شخصيات عمانية دخلت العالمية عبر بوابة اليونسكو

نظرا لإنتاجهم المعرفي ودورهم في رفد الحضارة الإنسانية بالمعارف المهمة –
النوفلي: جميع الأسماء المدرجة شخصيات مؤثرة ذات إثر إبداعي.. وقريبا توثيق (النخلة) بالاشتراك مع 18 دولة عربية –
حــاوره: سالم بن حمدان الحسيني –

أنجبت عُمان رجالا سُجِّلت أسماؤهم بحروفٍ من ذهبٍ في صفحاتِ التاريخ، وخلّدت أساطين رجالاتها من الرعيل الأول، من الأئمة وقادة الفكر والعقل، والذين أسهموا في خدمة البشرية وأثروا المكتبة العُمانية والعربية، بل والمكتبة الأجنبية حيث ترجمت بعض أعمالهم إلى عددٍ من اللغات اعترافاً بفضلهم. وهناك عدد من الشخصيات العُمانية صنفتها اليونسكو من ضمن الشخصيات المؤثرة عالمياً وأدرجتها ضمن برنامجها.. نظرا لإسهاماتهم وإنتاجهم المعرفي ودورهم في رفد الحضارة الإنسانية بالمعارف المهمة ذلك ما أوضحه الدكتور حميد بن سيف النوفلي مدير دائرة قطاع الثقافة باللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم. مؤكدا أن هناك جهودا تبذل من أجل إبراز تلك الشخصيات وإشهارها عالميا وتوثيق ذلك عبر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) ومن أبرز الجهات القائمة بذلك الجهد اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم وكذلك وزارة التراث والثقافة وغيرها من الجهات ذات العلاقة.
للتعرف على تلك الشخصيات العمانية التي تم إدراجها حتى الآن ضمن برنامج اليونسكو للذكرى الخمسينية أو المئوية للأحداث التاريخية المهمة والشخصيات المؤثرة عالمياً، وللوقوف على دور اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم في إبراز الشخصيات العمانية للعالمية التقينا الدكتور حميد النوفلي للحديث حول هذا الموضوع فكان الحوار التالي:

هل لكم أن تحدثونا عن الشخصيات العمانية التي تم إدراجها حتى الآن ضمن برنامج اليونسكو للذكرى الخمسينية أو المئوية للأحداث التاريخية المهمة والشخصيات المؤثرة عالمياً؟
هناك أربع شخصيات عمانية تم إدراجها حتى الآن ضمن برنامج اليونسكو للذكرى الخمسينية أو المئوية للأحداث التاريخية المهمة والشخصيات المؤثرة عالمياً وهي: شخصية الخليل بن أحمد الفراهيدي والطبيب راشد بن عميرة والشيخ نور الدين السالمي والطبيب والفيزيائي العماني ابن الذهبي أبو محمد عبدالله الأزدي. وسوف نتناول كلا منها على حدة.. أولى تلك الشخصيات هي شخصية الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي ولد في بلدة ودام على ساحل الباطنة المطل على بحر عمان عام 100هـ في زمن الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز وهو أحد الشخصيات العُمانية البارزة التي تركت أثرًا وبصمة في صنوف العلم والمعرفة؛ وأثرى الحضارة الإنسانية بعلمه وفكره، حيث يعتبر أول من ابتكر التأليف المعجمي، وحصر فيه لغة العرب وألفاظها، وهو الذي وضع أساس علم النحو باستخراج مسائله وتعليلاته، كما ارتبطت شهرته بعلم العروض، حيث استطاع من خلال هذا العلم أن يحصر كل أشعار العرب في بحوره. ولذلك تم إدراجه ضمن برنامج اليونسكو للذكرى الخمسينية أو المئوية للأحداث التاريخية المهمة والشخصيات المؤثرة عالميا في دورتها 33 لمؤتمرها العام في عام 2005م.. كأول شخصية عمانية تدرج في هذا البرنامج. ومن أهم مؤلفاته: كتاب (العين) الذي رتب فيه الكلمات على مخارج الحروف، بادئا بحرف العين الذي سمي به. ثم ألف كتاب (فائت العين): ومن مؤلفاته كتاب المنظومة النحوية: وتضم 293 بيتا وصاغها على وزن عروضي يسمى (بحر الكامل التام) الصحيح العروض والضرب، وضمت الكثير من أبواب النحو العربي وتركت القليل منها، وقد عالج فيها أمورا نحوية كثيرة بأسلوب يتسم بالسهولة والابتعاد عن التعقيد. وله أيضا كتاب النغم: الذي يعزز معرفة الخليل بعلم الموسيقى معرفة تامة. ومن مؤلفاته: كتاب الإيقاع: ويعد من ثمرة ثقافة الخليل الموسيقية. وكتاب العروض: وقد ضمنه بما توصل إليه في علم العروض من أوزان الشعر والدوائر العروضية التي ابتكرها. وكتاب النقط والشكل: وقد ذكر فيه ما توصل إليه في النقط والشكل من ابتكارات لم يسبقه إليها أحد، ومن مؤلفاته أيضا: كتاب الشواهد: و يحتوي على بعض الشواهد التي سمعها من الأعراب، وكتاب العوامل: مختص بالعوامل النحوية. وكتاب الجمل: وهو كتاب مؤلف في أحوال الجملة العربية في النحو. وكتاب المُعَّمى: في الألغاز، وقد توفي عام 175هـ، رحمه الله رحمة واسعة.
أما ثاني تلك الشخصيات فهو الطبيب راشد بن عميرة الذي تم إدراجه في برنامج اليونسكو للذكرى الخمسينية أو المئوية للأحداث التاريخية والشخصيات المؤثرة في دورتها 37 لمؤتمرها العام في عام 2013م باعتباره أبرز شخصية عمانية مؤثرة في مجال الطب والصيدلة، وهو من الأعلام البارزين الذين أسهموا إسهاماً كبيراً في المسيرة الحضارية لعمان عبر تاريخها العريق؛ فكان طبيباً حاذقاً، استطاع أن يعالج كثيراً من الأمراض المستعصية حتى ذاع صيته وأصبح وجهة يقصده القاصي والداني، ولم يكتف بممارسة الطب؛ بل نقل العلوم الطبية عبر تعليم الطب والتأليف فيه. بالإضافة إلى كونه فقيهاً وأديباً وشاعراً، استعمل هذه المواهب في تعليم الطب ووضع الوصفات الطبية، وخير شاهد على ذلك مخطوطاته وأراجيزه التي ألفها بأسلوب سهل يجمع بين العلم والأدب، وبين الشمولي والتخصصي؛ فنجد أنه نظم قصائد مطولة لتشريح جسد الإنسان كاملاً، وخصص أخرى لتشريح مواضع معينة كالعين فقط، ومن أهم مؤلفاته: كتاب منهاج المتعلمين: وهو عبارة عن جواب لابنه عميرة ذكر فيه الكثير من الأمراض وعلاجها، واشتمل على فصول عدة ذكر فيها الكثير من الأمراض وعلاجها ومنها أمراض القلب والمعدة والنخاع والرئة والرحم والمثانة والثديين والكلى والعين والأنف والأذن والظهر والكبد والطحال والمرارة. وكتاب (فاكهة ابن السبيل): وهو كسابقه في وصف الأمراض وأنواعها وطرق علاجها، وكتاب مختصر فاكهة السبيل: هو اختصار لما دونه من أدوية مجربة في علاج الكثير من الأمراض وكتاب مقاصد الدليل وبرهان السبيل، وله كتاب زاد المسافر: في الطب. ومنظومات مشروحة في ذكر الأعضاء الرئيسة في بدن الإنسان، وتشريح جسد الإنسان من الرأس إلى القدم. وغير ذلك من الكنوز المعرفية التي أفاض بها على المكتبة العلمية والتي ما زالت مخطوطة بانتظار من يجتهد ويثابر في تحقيقها من طلبة الطب وأعلامه، لترى النور، حالها حال من سبقها من أمهات الكتب المحققة. وقد عاش الطبيب راشد بن عميرة في نهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر. أي أنه عاش في الفترة الأخيرة لدولة بني نبهان (549هـ – 1034هـ الموافق 1154-1624م).
أما الشخصية الثالثة فهو الطبيب والفيزيائي العماني أبو عبدالله محمد بن عبدالله الأزدي المعروف بــ (ابن الذهبي) المتوفى ببلنسية (من ديار الأندلس) في جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وأربعمائة للهجرة (مايو 1064م). وقد تم إدراجه ضمن الشخصيات المؤثرة بالعالم ضمن أعمال الدورة 38 للمؤتمر العام لليونسكو 2015 والذي من أهم مؤلفاته: كتاب الماء: وهو عبارة عن معجم طبي لغوي يكشف عن عالم لغوي وعالم في الطب في آن واحد. ويعد هذا المؤلف عملاً غير مسبوق في مجاله فقد جمع ببراعة بين فنون الطب وعلوم الصيدلة وتمكن من معالجة الأمراض العضوية والنفسية والعقلية على حد سواء، وكان له السبق إلى فكرة تبديل دم الإنسان بالأغذية وذكر في بعض المواد بدائل الطب المتداولة في عصره (الطب البديل)، ومدى نفعها وضررها، وصحتها وخطئها، كالرقى والاستشفاء بالقرآن، والاستفادة من علم النجوم، وفيه إشارة صريحة إلى مرض السرطان في تلك الأزمنة البعيدة جداً؛ وفي ذلك سبق علمي لابن الذهبي وكذلك أتى بفكرة تبديل الدم منذ ما يزيد على ألف عام؛ فذلك معناه تجاوز أطباء زمانه.
أما الشخصية الرابعة فهي شخصية الشيخ العلامة نور الدين عبدالله بن حميد السالمي المصلح الاجتماعي والموسوعي العُماني حيث صنفتها اليونسكو مؤخرا ضمن الشخصيات المؤثرة في العالم في دورتها 38 لمؤتمرها العام في عام 2015م وكانت شخصية السالمي ذات أثر بالغ في الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية في عُمان حيث أثرى المكتبة العُمانية والعربية بالكثير من المؤلفات في مختلف المجالات، شملت أصول الدين، والفقه وأصوله، والحديث، وعلوم اللغة العربية، والتأريخ، وغير ذلك. وكان – رحمه الله – يجمع في كتاباته بين العقل والنقل ويلحظ الاتجاهات المختلفة في عصره، ويستمد من كتب الفرق المتعددة، وقد ساعد على ذلك إتقانه لأصول الفقه الذي تمزج فيه أقوال شتى المذاهب والاتجاهات.

ما هو دور اللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم في إبراز التراث العماني بكافة أنواعه وأشكاله؟

تسعى اللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم جاهدة للإبراز التراث العماني بكافة أنواعه وأشكاله، فبالنسبة للخطوات المتبعة في هذا المجال وبعد أن تستلم اللجنة خطابا من منظمة اليونسكو حول ترشيح شخصية معينة وفق ضوابط وشروط معينة تقوم اللجنة بمخاطبة بعض الجهات في السلطنة ذات العلاقة ومن تلك الجهات وزارة التراث والثقافة فيتم الاتفاق على ترشيح شخصيتين كحد أقصى لكل دورة، وهذه الدورة مدتها سنتان ففي كل دورة يتم ترشيح شخصيتين شريطة أن تكون ذات جوانب إبداعية في مجالات مختلفة في الطب أو في الجغرافيا أو في الإصلاح الاجتماعي أو في مجال اللغة العربية أو ما شابه ذلك، وتستبعد من ذلك الشخصيات السياسية والشخصيات العسكرية لأن توجه اليونسكو توجه إبداعي فهي تحتفي بالإبداع ولا تلتفت إلى الجوانب السياسية أو الجوانب العسكرية لذلك نجد جميع الأسماء المدرجة في اليونسكو هي شخصيات مؤثرة ذات أثر إبداعي في هذه المجالات. وبعد أن يتم التوافق على تسمية شخصية أو شخصيتين يتم إعداد ملف متكامل هنا في اللجنة الوطنية مستوفٍ جميع التفاصيل المطلوبة ليتم إرساله إلى منظمة اليونسكو في الموعد المحدد وعرضه على اللجنة الفنية باليونسكو لدراسته وإبداء الملاحظات إن وجدت ليتم التواصل مع الدولة ذات العلاقة ليتم العمل بما هو مطلوب وستعتمد الشخصيات التي تم قبولها والتي استوفت الشروط في شهر نوفمبر في المؤتمر العام الذي تجتمع فيه جميع الدول.
واختتم النوفلي حديثه لروضة الصائم قائلا: هناك توجه وسعي حثيث لتقديم ملف النخلة عبر هذه المنظمة وهذا الملف سيمثل 18 دولة كلها من الوطن العربي، مبينا أن مثل هذه الملفات المشتركة تشجع عليها اليونسكو من أجل صون التراث والحفاظ عليه، وهذا يقاس على جميع أنواع التراث.

 

جريدة عمان

مجانى
عرض