وتر: إمطي.. حنين الطين

شريفة بنت علي التوبية –

تحملني أجنحة الحنين إليها، أسير بلهفة العاشق المشتاق إلى لقاء من يحب، لعلني أصل في موعد الحكاية التي كان يحكيها لي جدي ذات مساء بعيد، تسبقني روحي بأجنحة طير عائد إلى عشه القديم، فتفتح لي إمطي صباحاتها، تسير بي الخطوة من البوابة الأولى أو الصباح كما يطلق عليه، والذي يأتي على شكل قوس مبني من الحجر، أراهم هناك، يجلسون على تلك المقاعد الحجرية في جنبات الصباح، يتناولون قهوتهم المُرّة ، يتسامرون غير عابئين بمزحة الزمن الثقيلة، (يسفّ) بعضهم خوص النخيل، ليخرج (بمخرافة) سعفية يهديها لطفلة صغيرة، تلعب في المزارع وتجمع (الخَلال) الأخضر في موسم القيظ، (يقْلِد) بعضهم حبال الخوص بخفة ومهارة فيصنع منها (حبل طلوع) لبيدار المال كي يستعين به على طلوع نخلة الخلاص (العوّانة) الشامخة في كبرياء وعنفوان، أراهم يقطفون عناقيد العنب السوداء والخضراء المتدلية في كرومها، بأرض تشتهر بزراعة العنب دون غيرها، أسير فأصل إلى ظل شجرة كبيرة عملاقة برابية مرتفعة، أصعد تلك السلالم الحجرية، فأرى معلّم القرآن سعيد بن ناصر ساندا ظهره على جذعها والصبيان والبنات يتحلّقون حوله يرددون آيات من كتاب الله بصوت واحد.
يأخذني الدرب بين تلك البيوت الطينية، التي لم يبق منها سوى جدران مندثرة، أتتبع آثار خطواتهم، أشم رائحة الطين كعطر أعطّر به ثوب اللحظة الذي أرتديه، أسير على طرف الساقية بفرح طفلة، أبلل قدمي بالماء البارد في يوم مشمس حار، يغسل فلج عين السواد تعب الحياة من روحي، يتدفق الماء بين جنبات السواقي كنهر تحت شجرة الزام الكبيرة التي لم يتبق منها سوى جذعها الذي يأبى السقوط أو الموت. أراها هناك تغسل شعرها الأسود الطويل، أرى نساء إمطي الجميلات المرتديات ثيابهن الملونة والزاهية، يسرن نحو فرضة الفلج يحملن (الهاندّوة) في رؤوسهن، يجلبن الماء العذب المنحدر في أصوله وعيونه من أعماق الجبل، ثم يفرغن الماء في جحلة معلّقة على غصن شجرة مانجو أو بيذام تتوسط صدر البيت.
أعانق في إمطي سحر المكان، ألمس جدران البيوت وأحجارها، أسمع أنين الطين المندثر وحنينه في قرية كان من الممكن أن تكون مزار سياحياً عالمياً، بكل ما تملكه من مقومات جمالية وتراثية، وكم من القرى كإمطي لم يبق منها سوى جدران شاهدة على تاريخ عظيم، وقد أصبحت منسيّة ومهملة وبعضها مكبّاً للنفايات وأطلال لا تجد من يلتفت إليها، وكل ما تحتاجه فقط قليل من الحب والاهتمام، لتزهو أمام عشّاقها وزائريها.