ناصر بن سالم البهلاني «أبو مسلم»

إدريس بن بابا باحامد –

لا ريب أن لكل أمة من الأمم رجالًا وعلماء يستنيرون بهم إذا احلولكت الظلمات، وتشعبت السبل، وتنوعت المسالك، ليروا بهم النور، فيكونوا مشاعل علم وهدى، ومنارات فكر واقتداء، والأهم من ذلك أن تجد رجالًا شهد لهم التاريخ برسوخ القدم في القيادة والفكر، لا في محيطهم فحسب بل ذاع سَيْطُهُم ليشمل العالم أجمع، لما تميّزوا به من فكر عالمي، له أصول ومبادئ، ولا يتسنى لنا الحكم بذلك إلا إذا غصنا في غمار تراثهم العلمي، أو على الأقل مؤلفاتهم العلمية، وإن شئت صرا أكثر فقل في آثارهم، وإن كانت نزرًا يسيرًا، إذ العبرة بالأثر لا بالكم والكثرة، ومن علماء الأمة المشهورين بذلك، علماء عمان، لذا حاولت تخصيص بعض الحديث عن بعض الشخصيات العمانية التي تميزت بأفكار عالمية دعت إلى ذلك تحقيقا وتحريضا وبيان أهمية، وهذا من شأنه أن يقرِّب بين الأمم والشعوب، ويؤكد الدور البارز للعلماء المسلمين عمومًا والعمانيين خصوصًا في بث روح التآلف والتكاثف والتعاون، ونبذ العنف والكراهية، وتأكيد معالم الحرية ونبذ العبودية، والدعوة إلى تحقيق التعايش السلمي وإن اختلفت الأجناس والأعراق، والعقائد والأفكار، وسوف يكون الحديث عن علماء من القرون الهجرية الأولى وغيرها إلى أن نصل إلى علماء في وقتنا المعاصر، وهذا لنؤكد أن المنهج السلمي التعايشي سلسلة تميز بها هؤلاء العلماء ولم تنقطع أبدا، يتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل، فما على هاته الأجيال إلا الحفاظ عليها، والتأكيد على ما جاء في هاته الأفكار من قيم. وقد ارتأيت أن تكون هذه السلسلة منضوية تحت مسمى (عالم وفكرة) أو (علماء وأفكار).
«هو ناصر بن سالم بن عديم بن صالح بن محمد بن عبدالله بن محمد البهلاني الرواحي العماني، المكنّى «أبو مسلم». ولد في أحضان بيت علم وفضل في مدينة محرم، وتوجد روايتان لتاريخ ميلاده، إحداهما تقول إنه ولد سنة 1273هـ وهي لابن أخي المترجم له سالم بن سليمان الرواحي. والثانية تقول: إنه ولد سنة 1277هـ،/‏‏ وهي رواية ابن المترجم له، مهنا بن ناصر البهلاني، وهي التي يرجحها الشيخ أحمد الخليلي لوجود قرائن تؤيد هذا الرأي. نشأ نشأة كريمة في حضن عائلة معروفة بالعلم والصلاح، نشأ في وادي محرم، وأخذ علمه عن عدد من المشايخ، أولهم والده سالم بن عديم، ثم انتقل إلى بلدة السيح حيث جلس إلى الشيخ محمد بن سليم الرواحي، وكان قرينه، وخلفه في هذه المرحلة الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي. كان دون العشرين يفيض حماسة واندفاعا، حين زمَّ حقائبه متوجها إلى زنجبار من شرق إفريقيا، وكانت زنجبار آنئذ في عصرها الذهبي الإسلامي العماني، عصر السلطان برغش بن سعيد، وبقي بها مدة خمس سنوات، وعاد إلى زيارة عمان في سنة 1300هـ، وفي سنة 1305هـ حط رحاله بزنجبار، وكان قد أمضى فترة من حياته في الجزيرة الخضراء. وانكب في زنجبار على تكوين نفسه بنفسه في دراسة عصامية جادة، وفي عهد السلطان بن ثويني تقلد منصب القضاء، ثم تولى منصب رئاسة القضاء بها، وكانت له منزلة رفيعة، ومرتبة عالية لدى الحكام، لا سيما السلطان حمد بن ثويني والسلطان حمود بن محمد بن سعيد. وكانت له علاقة قوية بأعلام الإصلاح في عصره مثل الشيخ السالمي وسليمان الباروني باشا، وأمْحمَّد بن يوسف اطفيش الجزائري، واطلاعه الواسع على مجريات الأحداث الإسلامية من حوله، كما تدل على ذاك جريدته التي أصدرها بزنجبار تحت عنوان «النجاح» بل تدل على عبقرية مؤلفاته القيمة، ويبدو أن من أهم أعماله في زنجبار إصدار جريدة النجاح التي تعد من أوائل الصحف العربية ظهورًا. ظل بين وظيفة القضاء عاملا، ومطولات الفقه مجتهدا، وأمهات كتب الأدب والشعر أديبا لامعا، وجريدة النجاح صحفيا ناجحا، وبين بعض طلابه الذين تلقوا عنه مربيا حانيا، إلى أن توفاه الله في اليوم الثاني من شهر صفر عن عمر يقارب ثلاثا وستين سنة ودفن حيث مات في مدينة زنجبار التي يوجد بها قبره إلى اليوم. من مؤلفات أبي مسلم التي وصلتنا، ما يلي: النشأة المحمدية (في المولد النبوي) النور المحمدي والكنوز الصمدية، رسالة دينية، النفس الرحماني في أذكار أبي مسلم البهلاني (في القصائد الصوفية) كتاب السؤالات، العقيدة الوهبية، ديوان أبي مسلم، نثار الجوهر، كان آخر ما ألفه «ثمرات المعارف» وتدعى أيضا «سموط تخميس الثناء» وهذا العمل تخميس لميمية الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي العالم الرباني المعروف، فقد انتهى من كتابتها يوم 28 محرم 1339هـ أي قبل وداعه الدنيا بثلاثة أيام. وكانت وفاته في الثاني من شهر صفر 1339هـ. رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته». (معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، ترجمة رقم: 1430، بتصرّف).
فكرته: «ومن واجبات العالم ولو نال الدرجة السّنية من العلم أن لا يستنكف من تعلُّم ما ليس عنده، ومن ورع الرجل ألا يقول ما لا يعلم، ومن الأَرَبِ أن يتثبّت فيما يعْلم» (نثار الجوهر، ج1، ص 50).
يشير الشيخ أبو مسلم البهلاني – رحمه الله – في هذه الفكرة المختصرة في باب حديثه عن العلم وفضله وأدب العالم والمتعلّم إلى مسألة مهمة، أجملها في هذه الفكرة التي تحوي ثلاثة أمور ينبغي التنبه لها، فبدأ بذكر واجب العالم الذي جعل من واجباته ألا يستنكف عن علم ما لا يعلمه، فكثيرا من العلماء يكتفي بما لديه من العلم، بل البعض يستنكف عن تلقي علم آخر أو علم ما لا يعلمه ولو كان في مجال علمه، فهذا في الواقع لا ينبغي للأريب، ذلك أن العلم بحر والعالم بحّار وما حجم البحَّار من البحر! فعلى العالم الرباني ألا يتكبر عن معرفة ما لا يعرف إن وجد إلى ذلك سبيلا، كأن يهتم بمن جاءه بفكرة أو معلومة وإن كانت في نظره بسيطة، فهذا من دواعي تواضعه، ومناط زيادة علمه، فلا ينبغي له أن يعتقد أنه تعلّم كل شيء بما لديه من علم، ذلك أن الواقع سيوقعه في مطبات جهله بادعائه علم ما لا يعلم، إذ فوق كل ذي علم عليم، والحال أن هنالك تخصصات لا يمكن للمرء أن يستوعبها جميعًا، فلا حيلة للعلماء وهم متنوعو المعارف أن يتعلموا من معارف غيرهم، ويتواضعوا لبعضهم البعض، والحديث ليس عن العالم المتبحّر فقط، فطالب العلم وإن كان مبتدئًا يعتبر عالمًا على الأقل في مسألة أو مسألتين، وبهذه الفكرة التي أشار إليها أبو مسلم ينمو علمه ويزكو، وثنىَّ الشيخ الفكرة بحكمه أن من ورع الرجل ألا يقول ما لا يعلم، فكم ابتليت مجتمعات ببعض المتفيقهين أو المتعالمين، يهرفون بما لا يعرفون، لا يعرفون كلمة (لا أعلم) أو (الله أعلم) فيقعون ويوقِعُون غيرهم في المهالك بدعوى مكانتهم أو منصبهم، فلا عيب أن يقول العالم لا أعلم، وختام فكرة الشيخ جاءت في مسألة التثبت فيما يعلمه الإنسان، حتى يبعد الشك، ويقيم صرح علمه على أسس من اليقين متينة، وركائز من التثبت قويمة، ليستقيم له العلم وينتفع به، فما أروع هذه الفكرة المختصرة في ثلاث جمل: تعلم ما لا تعلم، وتورع عما لا تعلم، وتثبت فيما تعلم.

جريدة عمان

مجانى
عرض