة أوروبية لمكافحة لإرهاب بمعزل عن بقية قضايا أوروبا الملتهبة في الحال والاستقبال.