رسالة النبى الكريم إلى «هوذة بن على الحنفى» «صاحب اليمامة»

رسائل الرسول إلى الملوك والزعماء –
إعـــــــداد: مـــــــيرفت عزت –

لم يكن «النبى» صلى الله عليه وسلم يعرف القراءة ولا الكتابة، بل كان أميا، ولذلك أتخذ كتاباً من أصحابه رضى الله عنهم، يكتبون له فى مجالات شتى، فمنهم من كتب الوحى، ومنهم من كان يكتب ما يعرض له من حوائج وأمور طارئة، ومنهم من كان يكتب المعاملات وسائر العقود، وكان منهم من يختص للكتابة بين يديه ، ومنهم من كان يكتب نيابة عن غيره.
ولما أراد «النبى» صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الملوك والأمراء قيل له: إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا إذا كان مختوما، فاتخذ خاتماً من فضة، نقش عليه (محمد رسول الله)، وكان النقش ثلاثة أسطر، جاء لفظ (الله) فى أعلى الدائرة، وفى الوسط كلمة(رسول)، وفى الأسفل كلمة (محمد).
ولم تكن رسائل «النبى» صلى الله عليه وسلم مؤرخة بتاريخ، إذا لم يكن ثمة تاريخ معتمد أو متفق عليه بين العرب، ومع اتفاق المؤرخين على أن النبى صلى الله عليه وسلم بدأ بإرسال الرسائل مرجعه من الحديبية، فثمة اضطراب فى الروايات التى ذكرت تاريخ إرسالها.

يقول الشيخ عبد الوهاب عبد السلام طويلة فى كتاب»عالمية الإسلام- ورسائل النبى(ص) إلى الملوك والأمراء» تعد اليمامة من قرى نجد، وتقع جنوب بادية الشام، وتشتمل على وسط جزيرة العرب بين الحجاز والأحساء، وهى بلاد كثيرة النخل .
وهوذة الحنفي، هو أبو علي هوذة بن علي بن ثمامة بن عمرو بن عبد العزى بن سحيم بن مرة ابن الدول الحنفي، ذو التاج صاحب اليمامة. خطيب بني حنيفة قبيل الإسلام وفي العهد النبوي، كان ذا قدر عال في قومه، رجلاً جميلاً شجاعاً لبيباً، له شرف وذكر، وصاحب رأي وحيلة، لكن رأيه خاب فلم يستجب للدعوة الإسلامية.
وسمى ذو التاج لأنه كان يخفر قوافل كسرى عند مرورها بديار بني حنيفة في اليمامة، وهي في طريقها إلى نجران واليمن، وكان يتردد إلى كسرى في مجلسه، ويزوره في المهمات. وفي إحدى هذه الزيارات أكرمه كسرى، وكساه قباء ديباج منسوج بالذهب واللؤلؤ، وقلنسوة مزينة بالدر والجواهر، فكان يلبسها؛ لذلك سمى ذو التاج.
ونص الرسالة: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى هوذة بن على سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن دينى سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك» أرسلها سنة ست أو سبع.
وكان السفير الذى ذهب بالرسالة هو سليط بن عمرو بن عبد شمس العامرى، أسلم قديماً، وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، شهد بدرا وغيرها من المشاهد مع النبى صلى الله عليه وسلم، واختاره النبى صلى الله عليه وسلم لحمل هذه الرسالة، لأنه كان يتردد على اليمامة، ويعرف الحجاز، استشهد باليمامة فى قتال أهل الردة، سنة14ه.
يذكر الدكتور محمد أمين شاكر حلوانى فى كتاب «عالمية الإسلام- ورسائل النبى(ص) إلى الملوك والأمراء»، فلما قدم سليط بن عمرو على هوذة، استقبله هوذة استقبالاً حسناً، فقرأ عليه الكتاب، ثم دار بينهما الحوار التالى: قال سليط: يا هوذة، إنه قد سودت أعظم حائلة، وأرواح فى النار، وإنما السيد من منع بالإيمان، ثم زود بالتقوى، وإن قوماً سعدوا برأيك، فلا تشقين به، وإنى آمرك بخير مأمور به، وأنهاك عن شر منهى عنه، آمرك بعبادة الله، وأنهاك عن عبادة الشيطان، فإن فى عبادة الله الجنة، وفى عبادة الشيطان النار، فإن قبلت فلك ما رجوت، وأمنت ما خفت، وإن أبيت، فبيننا وبينك كشف الغطاء، وهو المطلع.
فقال هوذة: يا سليط، سودنى من لو سودوك شرفت به، وقد كان لى رأى أختبر به الأمور ففقدته، فموضعه من قلبى هواء، فاجعل لى فسحة يرجع إلى رأيى فأجيبك به إن شاء الله.
يضيف الدكتور محمد أمين، ذكر الواقدى أن أركون دمشق- وهو عظيم من عظماء النصارى- كان عند هوذة، فسأله عن النبى صلى الله عليه وسلم فقال: جاءنى كتابه يدعونى إلى الإسلام،فلم أجبه، فقال الأركون: لم لا تجيبه؟ قال: ضننت بدينى، وانا أملك قومى، وإن اتبعته لم أملك. قال: بلى، والله لئن بشر به عيسى ابن مريم، وإنه لمكتوب عندنا فى الإنجيل محمد رسول الله.
أما هوذة بن علي صاحب اليمامة، فإنه عندما وصلت إليه الرسالة لم يفكر في الإسلام؛ لأنه أعجب بالإسلام، لكنه فكر فيه لأنه شعر بقوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتنبأ لدولة الرسول صلى الله عليه وسلم بمستقبل كبير، من أجل ذلك قرر أنه يفاوض الرسول عليه،فكتب هوذة رسالة إلى النبى صلى الله عليه وسلم تتضمن ما يلى: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومى وخطيبهم والعرب تهاب مكانى، فاجعل لى بعض الأمر أتبعك.
والرسول صلى الله عليه وسلم في رسالته إلى هوذة بن علي وعده أن يعطيه ما تحت يديه من اليمامة إن أسلم، لكن هوذة بن علي رغب في مساومة الرسول عليه والصلاة والسلام حتى يأخذ ملكاً أكبر، وعلق إسلامه على هذا الشرط، والرسول صلى الله عليه وسلم يرفض أن يطلب أحد الإمارة، ويرفض أن يعطي الإمارة لمن يطلبها، كما جاء في البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه قال:» إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله ولا أحداً حرص عليه».
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يمنع الإمارة لمن يطلبها؟ لأنه يعلم أن من سيتولى الإمارة وهو حريص عليها فلن يعود ضرره عليه فقط، ولكن سيعود الضرر على كل من يقود؛ لأنه مفتون بالإمارة، وسيضحي من أجلها لا من أجل الإسلام، ولأنه لو تعارض الإسلام مع استمراره في الإمارة سيترك الإسلام ويتمسك بالإمارة، وهنا قد يتبعه قومه، وستكون كارثة ومشكلة كبيرة؛ من أجل ذلك لم يكن الرسول عليه الصلاة والسلام يعطي الإمارة لأحد طلبها.
ولذلك عندما أجاز هوذة سليطاً بجائزة، وكساه أثواباً من نسج هجر – وهى مدينة فى البحرين- فقدم بذلك كله على النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره ودفع إليه كتابه، فقرأه وقال: «لو سألنى قطعة من الأرض ما فعلت»، ثم تنبأ له بالهلكة «باد وباد ما فى يديه»، فلما انصرف النبى صلى الله عليه وسلم من الفتح، جاءه جبريل بأن هوذة بن على قد مات، وفقد ملكه ولم يسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: «أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ، يقتل بها بعدى». فقال قائل: يا رسول الله، من يقتله؟ فقال:» أنت وأصحابك». فكان كذلك.