ما هو السبب الحقيقي وراء الأزمة المالية ؟

روبرت سامويلسون – واشنطن بوست –
ترجمة قاسم مكي –

من المدهش أننا لانملك حتى الآن تفسيرا واضحا ومقنعا للسبب الأساسي الذي أوجد الأزمة المالية العالمية على الرغم من وقوعها قبل عقد من الزمان.
يقينا، النظريات التي تسعى لشرح أسباب الأزمة وفيرة، فالليبراليون ينحون باللائمة على جشع وول ستريت (شارع المال والأعمال بالولايات المتحدة) والإشراف الحكومي المتراخي. أما المحافظون فيعتقدون أن سبب المتاعب كان الترويج الحكومي المفرط لامتلاك المنازل والذى أغرق الاقتصاد بقروض رهن عقاري لايمكن سدادها.
على الرغم من وجاهة هذه التفسيرات الآيديولوجية إلا أن الحكاية الحقيقية لاندلاع الأزمة أكثر تعقيدا وغرابة. فسببها في آخر الأمر كان نجاح الاقتصاد نفسه. لقد بدا وقتها أننا دخلنا حقبة جديدة تتسم بقدر أقل من المخاطر. وهذا ما جعل الأمريكيين يتجهون إلى تبني سلوكيات تنطوي على قدر أكبر من المخاطرة. كان يتم تجنب تلك التصرفات في الماضي لكنها بدت فجأة مبررة بالتفاؤل الواسع النطاق إزاء مستقبل الاقتصاد.
والمفارقة واضحة، فالاعتقاد بتدني المخاطرة الاقتصادية أدى إلى المزيد من المخاطرة لأنها بدت آمنة.
الذي استثار هذه الأفكار كتاب جديد بعنوان «إطفاء الحرائق: الأزمة المالية ودروسها» من تأليف بن برنانكه وتيم غايتنر وهنري بولسون. أنتم تتذكرون أن هؤلاء الثلاثة هم اللاعبون الرئيسيون في كبح الأزمة، فبرنانكه كان رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي وبولسون وزير خزانة الرئيس جورج دبليو بوش وغايتنر وزير خزانة الرئيس باراك أوباما.
يمكن اعتبار الكتاب الذي يتكون من 129 صفحة مذكرات إرشادية لدراسة الأزمة المالية. إنه يقدم تسلسلا واضحا لأحداثها تعقبه 100 صفحة تقريبا من الرسومات البيانية والجداول. بلا شك يأمل المؤلفون في أن تعزز سرديتهم (لأحداث الأزمة) من سمعتهم. رغما عن ذلك يبدو معظم تحليلهم صحيحا باستثناء واحد فاقع في وضوحه وهو نظريتهم (تفسيرهم) لسبب الأزمة.
ورد في إحدى الصفحات أن الكيفية التي حدثت بها الأزمة «تتعلق باستخدام الرافعة المالية (رأس المال المقترضَ) على نحو ينطوي على مخاطرة وأيضا بالأموال التي يطالب مستثمرو الأجل القصير باستردادها عند نشوء مخاوف ائتمانية وببنوك الظل وتفشي التوريق والإجراءات التنظيمية البالية.» الترجمة التقريبية لهذا النص (المقتبس من الكتاب) هي أن المقرضين أفرطوا في الإقراض والمقترضون أفرطوا في الاقتراض وأن الأدوات المالية الغامضة (أو الملغزة التي لاتفهمها إلا القلة) عرقلت مساعي الجهات التنظيمية لوقف هذه العملية، هذا هو الفهم السائد وهو خاطىء أيضا لأنه يخلط بين نتائج الأزمة وسببها الضمني، فالسبب كان «يتموضع» في المعتقدات الوهمية بأن الاقتصاد تغير كثيرا إلى حد أن الممارسات المالية التي كانت تعتبر في السابق عالية المخاطرة لم تعد كذلك.
لقد شرب كل أحد «كوول أيد» إذا جاز القول. (كوول أيد اسم مشروب. وهو تعبير مجازي يقصد به موضة أو فكرة يتم تبنيها بطريقة عمياء ودون التفات الى أخطارها المحتملة بسبب توهم ضخامة عائدها – المترجم). فالاقتصاديون رأوا أن دورة الأعمال صارت أقل تقلبا. واطلقوا على ذلك اسم «الاعتدال العظيم». (حسب موسوعة انفيستوبيديا، الاعتدال العظيم هو التسمية التي تطلق على فترة انخفاض وتيرة التقلب في الاقتصاد الكلي أو استقراره في الولايات المتحدة منذ أعوام الثمانينات- المترجم). فالانكماشات الاقتصادية ستكون أقصر أمدا وأقل شدة مما في السابق. وبدا أن هذا قد تأكد بواسطة توسع النشاط الإقتصادي الذي دام لعشرة أعوام في التسعينات. وهو التوسع الأطول عمرا في تاريخ الولايات المتحدة. هناك مؤشر إيجابي آخر وهو التدني في معدل التضخم التي يتكون من رقمين عشريين من 13% في عام 1980 إلى 4% في 1982، وهذا نجاح كان ينسب عن حق إلى رئيس بنك الاحتياط وقتها بول فولكر والرئيس رونالد ريجان، أدى ذلك إلى تهدئة الأعصاب وأطلق زيادات هائلة في قيمة الأسهم والسندات وأسعار المنازل. ففي أعوام الثمانينات تضاعفت تقريبا القيمة الصافية للثروات العائلية إلى 21.6 تريليون دولارا، حسب بيانات بنك الاحتياط الفدرالي. وفي أعوام التسعينات تضاعفت مرة أخرى إلى 42.8 تريليون دولار (القيمة الصافية للثروة العائلية مصطلح إحصائي يعني قيمة إجمالي أصول هذه الثروة ويشمل ذلك الأموال النقدية ناقصا قيمة إجمالي التزاماتها أو ديونها –المترجم). كل هذا التوليد للثروة غذى بدوره ازدهارا في الاستهلاك. وعندما شعر الأمريكيون أنهم صاروا أكثر ثراء بدأوا يدخرون جزءا أقل من رواتبهم ويقترضون المزيد من الأموال مقابل القيمة المتضخمة لمنازلهم ومحافظهم الاستثمارية. وفي الفترة من عام 1980 إلى عام 2000 زاد الإنفاق الاستهلاكي من 61% من الاقتصاد (الناتج المحلي الإجمالي) إلى 66%، يعني ذلك بقيمة الدولار اليوم إضافة واحد تريليون دولار إلى الإنفاق الاستهلاكي.
كانت هنالك بشائر أخرى أو كما بدا وقتها أن ذلك كذلك، فوضع التجارة الدولية كان متينا. وكانت أمريكا في خضم ثورة تقنية في مجال فنون الإنترنت فلماذا لايكون الناس متفائلين إزاء المستقبل؟ صحيح أن المقرضين بالغوا في الإقراض وأن المقترضين اشتطوا في الاقتراض. لكن التجاوزات والمبالغات كانت هي الشيء «العادي الجديد». ومن الممكن تبريرها في اقتصاد ظل عند مستوى يقرب من حالة التوظف الكامل. كما كان من شأن أسعار المنازل المستمرة في ارتفاعها حماية المقرضين لأن حالات العجز عن السداد يمكن تغطيتها ببيع هذه المنازل. ثم تمدد جنون الاقتراض إلى أبعد من شراء المنازل. جاء في كتاب برنانكه وغايتنر وباولسون «إذا عجز كل حامل قرض رهن عقاري مرتفع المخاطر عن السداد ستكون الخسائر متواضعة وسيسهل امتصاصها.» لكن المشكلة كانت في أن النظام المالي بكامله أحاطت به نوبة جنون، فقد كان يلزم كسب أموال بأحجام ضخمة في أسواق عديدة. وخدعت البنوك وكذلك المقترضون والاقتصاديون والجهات التنظيمية بذات التفاؤل المدمر.
إذا كان الجشع (تفسير الليبراليين) أو سوء الإجراءات التنظيمية (تفسير المحافظين) هما السبب الرئيسي للأزمة لكان الإصلاح يسيرا إلى حد ما.
يطرح برنانكه وغايتنر وبولسون في كتابهما المشترك بعض المقترحات المعقولة للتقليل من فرص وقوع أزمة مالية في المستقبل ومعالجتها في حال حدوثها، يجب تبني العديد من هذه المقترحات إن لم يكن معظمها.
لكن علينا أن نكون واقعيين، فالدرس المستفاد من الأزمة المالية هو أنها لم تكن فقط نتاج جهات تنظيمية مفرطة في حماسها أو رأسماليين جشعين، نعم لهؤلاء دور فيها لكن الدور الأكبر لعبه اقتران قوى عديدة ندركها استعاديا فقط ( أي حين ننظر إليها من لحظتنا الحاضرة) ولا يمكن أن نسيطر عليها إلا بصعوبة.