ندوة الابتزاز الالكتروني بالمعهد العالي للقضاء توصي بإعتماد جهة واحدة لتلقي البلاغات ورفع الحد الأدنى للعقوبة

  • المشاركون يتناولون العوامل الاجتماعية والآثار النفسية والجوانب التقنية ودور الادعاء العام والمسؤولية الجزائية والتطبيقات القضائية
  • د. نبهان المعولي: لا بد من زجر كل من تسول له نفسه العبث أو المساس باستقرار الناس وأمنهم الاجتماعي

مكتب نزوى – سيف العبري: استعرض المشاركون في ندوة الابتزاز الإلكتروني بين التوعية والتجريم التي نظمها المعهد العالي للقضاء بنزوى صباح اليوم واقع وتحديات الابتزاز الإلكتروني في السلطنة وأهمية التوعية والتصدي لهذه الجرائم والمسؤولية القانونية عنها، وذلك بحضور سعادة حسين بن علي الهلالي المدعي العام، وأصحاب الفضيلة القضاة، وأعضاء الادعاء العام، والأكاديميين، والخبراء المختصين في تقنية المعلومات وعلم النفس وعلم الاجتماع، والمختصين بالمركز الوطني للسلامة والمعلوماتية. وقد أوصت الندوة بأهمية رفع مستوى الوعي لدى أفراد المجتمع بالاستخدام الآمن لوسائل التقنية الحديثة والجوانب القانونية المترتبة على إساءة استخدامها، واعتماد جهة واحدة معرفة لاستقبال بلاغات وشكاوى الابتزاز الالكتروني، ورفع كفاءات العاملين بالجهات القضائية والقانونية، وإعادة النظر في العقوبة المقررة لجرائم التهديد والابتزاز برفع الحد الأدنى للعقوبة الى سنة وزيادة الغرامة، وإلغاء عملية التخيير بينهما، ورفع الحد الأدنى لعقوبة السجن المؤقت الى خمس سنوات. وكانت فعاليات الندة قد بدأت بكلمة الدكتور نبهان بن راشد المعولي عميد المعهد العالي للقضاء كلمة أوضح في بدايتها أهمية التقنية في الحياة المعاصرة حيث أضحت حقيقة واقعية، وضرورة حتمية، بما توفره من أسباب لتقدم البشرية ونماءها، ولم يعد التعامل مع الوسائل الالكترونية المختلفة شكلا من أشكال الرفاهية، بل هو أمر تحتمه ضرورات الحياة المعاصرة، التي باتت التقنية الحديثة تهيمن على أدق تفصيلاتها، وأمام الخير العميم والمنافع الجمة التي جلبتها للبشرية، فإن النفس الأمارة بالسوء لدى بعض فئات البشر أبت إلا وأن تعكر ذلك الصفو من خلال توجيه التقنية لمآرب شيطانية يضمر فيها الإنسان الشر لأخيه الإنسان. ولما كانت النفس الإنسانية بحكم طبيعتها وتركيبها تتأثر بالغرائز المختلفة التي تهيمن على سلوك الإنسان، وقد تنزح به عن الصراط السوي، لذا كان لا بد من إيجاد الوسائل الضابطة لذلك السلوك بما يكفل سير المنطومة الاجتماعية في انسيابية وتناغم، وزجر كل من تسول له نفسه العبث أو المساس باستقرار الناس وأمنهم الاجتماعي.
تنامي الظاهرة الجرمية وتعاظم ضحاياها
وقال في كلمته بأن جريمة الابتزاز الالكتروني ولدت من رحم التقنية المعاصرة، ووسائل التواصل الاجتماعي، ومما يؤسف له أنه وبالرغم من الجهود المبذولة لمواجهة هذه الجريمة ومحاسبة متركيبيها، إلا أن الاحصائيات المنشورة تفيد بتنامي هذه الظاهرة الجرمية، وتطور وسائلها، وتعاظم أعداد ضحاياها، وليس بخاف على أحد ما تتركه هذه الجريمة عل الضحايا من آثار نفسية او اجتماعية يندى لها الجبين وتقشعر لها الأبدان. والقانون وحده لن يكون كفيلا باجتثاث هذه الظاهرة، ووأد أسبابها، فالابتزاز الالكتروني كظاهرة متوحشة تنهش في نسيج المجتمع وبنيانه، تحتاج الى تكاتف مجتمعي واسع، بدءا من الوالدين والأسرة، مرورا بالمسجد والمدرسة والنادي، انتهاء بالجهات القانونية والقضائية، إذ يجب أن تعمل كل تلك القطاعات بشكل منسجم ومتناسق بما يحقق الأهداف العليا المتمثلة في حفظ الأفراد، وصون كيان المجتمع واستقراره.
سوء توظيف التكنولوجيا الرقمية
بعد ذلك بدأت فعاليات الندوة بجلسة العمل الأولى التي ترأسها الدكتورراشد بن حمد البلوشي عميد كلية الحقوق بجامعة السلطان قابوس، حيث تحدث في الورقة الأولى المهندس هيثم بن هلال الحجري أخصائي أول أمن المعلومات السيبراني بالمركز الوطني للسلامة المعلوماتية، تناول فيها واقع وتحديات الابتزاز الإلكتروني في السلطنة، باعتبارها إحدى مخرجات إساءة استخدام التكنولوجيا الحديثة، واستغلال المواطنة الرقمية في مجالات مشينة؛ إذ تم توظيف التكنولوجيا الرقمية في مجالات خبيثة متنوعة منها عمليات الاستدراج والإغراء الإلكتروني ليتم بعدها جمع معلومات كالصور والفيديوهات التي تحوي ممارسات غير أخلاقية، يتم من خلالها بث الرعب والخوف من العار والفضيحة في نفس الضحية، يستهدف المجرمون الضحية عبر منصات وشبكات التواصل الاجتماعي المختلفة من خلال الانتقاء والتعرف على هوية الضحية، ويتسنون الفرصة للوصول إلى ما يسمى «بالصيدة » المناسبة لفتح باب استكشاف الحرية والانفتاح اللامحدود، على الرغم من دراية الضحية بالأبعاد والتبعات غير الأخلاقية والمشينة التي يرفضها المجتمع المحافظ، إلا أن فكرة الهوية الرقمية من منظور الغالبية العظمى تعد هوية افتراضية لا واقعية ، وأن الممارسات التي تتم في العالم السيبراني من خ ال الهويات الافتراضية هي ممارسات افتراضية أيضاً، لا يمكنها أن تنتقل أو تؤثر على الأفراد في العالم الواقعي، ومن هنا يمكن الاستدلال على أن هناك فجوة ثقافية كبيرة في المجتمع الحديث، والذي يتكون معظمه من «مهاجرين رقميين » تمكنوا من استخدام التكنولوجيا الحديثة في وقت لاحق من حياتهم مع انتشار الأجهزة الرقمية بمختلف أنواعها، وتوفر اشتراكات الإنترنت في شتى الأماكن كالمجمعات التجارية والحدائق العامة، والأماكن الخدمية كالمكاتب والكافيات المختلفة، لذلك تمكنت بعض الممارسات الخاطئة والخبيثة من الانتشار في المجتمع الذي يعاني من «أمية رقمية »، وخاصة فيما يتعلق بالاستخدام الآمن للتكنولوجيا الحديثة.
العوامل الاجتماعية المهيئة
بعد ذلك تحدث في ورقة العمل الثانية الدكتور حمود بن خميس النوفلي أستاذ مساعد بجامعة السلطان قابوس، متحدثا حول العوامل الاجتماعية المهيئة للوقوع في الابتزاز، من العوامل الأسرية والمجتمعية والمدرسية التي تسهم في ذلك، والآثار الاجتماعية التي تحصل نتيجة الابتزاز سواء التي تحصل على المبتز ذاته، أم على أسرته، ومدى تأثيرها على الاستقرار والترابط الأسري، وكذلك تأثيرها على المجتمع ككل عندما تنتشر فيه مثل تلك الممارسات، وتداعيات ذلك على سلوك الأفراد سواء كانوا آباء أم أمهات أم معلمين أم معلمات. كما استعرض في ورقته أبرز النتائج للدراسة العلمية التي تمت تحت إشرافه في مرحلة الماجستير للطالبة أفراح اللويهي، والتي تم تطبيقها على عينة قوامها 122 طالباً وطالبة تعرضوا للابتزاز، وذلك في مدارس مرحلة التعليم ما بعد الأساسي في محافظة جنوب الباطنة، خلال العام الدراسي 2017 – 2018 م، ، بالإضافة الى مقابلة 14 من الأخصائيين الاجتماعيين والاخصائيات الاجتماعيات؛ وذلك لمعرفة دورهم الممارس في المجال المدرسي، ومعوقات ممارسته.
الآثار النفسية للابتزاز الإلكتروني
ثم ألقت الدكتورة منى بنت سعيد الشكيلية استشاري ورئيس قسم الطب النفسي للأطفال والمراهقين بمستشفى المسرة ورقة العمل الثالثة حول الآثار النفسية للابتزاز الإلكتروني، فقالت بأن مشكلة الابتزاز هي من المشكلات التي بدأت تتزايد في الفترة الأخيرة؛ وذلك لتزايد استخدام الأجهزة الذكية، يقوم المبتز بحيل نفسية عدة حتى يوقع الضحية في فخ الابتزاز. ويقوم المبتزون بحيل نفسية عديدة حتى يستطيعون اخضاع الضحية والقدرة على السيطرة عليهم منها التهديد بعواقب غير مقبولة من الضحية، كالتهديد بفضح معلومات شخصيه جداً، أوالتهديد بفضيحة، أما الخطوة الأخرى الضغط بعامل الوقت، إذ إن المبتز يعلم بذلك أن الضحية لا يستطيع التفكير بطريقة عقلانية ومتأنية؛ للخ اص مما وقع فيه. لذلك فإن تأثير الابتزاز الإلكتروني على الصحة العقلية للأشخاص كبيروعميق، وقد يشمل الضغوطات النفسية والقلق والاكتئاب، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى الانتحار. كما أن الابتزاز الإلكتروني يجعل الضحية تحت ضغط نفسي مستمر وقد يؤثر على النوم سلباً إذ يعاني الضحية من أرق مستمر ومشاكل في النوم، وقد يؤثر الابتزاز كذلك على الأداء الأكاديمي أو حتى على جودة العمل.

التصدي لجرائم الابتزاز الإلكتروني
ترأس جلسة العمل الثانية المحامي الدكتور حسين بن سعيد الغافري، حيث ألقى ورقة العمل الأولى محمد بن خميس العجمي تنفيذي مشاريع بهيئة تقنية المعلومات تناول فيها الجوانب التقنية للابتزاز الإلكتروني، فكثير من الناس يتجاهلون أهمية الخصوصية الرقمية، وهذا ما نلاحظه في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير جداً، فلدى الكثير من الناس حب مشاركة تفاصيل حياتهم مع الآخرين، ولكن الخطأ الذي يقع فيه الكثير هو مشاركة كل التفاصيل، من غير إدراك ووعي بحجم المشكلات التي تقع بعد ذلك، الأمر الذي قد يعرضهم للكثير من المشكلات في المستقبل، فهذه البيانات التي تقوم بنشرها، قد يتم استغلالها فيما يعرف بالهندسة الاجتماعية أو استعمال هذه البيانات في عملية ابتزاز إلكتروني، وغيرها من الأضرار التي يمكن أن تؤثر على حياتهم. وجاءت ورقة العمل الثانية حول دور الادعاء العام في التحقيق في جرائم الابتزاز الإلكتروني ألقاها الدكتور سعيد بن محمد المقبالي مساعد المدعي العام، أوضح خلالها بأن الابتزاز الإلكتروني يُعد أحد أكثر الجرائم الإلكترونية شيوعاً بين أوساط المستخدمين؛ نظراً للمكاسب التي تحققها في مقابل القليل من الجهد والمال، ويتولَّى الادعاء العام التحقيق في جرائم الابتزاز الإلكتروني، ويستعين في سبيل الوصول إلى الجناة وتقديمهم إلى العدالة بشركاء رئيسين وهم شرطة عمان السلطانية، ومختبرات الأدلة الرقمية، بالإضافة إلى مزودي خدمات الإنترنت.
المسؤولية القانونية
تناولت الجلسة الثالثة المسؤولية القانونية عن جرائم الابتزاز الإلكتروني، حيث ترأس الجلسة فضيلة القاضي الدكتور موسى بن سالم العزري قاضي استئناف وعضو التفتيش القضائي، تحدث في ورقة العمل الأولى الدكتور حمدي محمد محمود حسين أستاذ القانون الجنائي المشارك بالمعهد العالي للقضاء، استعرض فيها المسؤولية الجزائية عن جرائم الابتزاز الإلكتروني ، وجرائم التهديد والابتزاز الإلكتروني في التشريع العماني، من خلال قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 12 / 2011 م، الذي يُجرِّم ويعاقب على هذه الجرائم، وذلك ببيان التفرقة بين جريمة التهديد الإلكتروني، وجريمة الابتزاز الإلكتروني، وتوضيح عناصر وأركان المسؤولية الجزائية، ثم المعاقبة عليهما من جانب المشرع العماني. أما ورقة العمل الثانية والأخيرة في أعمال الندوة فقد تناولت تطبيقات قضائية في جرائم الابتزاز الإلكتروني ألقاها فضيلة القاضي الدكتور سعيد بن مصبح الغريبي رئيس محكمة استئناف البريمي وعضو هيئة التفتيش القضائي، أشار فيها إلى أن التطور المذهل في تقنية المعلومات صاحبها سوء استخدام هذه التقنية الحديثة، وقد بذلت الدول العديد من الجهود لإقرار تشريعات تجرم السلوك الخارج عن القانون المرتكب بواسطة الشبكات المعلوماتية والأجهزة الرقمية، وباتت تعرف بالجرائم الإلكترونية، إذ أصبح مسرح الجريمة مسرحاً افتراضياً. ولما كانت جريمة الابتزاز الإلكتروني هي إحدى صور الجريمة الإلكترونية، وجوهر هذه الجريمة التهديد والابتزاز والضغط الذي يُمارَس على الضحية، وتعد نتاج الاستخدام السلبي لثورة التكنولوجيا. ولخطورة هذه الجرائم صدر قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات بموجب المرسوم السلطاني رقم 12 / 2011 م حيث نصت المادة 18 على معاقبة كل من استخدم الشبكة المعلوماتية أو وسائل تقنية المعلومات في تهديد شخص أو ابتزازه لحمله على القيام بفعل أوامتناع، وجعل الفعل جناية، إذا كان التهديد بارتكاب جناية أو بإسناد أمور مخلة بالشرف أو الاعتبار.
وقد شهدت الندوة مناقشات هادفة بين المشاركين فيما يتعلق بالأسباب المؤدية إلى الابتزاز الاكتروني في السلطنة، وإبراز دور الأسرة والجهات غيرالقضائية في التوعية بمخاطره، وأهمية دور الجهات القضائية في التصدي لهذه الجريمة، وبيان الآثار النفسية والاجتماعية المسؤولية القانونية عن جريمة الابتزاز الإلكتروني.