ترامب لا يريد حربا بل اتفاقا جديدا

د. عبدالعاطى محمد –

عندما أبلغ الرئيس الأمريكي سويسرا بصفتها الراعية للمصالح الأمريكية في إيران برقم الهاتف الذي تستطيع طهران من خلاله أن تتواصل معه، اتضح أن الرجل برغم كل التحركات التي وضع بها المنطقة فوق سطح صفيح ساخن، لا يريد حربا كما توحي بذلك هذه التحركات، وإنما يريد اتفاقا جديدا مع إيران، بعد أن كان قد ألغى من جانبه الاتفاق الذي وضعته إدارة سلفه بقيادة باراك أوباما.

لقد كان واضحا منذ انتخابه ثم توليه السلطة في البيت الأبيض أنه عازم على إلغاء الاتفاق النووي الذي اجتهدت إدارة أوباما على مدى عدة سنوات في التوصل إليه، ووقتها باركته أوروبا وربما معظم الأطراف المعنية بالعلاقة بين طهران وواشنطن في ظل التطورات الساخنة التي مرت بها المنطقة سواء فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب والعمل على التخلص من تنظيم «داعش»، أو التغيرات الحادة التي أصابت دولا عدة من خلال ما كان يعرف بالربيع العربي. ووقتها أيضا تقبلته دول الخليج العربية باعتبار أنه اتفاق يخمد ولو لبضع سنوات نيران القلق والخوف من ظهور إيران قوة نووية جديدة في العالم. ومع ذلك لم يكن ترامب مقتنعا بهذا الاتفاق، وقال بوضوح خلال حملته الانتخابية أنه سيعمل على إلغائه لو قدر له الفوز. ووقتها أيضا لم يأخذ الكثيرون كلامه على محمل الجد واعتبروه مجرد وعد انتخابي وارد ألا يكون عملا حقيقيا شأن الكثير من الوعود الانتخابية التي غالبا ما تكون للاستهلاك المحلي (أو للفوز في الانتخابات). ولكن لأن ترامب مسكون بعقيدة مؤداها تغيير كل ما قامت به إدارة أوباما، تعامل مع هذا الوعد الانتخابي بالتحديد على أنه التزام ضمن إستراتيجيته: أمريكا أولا واستعادة قوتها المنفردة للعالم.
وهكذا قرر من اليوم الأول أن يخوض لعبة «عض الأصابع» مع إيران، حيث توالت تغريداته التي كانت تصف الاتفاق بأنه أسوأ ما فعلته إدارة أوباما وأنه يتعين انسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق مستغلا سلطته كرئيس للبلاد خصوصا أن الاتفاقات من هذا النوع لا تدخل في اختصاص الكونجرس (ليس معاهدة). ومع أن أصدقاءه الأوروبيين الذي كانوا شركاء في وضع هذا الاتفاق أعربوا له بوضوح رفضهم لتغييره، إلا أنه لم يصغ لأحد مهم، ولم يتأخر كثيرا حيث قرر بالفعل الخروج من هذا الاتفاق، وأرفق بذلك سلسلة من الضغوط الاقتصادية العقابية التي تضررت منها طهران فعلا وكذلك الشركاء الأوروبيين!
ووصلت هذه الضغوط إلى تصفير تصدير النفط الإيراني (عبر جدول زمني تم تطبيقه). وخلال حربه السياسية مع طهران كان قد انخرط في قضية مشابهة هي التصدي لطموحات كوريا الشمالية النووية، وفيها استخدم نفس أدوات «عض الأصابع»، ونجح نسبيا عندما أجبر رئيس كوريا الشمالية على لقائه على مائدة المفاوضات حفز كل من الصين وروسيا على تسهيل المهمة درءا لتداعيات أمنية خطيرة على الجميع. واعتبر نجاحه في دفع رئيس كوريا الشمالية إلى اللقاء معه إنجازا تاريخيا. واستنتج أن استراتيجيته تؤتي أكلها وتحديدا مع تشديد الضغوط الاقتصادية.
ولكن ترامب لم يكتف بالضغوط الاقتصادية القاسية ورأى هو وفريقه أنه لا بأس من إشهار سلاح الحرب أو التهديد بها، فأرسل كما تابع الجميع القاعدة العسكرية الشهيرة المتحركة «إبراهام لينكون» إلى مياه الخليج، كما أرسل وزير خارجيته على عجل في زيارة قصيرة ومهمة إلى العراق للتحذير من استخدام إيران صواريخها البالستية ضد قاعدة أمريكية هناك. وهدد ترامب وتوعد بلغة القادر على شن الحرب، إلى درجة أن المنطقة باتت كمن يحاول جاهدا التقاط الأنفاس. وساد الخوف حقا من أنه طالما هناك عملية لدفع المنطقة إلى حافة الهاوية، فمن الوارد على سبيل وقوع الخطأ بالصدفة أن ينقلب التهديد إلى حقيقة لا يعرف أحدا أين تقف تداعياتها الخطيرة. إلا أنه وبرغم كل هذا التصعيد من جانب ترامب وإدارته كانت هناك مؤشرات مختلفة تقود إلى استنتاجات مختلفة عما كان ظاهرا للعيان، فقد تكون المخاوف حقيقية ولكن قرار التصعيد إلى حد الحرب أو الأعمال العسكرية ليس سهلا، حتى أن ترامب نفسه قال إن بلاده لا تريد حربا في المنطقة، ومن ناحية أخرى تحركت ترسانته الدبلوماسية في اتجاه البحث عن وساطة إقليمية لمنع أي انفجار يتم بالصدفة، وأن ينتقل الملف إلى الطريق الدبلوماسي. وقد ذكرنا في بداية المقال أن الرئيس الأمريكي عندما قرر أن يترك رقم هاتفه للوسيط السويسري لإبلاغه إلى طهران، حدد هدفه من التصعيد بأنه يريد اتفاقا جديدا، تماما كما كان يردد منذ دخوله البيت الأبيض.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو، هل يستطيع ترامب أن يجعل طهران تجلس مجددا لتوقيع اتفاق جديد ومع شخص مثله يصعب التنبؤ بمواقفه وآرائه وقراراته. الإجابة يصعب تحديدها، ولكن يمكن التوقف عند بعض المؤشرات التي ترجح إمكانية القبول باتفاق جديد من عدمه، وحدود وطبيعة هذا الاتفاق إن قدر له أن يتم فعلا.
المؤشر الأول يتعلق بعامل الوقت، فمن المعروف أن إدارة أوباما ومعها شركاء أمريكا الأوروبيين استغرقوا وقتا طويلا جدا للوصول إلى الاتفاق القديم، وكانت الظروف أسهل كثيرا مقارنة بالظروف الراهنة حيث لم تكن المواجهة بين طهران وواشنطن بنفس ضراوة المواجهة الحالية، هذا فضلا عن أن الشركاء الأوروبيين قد أصابهم الإحباط من الانسحاب الأمريكي ومن ثم لم يعودوا متحمسين لبدء جولة جديدة لا أحد يعلم متى تصل إلى نهايتها.
والمؤشر الثاني هو وضع ترامب الداخلي، فالمؤكد أن الرجل تعمد تصعيد الموقف لأغراض تتعلق بالانتخابات الرئاسية والنصفية للكونجرس نهاية العام القادم، وقد بدأت الاستعدادات لها من الآن على صعيد الحزبين الكبيرين، ومن الوارد أن يبقي ترامب على الوضع الراهن بين بلاده وإيران ساخنا لأقصى حد لكي يبدو أمام الناخب الأمريكي الرئيس القوي الذي يجب إعادة انتخابه، خصوصا أنه شعبوي والتيار الغالب الآن في الولايات المتحدة شعبوي أيضا. ولكن هذا لا ينفى أن موقفه الانتخابي حرج مع وجود أغلبية ديمقراطية في مجلس النواب، ورغبة الحزب الديمقراطي في أن يثأر لنفسه بعد هزيمته المفاجئة في الانتخابات التي قادت ترامب إلى البيت الأبيض، إضافة إلى أن الرجل دخل في عداوة غير مسبوقة مع الإعلام. وبناء عليه فإن غياب ترامب عن الرئاسة المقبلة لا يجعل إمكانية لعقد اتفاق جديد مع طهران، بينما نجاحه يؤكد هذا الاحتمال.
والمؤشر الثالث هو أن ترامب يتحدث عن ضرورة وضع اتفاق جديد، ولكنه لا يحدد عناصر هذا الاتفاق، هو يريد إعادة طهران إلى مائدة مفاوضات دون أن يقدم أجندة لها، وفي حالة كهذه من الصعب التكهن بمصير أية مفاوضات جديدة، فقط سيتابع العالم سلسلة من التغريدات التي لا تشكل سياسة واضحة، بينما سيركز ترامب على تحقيق المزيد من المكاسب الاقتصادية لبلاده مستغلا التخويف أو الترهيب من السياسة الإيرانية، وكذلك خلط الأوراق من نفس الملف ليعيد بناء علاقات بلاده مع القوى الكبرى الأخرى في عالم اليوم. ولنا أن نتذكر أنه قال مؤخرا: نحن سعداء بأننا أربكنا إيران. والمعنى أو الإرباك ينصرف إلى بقية العالم سواء الحلفاء والأصدقاء أو الخصوم!. والمؤشر الرابع هو الموقف الإيراني نفسه، فمن المنطقي أن يقابل التصعيد الأمريكي بتصعيد مماثل على أكثر من صعيد دفاعا عن مصالحه ووجوده القومي، ومن المنطقي أن يرفض كل الضغوط الأمريكية للقبول بالدخول في مفاوضات جديدة، خاصة أن المفاوضات السابقة كانت صعبة وما توصلت إليه من اتفاق قبله الجميع واستبشروا من ذلك خيرا، والاتفاق يشكل التزاما دوليا على الولايات المتحدة والانسحاب منه لا يبعث على الثقة في تكرار العمل مرة أخرى. ولكن السياسة لا تعرف هذه المواقف الجامدة، فمن الوارد أن تقبل إيران بمفاوضات جديدة ولكنها لا ينقصها الدهاء الدبلوماسي لقلب هذه المفاوضات لصالحها، عندما تربط كل خطوة برفع العقوبات، وأن تطيل أمدها وأن تنجح في إقناع العالم بأن الموقف الأمريكي يضر بمصالح الجميع بمن فيهم حلفاؤه، وأنها يمكن أن تجعل الطرف الأمريكي هو الذي يصرخ أولا في لعبة «عض الأصابع». ما لم يدركه ترامب وفريقه حتى الآن هو أن الصراعات الثنائية أو متعددة الأطراف لم تعد تقبل التعامل معها بقاعدة المعادلات الصفرية.. هناك دائما حل وسط.