نفحات إيمانية : حق الزوجة.. عدم الإساءة إليها

حمادة السعيد –

الأسرة هي أساس المجتمع؛ لذلك اهتم الإسلام ببنائها أشد الاهتمام ووضع لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطوات تسير عليها وحقوقا تحترم من جميع أعضائها.
ولما كانت الأسرة الصالحة هي اللبنة الأساسية لبناء المجتمع الصالح الذي ينعم بنور الإيمان فقد وضع الرسول -صلى الله عليه وسلم- شروطا وضوابط لاختيار الزوجين وبعد قيام الزوجين باستيفاء شروط الاختيار وعقد النكاح الصحيح تبدأ جملة من الحقوق والواجبات تجاه كل منهما للآخر بل إن الشرع الحكيم وضع سلسلة من الضمانات التي تحفظ حقوق الزوجة حتى تكون حياتها هانئة سعيدة.
يقول محمد يعقوب في كتابه «ضمانات حقوق المرأة الزوجية»: إن الشريعة الإسلامية أقرت من الأحكام، ما تضمن به للمرأة الحقوق الزوجية الواجبة لها من لدن الشارع، وذلك بالتأكيد على أداء حقوقها ومنع التنازل عن بعضها شرعا.
وهناك ضمان آخر، للحقوق التي لم توجبها الشريعة، وهو أنها أجازت للمرأة أن تشترط ما ترى فيه مصلحتها، من الفوائد المادية والمعنوية، فيصبح ما اشترطته حقا واجبا لها بالاشتراط في نظر الشرع، وعلى الزوج أن يلتزم بها، إذا قبلها، ما دامت لا تخالف الشرع في أحكامه.
فللمرأة أن تشترط مثلاً، ألا يخرجها من بلدها، أو يبقيها مع أهلها، أو أن تسكن في دار معينة، ونحو ذلك من الأمور التي تشترط فيها المرأة مصلحة زائدة على ما يقتضيه العقد، بشرط ألا تكون منافية لمقتضاه، ولا مخالفة فيها لأوامر الشرع الحكيم. وقد دل على صحة اشتراط المرأة ما فيه ضمان لحقوقها، أدلة منها: ما رواه البخاري عن عقبة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أحق ما وفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» يعني الزواج.
ومن الضمانات لحقوق المرأة في الإسلام، أنها حرمت الإضرار بالمرأة، سواء كان الإضرار بها ماديا، أو معنويا. يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} آية 231 سورة البقرة، وقال تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنّ} أية 6 سورة الطلاق. وجاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه ابن ماجة عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «قَضَى أَنْ لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ».
والمقصود بعقد النكاح كما هو معلوم، حصول المنفعة المادية والمعنوية المطلوبة شرعا لكل من الزوجين، ونظرا لشدة قرب العلاقة بين الزوجين، في الجسد والأحاسيس، والمصالح، فإن كلا منهما يتأثر بالآخر بما لا يتأثر به غيره، ويقع التأثير النافع بوجود الصفات المرجوة، والحالة المطلوبة في كل منهما، كما يقع التأثير الضار بوجود الصفات المرفوضة، والحالة الملفوظة في كل منهما.
وقد ضمنت الشريعة الإسلامية حق المرأة في عدم الإضرار بها، بأن جعلت لها الخيار في إمضاء عقد النكاح، أو فسخه، إذا لحقها الضرر من قِبل الزوج بسبب وجود عيب فيه، أو التغرير بصفة ترغب الزوجة وجودها فيه، أو إعساره، أو فقده.
وقد اتفق جمهور العلماء على أن تنفيذ خيار المرأة في فسخ النكاح، وإنهائه، إنما يكون بعد الرجوع إلى القاضي، أو الحاكم الذي له الحق في الإبقاء على النكاح، أو فسخه بالنظر إلى الحالة الراهنة، وبحسب ما يوصله إليه اجتهاده.
كما أن الشريعة جعلت لها الخيار، في حالة وجود عيب جسدي في الزوج. فلا يخفى أن العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة تستدعي أن يكون كل منهما على قدر كاف من الصحة والعافية، ليتمكن من أداء حقوقه الزوجية تجاه الآخر، على الوجه المطلوب، فإن لم يكن الأمر كذلك، لحق الضرر بالعلاقة الزوجية، وتعثر الاستمرار فيها. وهذه العيوب التي تعرقل سير الحياة الزوجية، منها ما تكون بالمرأة، ومنها ما تكون بالرجل.
ويقول الدكتور محمد محمد مختار في كتابه «فقه الأسرة» ذاكرا بعض حقوق المرأة على زوجها ومنها عدم ظلمه لها أو الإساءة إليها قائلا:فرض الله على الأزواج حقوقاً تجاه زوجاتهم، هذه الحقوق من حفظها وحافظ عليها وأداها على وجهها فقد حفظ وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- في أهله، قال -صلى الله عليه وسلم-: (استوصوا بالنساء خيراً)، ومن حفظ هذه الحقوق وحافظ عليها فإنه من خيار عباد الله المؤمنين، قال -صلى الله عليه وسلم-: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)، فهي الحقوق العظيمة التي فرضها الله على زوجٍ يخافه ويتقيه، ويعلم علم اليقين أنه محاسبه ومجازيه، هذه الحقوق إذا قام الأزواج بها على وجهها كانت السعادة والطمأنينة، وشعرت المرأة بفضل الزوج، وأنه مؤمن قائم لله عز وجل بحقه وحقوق عباده، وإذا رأت المرأة من زوجها الاستهانة والاستخفاف بحقوقها تنكد عيشها وتنغصت حياتها، حتى أنها ربما لا تستطيع أن تقوم بعبادتها على وجهها؛ بسبب ما ينتابها من الوساوس والخطرات، وبما تحسه من الظلم والاضطهاد والأذية.
ولذلك قال العلماء: إن إضاعة حقوق الزوجات أعظم من إضاعة حقوق الأزواج؛ لأن الزوجة إذا ضاع حقها لا تدري ماذا تفعل، ولا أين تذهب، وهي تحت ذلك الزوج الذي يمسكها للإضرار والتضييق عليها.
وأما الرجل فإنه إذا ظلمته المرأة وضيعت حقه استطاع أن يطلق، وقد يكون بقوته وما أعطاه الله من الخلقة وفطره عليها يستطيع أن يصبر ويتحمل، ولكن المرأة لا تستطيع ذلك.
ولهذا قال العلماء: ظُلم النساء في حقوقهن عظيم، والمرأة إذا ظُلمت ضاقت عليها الأرض بما رحبت، فتحس أنها قد فشلت في حياتها، وأنها لا مفر لها من هذا البلاء، وليست كالزوج الذي يطلق وينفك من بلائه، ولهذا يكون مفرها إلى الله، وشكواها إلى الله، وتبث حزنها إلى الله، وكفى بالله ولياً، وكفى بالله نصيراً.
ولذلك أنزل الله في كتابه آية المجادلة، وأخبر أنه سمع شكوى المرأة من فوق سبع سماوات، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (إني لمن وراء الستر يخفى عليّ بعض كلامها، وهي تقول: إلى الله أشكو ثعلبة، إلى الله أشكو ثعلبة، قالت: فسمعها من فوق سبع سماوات، فسبحان من وسع سمعه الأصوات!).
فالمرأةُ إذا ظُلمت وضيّق عليها واضطهدت لا تستطيع الشكوى إلا إلى الله، بل يبلغ ببعض النساء أنه يضيع حقها، وتضطهد في بيتها، وتُظلم من زوجها، ولا تستطيع الشكوى لا لأبيها ولا لأخيها ولا لقرابتها وفاءً لبعلها وزوجها، وقد لا تستطيع الدعاء عليه ولا شكوى أمره إلى الله؛ لأنها تحبه ولا تريد السوء له، وهذا يقع في المرأة الحرة الأبية؛ ولذلك تقع بين نارين لا تستطيع الصبر عليهما إلا بالله عز وجل.
وهذه الحقوق التي فرضها الله على الأزواج تنزلت من أجلها الآيات، ووقف النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع أمام أصحابه في آخر موقف وعظ به أكثر أصحابه في حجة الوداع، فكان مما قال: (اتقوا الله في النساء).