التسوية تبدو قريبة.. ولكن يبقى السلام بعيدا!

أحمد صلاح الدين –

إن أغلب الظن أن الولايات المتحدة ترغب الآن في الخروج من المأزق الأفغاني للتفرغ للأزمات الأشد إلحاحا والأكثر خطورة، وهي في سبيل ذلك قد تمنح طالبان قدرا من الجوائز وأيضا التنازلات بهدف تمرير مشرع اتفاق التسوية المنشودة.

يصعب الحديث عن المبادرات الأمريكية المتتالية للحوار مع حركة طالبان باعتبارها استراحة محارب أو مناورات تكتيكية ولكنها في واقع الأمر تحول استراتيجي هائل في السياسات الأمريكية تجاه أفغانستان وتعكس رغبة أكيدة لدى واشنطن للفكاك من هذا المأزق الذي ربما كانت هي ذاتها سببا في صنعه وتفاقمه على مدى أربعين عاما بالتمام والكمال، فليس خافيا أن المأساة الأفغانية قد بدأت بالفعل في عام 1979 بانقلاب عسكري أسقط الدولة المدنية آنذاك وأعقبه الغزو السوفيتي لمجمل أراضي أفغانستان، ومن ثم تفجر أزمتها من ذلك التاريخ.
ومن وقتها أيضا تحولت السياسات الأمريكية إلى قاسم مشترك أعظم في الأحداث والتطورات الأمنية والسياسية الأفغانية، ولم تجد واشنطن وقتها فرصة أفضل من تلك لتحويل أفغانستان إلى مستنقع حقيقي للقوات السوفيتية كما كانت فيتنام بالنسبة للقوات الأمريكية في ستينيات القرن الماضي، فساندت واشنطن الجماعات «المتشددة المسلحة» الأفغانية على اختلاف أشكالها في حربها ضد السوفييت وأمدتها بالمال والسلاح من مصادر متعددة.
وليس خافيا دور المخابرات المركزية الأمريكية في تأسيس القاعدة بقيادة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري لتكون هي الأخرى سلاحا مشهرا في وجه القوات السوفيتية، وبالفعل أدت تلك السياسات إلى انسحاب القوات السوفيتية عام 1989 بعدما تكبدت خسائر جسيمة في المعدات والأفراد على مدى عشر سنوات بينما خسرت الدولة الأفغانية نحو ثلاثة ملايين قتيل.
وربما لم تتعرض دولة في العالم لمحاربة القوتين العظميين خلال فترة وجيزة من الزمن مثلما حدث مع أفغانستان فبعدما فرغت من حربها مع موسكو وانسحاب قواتها حتى تفجرت حربها الأهلية الداخلية بين المجموعات المسلحة وأمراء الحرب بتدخلات إقليمية وعالمية مخزية وتمددت القاعدة أكثر وأكثر مع تولي حركة طالبان السلطة في البلاد إلى أن كانت أحداث سبتمبر 2001 وافتتاح واشنطن أولى حروب القرن الحادي والعشرين على الأراضي الأفغانية بداعي محاربة الإرهاب وسحق القاعدة وحركة طالبان، إلا أنه من ذلك التاريخ وحتى اليوم فشلت الولايات المتحدة في اقتلاع جذور الإرهاب تماما، ليس في أفغانستان وحدها ولكن في مناطق عدة من العالم.
وظلت طالبان ولا تزال رقما صعبا جدا في المعادلة الأفغانية خاصة مع تصاعد عملياتها العسكرية وتحكمها في مساحات شاسعة من البلاد، الأمر الذي يعكس فشلا ذريعا لواشنطن ويؤكد مجددا أن الرغبة الأمريكية في التفاوض بل والدخول بالفعل خلال السنوات القليلة الماضية في مفاوضات جادة جدا مع حركة طالبان في عواصم عدة وطرحها مشروع تسوية للخروج الأمريكي وإقرار تسوية نهائية للبلاد مع التعهد بعدم تحويلها إلى قاعدة للإرهاب والإرهابيين، هي بالفعل رغبة استراتيجية وليست تكتيكية لإغلاق الملف الأفغاني، أمريكيا على الأقل، بعد خسائر أمريكية جسيمة ماليا وعسكريا وبشريا.
حاليا وعلى الرغم من وجود أكبر عدد على الإطلاق من القوات الأجنبية في تاريخ البلد استطاعت «طالبان» توسيع نطاق نفوذها على نحو مطرد، وهو ما جعل مساحات شاسعة من أفغانستان غير آمنة وعاد العنف في البلاد إلى مستويات لم تشهدها منذ عام 2001 في حين أعطى اعتماد الحركة خلال السنوات القليلة الماضية على تفجير عبوات ناسفة على جوانب الطرق، باعتبار ذلك سبيلا لمحاربة «الناتو» والقوات الأفغانية زخماً لدفع واشنطن للتفاوض والحوار.
وتضمنت صفقة الخروج المطروحة، بحسب صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، إعلان حركة طالبان «تخلّيها عن الجماعات الإرهابية العالمية، وتتضمن أيضاً تعهد الحركة بـ«عدم استخدام أفغانستان منطلقا للهجمات على الولايات المتحدة» مقابل وقف الولايات المتحدة إطلاق النار وتحديد جدول زمني للانسحاب من أفغانستان، مضيفة: أن الطرفين يضعان اللمسات الأخيرة على الصفقة. وهذا التطور اللافت في المفاوضات جاء بعد أيام من تهديد حركة طالبان بالانسحاب من محادثات السلام الأفغانية إذا رفضت أمريكا مناقشة انسحاب القوات الأجنبية من البلاد.
هذا التحول الاستراتيجي هو الذي جعل واشنطن تتعامل مع جماعة طالبان وهي المصنفة جماعة إرهابية منذ أحداث سبتمبر إلا أن المصالح الأمريكية الملحة دفعتها ليس للتفاوض مع طالبان فحسب ولكن مع وفد منها يضم أفرادا كانوا معتقلين كإرهابيين في سجن جوانتانامو، ولكنها على أي حال ليست المرة الأولى التي تقدم فيها واشنطن على خطوة كهذه، فقد سبق لها أن تعاملت مع دول وجماعات وأفراد طالما اعتبرتهم إرهابيين. وقد أثارت مفاوضاتها مع طالبان انتقادات عدة داخل الولايات المتحدة ذاتها باعتبارها اعترافا صريحا من جانب الإدارة الأمريكية بحركة إرهابية روعت واشنطن والقوات الأمريكية، فضلا عن أن مؤشرات على تسليمها السلطة للحركة ولو بضمانات معينة وترتيبات مع الحكومة القائمة في كابول حظيت بانتقادات عديدة من جانب مراكز أبحاث سياسية على أساس أنه لا ضمانات نهائية يمكنها لجم الحركة عن أي سياسات متطرفة خاصة وأنها جماعة عقائدية متشددة.
ومن هذا المنطلق يمكن القول إن ثمة فارقا كبيرا بين التسوية التي طرح مشروعها المبعوث زلماي خليل زاد ضمن اتفاق الدوحة الأخير وبين السلام الدائم والشامل في ربوع الأراضي الأفغانية.
واقع الأمر أن التسوية يمكن أن تكون بالفعل قريبة وفي المتناول برغم الصعوبات الظاهرية في المفاوضات الجارية ولكن الرغبة الأكيدة من جانب واشنطن وطالبان في صياغة التسوية يمكن أن تفتح شرايين المفاوضات، إلا أن السلام شيء مختلف ويحتاج إلى مقاربات من نوع آخر تتداخل فيها عوامل سياسية وأمنية واقتصادية وتنموية، أغلب الظن أن أفغانستان ليست مهيأة لها بعد وكذلك لن يكون في مقدور واشنطن أن تلعب هذا الدور وهي التي تخوض مواجهات شرسة في إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا ومع الصين وفي دول شرق أوسطية أخرى، ولا نظن أن سعيها لإغلاق الملف الأفغاني ينبع من رغبة حقيقية في إقامة سلام دائم في هذه الدولة المنكوبة بقدر رغبتها في التخلص من عبء ثقيل يكاد أن يكسر كاهلها.
أخيرا فإن أغلب الظن أن الولايات المتحدة ترغب الآن في الخروج من المأزق الأفغاني للتفرغ للأزمات الأشد إلحاحا والأكثر خطورة، وهي في سبيل ذلك قد تمنح طالبان قدرا من الجوائز وأيضا التنازلات بهدف تمرير مشروع اتفاق التسوية المنشودة، إلا أن المخاطر الناجمة تبدو بالفعل جسيمة وقد تؤدي إلى تكرار تجربة القاعدة المريرة مجددا، خاصة مع تمدد مجموعات داعش شرقا في دول آسيوية عديدة مثل الفلبين وأفغانستان وسريلانكا وهجمات كولومبو الأخيرة خير مثال على هذا، وبذلك ستجد أفغانستان مجددا نفسها في مواجهة دائرة خبيثة أخرى من التوتر والعنف بسبب السياسات العقيمة لكثير من القوى الكبرى.