عطر : أهلا رمضان

رندة صادق –
randanw@hotmail.com –

عام بعد عام، سنة بعد سنة، وعمرنا يرتبط بدورة الفصول وتكرار الأيام والشهور، وتبقى لشهر رمضان في ذاكرتنا عودة تختلط بها المشاعر بالذكريات. في كل عام ننتظره بلهفة لا تنطفئ ونفرح فرحا كبيرا، متعلقين بالأمل مترقبين الخير الكثير، أنه الشهر الفضيل الذي يمثل العمق الديني والروحانيات الخالصة لله عز وجل، خاصة انه الشهر الأجمل الذي جاء في الحديث الشريف عنه: “ولله عتقاء من النار في كل ليلة” إنه حقا شهر العبادات والتسامح والتقرب الى الله، علّنا نكون ممن نالوا العفو وأعتقت رقابهم من النار برضا الله سبحانه وتعالى. رمضان في ذاكرتنا يحمل الكثير من التفاصيل التي بقدر ما تسعدنا فأنها تثير الشجن والحزن بداخلنا، هو جاء وسيأتي بعدد سنوات أعمارنا كل عام، عودته لها خصوصيتها وتفاصيلها التي مهما بدت مكررة إلا أنها لا يمكن إلا أن تكون متفردة.

تتشابه كثيرا العادات والتقاليد في شهر رمضان ببلاد الشام وإن كانت بعض البلدان تتميز بعادات مختلفة ترتبط بخصوصيتها البيئية والتراثية. في لبنان مثلا يبدأ الاحتفال بقدوم الشهر الكريم، في التاسع والعشرين من شعبان بما يعرف باسم (سيران رمضان) حيث تذهب العائلات بنزهة يتجمع فيها الأهل والجيران ويقضون النهار في الطبيعة مودعين شهر شعبان ومستقبلين شهر رمضان، يتميز لبنان بتنوعه الطائفي مع هذا نجد جميع الطوائف مهتمة بالشهر الفضيل، تزدان الشوارع والساحات في المناطق الإسلامية وتعرض بضائع معينة من تمور ومكسرات ومخبوزات وعصائر لا تجدها إلا في هذا الشهر الكريم، كذلك تزدحم الشوارع قبل الفطور بالعابرين المسرعين ليصلوا مع موعد الإفطار، إنها حياة مختلفة تبدأ فعليا بعد صلاة التراويح، هذا المشهد يتكرر في كل المدن الإسلامية لذا سنجدها واحدة مع فروقات جميلة ومميزة.
في فلسطين تقوم فرق إنشاد رمضانية بإنشاد الأناشيد متنقلين من بيت الى بيت، حيث يختارون زاوية مظلمة لتصدح منها أصواتهم وتختفي وجوههم، هذه الفرق معروفة هناك (بالمداحة) لأنها تمدح الشهر الكريم والرسول عليه الصلاة والسلام. أما في سوريا فلهم تقاليد جميلة متوارثة، حيث يقوم المشايخ ووجهاء الشام بالجلوس في المجلس الأموي، وذلك في ليلة الثلاثين من شعبان، مترقبين ظهور هلال الشهر الفضيل ليعلنوا بدء الصيام، للشام خاصيتها وسهراتها الرمضانية الدينية والاجتماعية وطبعا الأكلات الشامية اللذيذة والمميزة.
في الأردن يتم نصب الخيم في الأحياء الشعبية حيث تكون مكان تجمعهم في السهرات الرمضانية ويتبادلون الزيارات التي تعزز صلة الرحم والدم. وكذلك سنجد ان في بلاد الشام هناك عادة (السكبة) حيث يتبادل الجيران الأطعمة المختلفة، فتجد ان صحون الطعام تتحرك قبل الفطور من طابق الى طابق، وطبعا لا يمكننا ان ننسى شخصية (المسحراتي) وجملته الشهيرة “اصحى يا نايم وحد الدايم” التي يقولها وهو يدق على طبلة صغيرة، وهذه الشخصية مهمتها إيقاظ الناس قبل صلاة الفجر للسحور، وبالطبع هو نفسه ينتظر رمضان ليقوم بهذا العمل بفرح ومتعة آملا بثواب عمله عند الله قبل العبد.
يسير الشهر يوما بعد يوم الى ان نصل الى العشر الأخير منه، هنا تأتي فرقة”الوداع “ وهذه الفرقة مهمتها إنشاد الأناشيد الدينية على باب كل بيت، حيث يقوم الناس بإكرامهم بعيدية هي عبارة عن اجر للمسحراتي ولهذه الفرقة، وهي فرق عديدة تتنقل بين الأحياء والشوارع ويلحق بهم الأطفال خائفين من أصوات الطبول وفرحين ان العيد قادم وسيرتدون ملابسهم الجديدة .
عادات كلها تقوم على الألفة ولقاء العائلة، انه شهر التسامح والبركة، أعاده الله عليكم وعلينا باليمن والبركات و”رمضان كريم، الله أكرم”.