حرف وصناعات : صناعات الحُلي

إعـــــــــداد: حمادة السعيد –

هذه الحلقات المكتوبة إنما هي إشارات سريعة وعاجلة، للفت الأنظار إلى قضية مهمة في زمنِ البطالة لتوجيه أنظار الباحثين عن العمل إلى المهن والحرف وعدم احتقارها أو التهوين من شأنها، فلقد حثّ الإسلام على العمل أيّا كان نوعه، شريطة أن يكون بهذا العمل نافعا لنفسه وللآخرين غير ضار لأحد، ويكفي هؤلاء الذين يعملون بالحرف والصناعات شرفًا وفخرًا وعزة وكرامة أن أشرف خلق الله وأفضلهم وهم الأنبياء والرسل قد عملوا بحرفة أو امتهنوا مهنة.
ولقد أشار القرآن الكريم في آياته إشارات واضحة ومباشرة أو ضمنية تفهم في مجمل الآية إلى بعض الحرف والصناعات كذلك حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وحين يشير القرآن تصريحا أو تلميحا إلى أمر ما فهو أمر مهم وعظيم فالقرآن لا يتحدث إلا عما فيه سعادة وصلاح حال البشرية ومن الحرف التي أشار إليها القرآن الكريم في آياته هي صناعة الحُلي وعلى رأسها الذهب وهذه الصناعة من الصناعات التي تدر ربحًا وفيرًا حيث تجمع في طياتها عددا من الحرف والصناعات البارعة والتي بدأت الآلات الحديثة تنافس فيها المنتج اليدوي الذي كان يشكله الصائغ بيديه وكلما كان المنتج نفيسا كانت قيمة المهنة نفيسة.
وبحسب ما ذكرته شمس علي في بحث لها بعنوان «صياغة الذهب فن يواجه تهديد الآلة» إن أي قطعة مصوغة مهما خف وزنها وصغر حجمها، في حاجة قبل البدء بصناعتها إلى نموذج مرسوم إما أن يقوم الصائغ باستحضاره عبر ما تجود به مخيلته الفنية الخصبة أو من خلال الاستعانة بمصمم تنحصر مهمته في الرسم، بعدها تبدأ سلسلة طويلة من مراحل التصنيع تتمثل في الصهر والطرق والسحب والصب في قوالب والنقش، ما يجعل القطعة في نهاية المطاف تحفة فنية بعد أن تضافرت فنون عديدة في صناعتها، أولها الرسم، بيد أنه ليس دائما آخرها النقش. فعلاقة الصائغ بالقطعة التي يقوم على صياغتها، خاصة في الزمن الماضي حيث الاعتماد بالدرجة الأولى على التصنيع اليدوي، لا تكاد تخلو من حميمية بسبب طول بقاء القطعة بين يديه، والتأني في أثناء الاشتغال عليها، وحرصه على أن يبث بين ثناياها جل شحنات الإبداع في داخله.
ولقد لفت القرآن الكريم ونبه لهذه الصناعة أولا عند حديثه عن لباس أهل الجنة وحليهم ومباخرهم فقد ذكر عمر بن سليمان بن عبدالله في كتابه «الجنة والنار»: أهل الجنة يلبسون فيها الفاخر من اللباس، ويتزينون فيها بأنواع الحلي من الذهب والفضة واللؤلؤ، فمن لباسهم الحرير، ومن حلاهم أساور الذهب والفضة واللؤلؤ: قال تعالى: (وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا) الإنسان: 12 (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) [الحج: 23، (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) فاطر: 33، (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) الإنسان: 21.
وملابسهم ذات ألوان، ومن ألوان الثياب التي يلبسون الخضر من السندس والإستبرق (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۚ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا) الكهف: 31، (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ۖ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ) [الإنسان: 21.
ولباسهم أرقى من أي ثياب صنعها الإنسان، فقد روى البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: «أتى الرسول – صلى الله عليه وسلم – بثوب من حرير، فجعلوا يعجبون من حسنه ولينه، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أفضل من هذا». وقد أخبرنا الرسول – صلى الله عليه وسلم – أن لأهل الجنة أمشاطا من الذهب والفضة، وأنهم يتبخرون بعود الطيب، مع أن روائح المسك تفوح من أبدانهم الزاكية، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن الرسول – صلى الله عليه وسلم – في صفة الذين يدخلون الجنة: «آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، ووقود مجامرهم الألوّة – قال أبو اليمان: عود الطيب – ورشحهم المسك».
كما جاء الحديث عن صناعة صياغة الذهب في قوله تعالى «وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدا له خوار».
يقول الشعراوي في خواطره حول هذه الآية: اتخذ قوم موسى من حليهم عجلا جسدا له خُوار، والحلي هو ما يُتَزين به من الذهب، والجواهر والأشياء الثمينة، وسيد هذه الحلي هو الذهب دائما، ونعلم أن الصائغ الماهر يشكل الذهب كما يريد، وإن انكسر يسهل إصلاحه، كما أن كسر الذهب بطيء، ولذلك يقال: إن الذهب كالإِنسان الطيب، كسره بطيء، وإجباره سهل. وعندما نسمع كلمة «زينة» قد يدخل فيها الماس والزمرد، والياقوت، لكن الذهب سيد هذه الحلي. ونعلم أن العالم مهما ارتقى، فلن يكون هناك رصيد لأمواله إلا الذهب، ولذلك لم يأت سبحانه بالياقوت، أو بالجواهر، أو بالماس. ولذلك إذا أطلقت كلمة «الحلي» فالمراد بها الذهب.
وهذه الزينة هي التي صنع منها السامري تمثال العجل، وبطبيعة الحال أخذ الحلي الذهبية لأن الماس والجواهر لا يمكن صهرها، لكن من أين جاء قوم موسى بالحلي وقد كانوا مستضعفين، ومستذلين؟ لقد احتالوا على أهل مصر وأخذوا منهم الحلي كسلفة سيردونها من بعد ذلك. ثم جاء رحيلهم فأخذوا الحلي معهم! وغرق قوم فرعون وبقيت الحلي مع قوم موسى، وصنع السامري من ذهب هذه الحلي عجلا، والعجل هو الذكر من ولد البقر، وساعة تسمع قوله: {عِجْلا جَسَدا} أي أنه مُحَجَّم، أي له حجم واضح. وأخذ أهل التفسير من كلمة «جسدا» أن ذلك العجل هو بدن لا روح له، مثلما نقول: «فلان هذا مجرد جثة». أي كأنه جثة بلا روح.
وقوله الحق: {عِجْلا جَسَدا لَّهُ خُوَارٌ}، هذا القول يدل على أن جسدية العجل لم تكن لها حياة، لأنه لو كان جسدا فيه روح لما احتاج إلى أن يقول عجلا جسدا له خوار، ولاكتفى بالقول بأنه عجل. لكن قوله سبحانه: {لَّهُ خُوَارٌ} دليل على أن الجسدية في العجل لا تعطي له الحياة. وجاء بالوصف في قوله: {لَّهُ خُوَارٌ} والخُوار هو صوت البقر. وقد صنعه من الذهب وكأنه يريد أن يتميز عن الآلهة التي كانت من الأحجار، وحاول أن يجعله إلها نفيسا، فصنعه – كما نعرف – من الحلي المسروقة، وصنعه بطريقة أن هذا العجل الجسد إذا ما استقبل من دبره هبة الهواء، صنعت وأحدثت في جوفه صوتا يشبه صوت وخوار البقر الذي يخرج من فمه، وهذه المسألة نراها في الناي وهو أنبوبة من القصب مما يسمى الغاب البلدي وتصنع به ثقوب، ويعزف عليه العازف ليخرج منه النغمة التي يريدها.
إن هذه الآيات لفيها إشارات ضمنية عن قدرة الصناع المهرة في تشكيل هذا المعدن النفيس في صور مخرجات من الممكن أن تكون دعائم الاقتصاد.
فهذا هو هدي نبينا فمن اتبع هذا الهدى عاش كريما وكفى بصاحب الحرفة فخرا أن أفضل خلق الله وهم الأنبياء والرسل كانوا يأكلون من عمل يدهم وقد عملوا بحرفة أو امتهنوا مهنة.