الفلسطينيون بين حلم الدولة والفصل العنصري

د. عبد العاطى محمد –

إذا كان هذا هو السيناريو الوشيك، فإن أحدا لا يملك الحق أو الثقة في أنه سيحدث فعلا، والإجابة الأقرب إلى التصديق هي ما يتعين على الجانب الفلسطيني – العربي طرحه ردا على ما يتأهب كوشنر الإفصاح عنه والتفاوض بشأنه.
ليس من قبيل المبالغة في التهويل أن الفلسطينيين اليوم يعيشون أقسى فترات تاريخهم الوطني، بعد أن أصبح عليهم الاختيار بين الاستسلام والانتحار. فقد فاز نتانياهو، وبدأ كوشنر صهر ترامب يعد حقائبه لزيارة الشرق الأوسط، عارضا لأول مرة بشكل معلن وصريح خطة أو صفقة الخمسين صفحة التي أعدها، لتحقيق تسوية سياسية نهائية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
لقد حانت لحظة المواجهة ليلقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأوراقه على الطاولة أمام الفلسطينيين والإسرائيليين والعرب أيضا عارضا ما يراه صفقة واقعية لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي على أمل أن يكون هو الرئيس الأمريكي الوحيد الذي نجح دون غيره ممن سبقوه في حل المعضلة.
وكان تأجيل إعلان الصفقة أو الخطة بعد أن أضحت الكلمتان بمعنى واحد، قد تأجل كثيرا منذ العام 2017 وقت أن اعتلى الرجل سلم البيت الأبيض. ومؤخرا قالت الإدارة الأمريكية أنها انتظرت نتائج الانتخابات الإسرائيلية لتعرف مع من ستتحدث. وجاءت النتائج على هواها بعد أن حقق نتانياهو فوزا مطمئنا يرشحه لتشكيل حكومة قوية، وهكذا سارعت هذه الإدارة بأن موعد الخطة أصبح وشيكا جدا. وهنا حانت لحظة المواجهة الصعبة بل والقاسية على الجانب الفلسطيني.
الإدارة الأمريكية تقول إنها واثقة من أن الجانب الإسرائيلي مستعد وجاهز للنظر في الخطة – الصفقة بغض النظر عن محتواها واحتمالات نجاحها من فشلها، بينما الجانب الفلسطيني وكذلك العربي يتحسس رأسه، يقبل أم لا يقبل حتى ولو من حيث المبدأ وهو أقرب اليوم إلى التروي إن لم يكن الرفض جملة وتفصيلا لأن ما تسرب منها طوال المدة الطويلة الماضية لا ينبئ بخير.
ووفقا لآخر ما صدر من مهندس الصفقة كوشنر فإنها تتضمن تنازلات متبادلة دون أن يكشف ما هي هذه التنازلات ومن الذي سيدفع الثمن أكثر من غيره. ووفقا لمن يحيطون به فإنها لصالح إسرائيل أكثر مما هي لصالح الفلسطينيين لأنها قائمة على عدم تناسق القوة بين الطرفين، أي أن من له قوة أكثر على الأرض والمقصود سلطة الاحتلال الإسرائيلي هو الذي ينال النصيب الأكبر من الكعكة.
ووفقا لهؤلاء أيضا فإن الإسرائيليين سيرحبون ليس فقط لأنها لصالحهم بحكم أن ميزان القوة يميل كثيرا لهم، وإنما لأن الرئيس الأمريكي ترامب أصبح أكثر شعبية من نتانياهو داخل إسرائيل! ومن ثم لن يرفض الإسرائيليون له شيئا. ومعلوم أن ترامب قدم الكثير من الهبات للإسرائيليين مما لم يكن يخطر لهم على بال بين جميع الرؤساء السابقين. ولنا أن نتذكر مثلا نقله السفارة الأمريكية إلى القدس واعترافه بالمدينة عاصمة لإسرائيل، وكذلك اعترافه بأن الجولان قد أصبحت أرضا إسرائيلية. وهكذا قدم الرجل الكثير وحان الوقت لأن يرد الإسرائيليون الجميل له بأن يوافقوا دون مناكفة على ما يراه حلا فريدا ورائعا لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي. ولا يخفي ترامب اعتقاده ومشاعره بأنه يدفع الفلسطينيين إلى حائط سد بتبنيه هكذا خطة، فإما أن يقبلوا أو يفقدوا تأييد أوروبا الغربية لهم إلى الأبد، بل وأن يفقدوا أي رصيد دولي داعم لهم منذ 1948، ويكفي أن المشهد العام داخل مجلس الأمن يشير إلى نفاد صبر المجتمع الدولي للقضية الفلسطينية لأسباب تتعلق بالتحولات الكبرى الجارية في النظام الدولي المعاصر وكلها تختلف عما كان قائما وقت الزخم الدولي الداعم للحقوق الفلسطينية.
في حديث مع مجلة ذا أتلانتك الأمريكية بمناسبة انتهاء فترة عمله سفيرا لفرنسا في واشنطن قال جيرار آرو وهو صديق مقرب من كوشنر، إن خطة السلام التي أعدها كوشنر ستكون قريبة جدا أكثر لمطالب الإسرائيليين من الفلسطينيين. ومع أنه لم ينف احتمال فشل الخطة تماما، إلا أنه أكد في نفس الوقت أن ترامب قادر على دفع الإسرائيليين للقبول بها بشكل كبير نظرا لأنه يتمتع الآن بشعبية كبيرة داخل إسرائيل تفوق شعبية نتانياهو نفسه، طبعا بالنظر إلى الهبات التاريخية التي قدمها لهم وبات ينتظر رد الجميل منهم.
والملفت في كلام السفير الفرنسي قوله إن الفلسطينيين قد يفكرون أيضا أن هذا هو الخيار الأخير بالنسبة لهم للحصول على سيادة محدودة، لأنهم أمام خطة أو صفقة مجحفة قد يكونون أمام خيارين قاسيين هما إما الاستسلام وإما الانتحار!، ومن ثم لا يكون أمامهم إلا القبول بأقل القليل، علما بأن هذا القليل لم يعرف مضمونه بعد.
واقع الأمر أن إدارة ترامب وتحديدا الرئيس وصهره كوشنر لا يعترفان بالتاريخ ولا حتى بالشرعية الدولية سواء عن جهل أو تعمد، وبدلا من ذلك يترجمان معطيات الواقع إلى مفاهيم وقواعد حتى لو لم تكن بمقاربة أخلاقية. ولكي نسمي الأشياء بمسمياتها برغم ما تحمله لنا من مشاعر الإحباط والأسى، فإن الحسابات الأمريكية استندت لمعطيات ليست في صالح الحق الفلسطيني العربي.
فالرئيس الأمريكي ترامب برغم كل ما يكال له من مثالب نجح في بناء شعبية له ليس في إسرائيل وحدها وإنما في الشرق الأوسط كله تقريبا وذلك بقدرته على بناء اتصالات قوية مع القيادات النافذة في المنطقة العربية على عكس سلفه أوباما، وليس من المبالغة أن الجميع يحرص على كسب وده!. لقد كسر القواعد ورأيناه يتحدث مع المشير حفتر قائد الجيش الوطني الليبي الذي لا يحظى باعتراف دولي!، ورأيناه يساند حركة الجيش في السودان ويلمح إلى إمكانية إلغاء الحظر المفروض منذ سنوات، كما اتخذ نفس الموقف المهادن مع التطورات الساخنة في الجزائر التي يلعب الجيش فيها دورا محوريا، وفي كل ذلك بدا وكأنه يتحدى المواقف التقليدية لحلفائه الأوروبيين.
والمعنى هنا أن أحدا في المنطقة العربية لا يريد التصادم معه، بل على العكس يريد إرضاءه وصداقته!.
وقد لوحظ أنه منذ أن أشار إلى أن لديه خطة للسلام لم يتعرض لأي انتقاد في المنطقة العربية ما عدا ما صدر من الجانب الفلسطيني، حيث تمهلت ردود الأفعال كثيرا ولم يشأ أحد أن يفتعل أزمة سياسية معه!. وحتى عندما اتخذ خطوته الغريبة بخصوص القدس والجولان اكتفي رد الفعل العربي بالرفض من حيث المبدأ دون أن يتحول الرفض إلى صدام مع الإدارة الأمريكية وظلت قنوات التواصل مفتوحة.
وقد سبقت الإشارة إلى قوة علاقاته مع إسرائيل، خصوصا أنه بدأ مبكرا في الاستعداد لخوض فترة رئاسية ثانية ويعلم جيدا قوة حاجته للصوت اليهودي وأمواله الطائلة لضمان النجاح في الانتخابات القادمة (عمليا بدأ الاستعداد لها من الآن). ومن جهة أخرى فإن نجاح نتانياهو المريح مقارنة بمن سبقوه أكد الرسالة بأن الشعب الإسرائيلي أصبح يمينيا بالغ التشدد، ولا يريد سلاما مع الفلسطينيين وإنما يريد تسوية سياسية تريحه أمنيا وهو ما يفعله كوشنر فعلا. وإذا أضفنا لذلك أن المجتمع الدولي لم يعد متحمسا لمواجهة مع إدارة ترامب بخصوص القضية الفلسطينية، لأن هناك أزمات أخرى أكثر أهمية مثل الأزمة السورية والقضاء على الإرهاب وترميم العلاقات داخل الناتو وبين العواصم الأوروبية وواشنطن فضلا عن الانقسام الذي ضرب هذه العواصم ذاتها.
عينا ترامب وفريقه مركزتان على ثلاثة أمور بعيدة بشكل مباشر عن القضية الفلسطينية، وهى الحرص الشديد على تدفق النفط من الشرق الأوسط، والقضاء على الإرهاب، وتضييق الخناق على إيران. في زمن مضى كان هذا وذاك شديدي الصلة بالقضية الفلسطينية وكانت هي مفتاح الحل لأي منهما باعتبار أن عدم حلها بشكل عادل هو مصدر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، ولكن معطيات الحاضر فصلت بينها وبينهما بأن أصبحت هذه القضايا هي أسباب عدم الاستقرار وليس الفشل في حل القضية الفلسطينية. الفلسطينيون هم الذين يدفعون الثمن الباهظ في أي تنازلات من المفترض أن تتضمنها الخطة – الصفقة نتيجة كل هذه المستجدات أو المعطيات القائمة على أرض الواقع. وما يرشح عن هذه الصفقة هو الفصل العنصري لا محالة، بمعنى البقاء على دولة واحدة هي إسرائيل مرتبطة بكيان فلسطيني ذي سيادة محدودة يتفق عليها، مقابل أن يحظى هذا الكيان بوضع اقتصادي أفضل كأن تعود المساعدات الأمريكية بتدفق كبير وكذلك من الجانب العربي في حالة خضوعه لهذه الصفقة ويمتد هذا الكيان ليشمل غزة أيضا، وذلك كحل واحد وأخير (نظام الدولة الواحدة ذات الشعبين، على ألا يتمتع الشعب الفلسطيني بالحقوق التي يكفلها له كونه شعبا له أرضه وتاريخه وهويته المستقلة)، ودون ذلك ليس أمام الفلسطينيين سوى الاختيار بين الاستسلام المطلق أو الانتحار، وكلاهما مر.
إذا كان هذا هو السيناريو الوشيك، فإن أحدا لا يملك الحق أو الثقة في أنه سيحدث فعلا، والإجابة الأقرب إلى التصديق هي ما يتعين على الجانب الفلسطيني – العربي طرحه ردا على ما يتأهب كوشنر للإفصاح عنه والتفاوض بشأنه.
الموقف جد صعب وعسير، وقد يأخذ شكل المماطلة بإطالة الوقت لإجهاض الصفقة على أمل ألا تأتي الانتخابات الأمريكية بترامب مرة أخرى، ولكن بالمقابل ستستمر وتشتد الضغوط الأمريكية والإسرائيلية ليبقى القلق قائما بأن يدفع الفلسطينيون ثمنا ظالما لا يستحقونه ولم يتوقعوه، أي فقدان الأمل في الدولة المستقلة، وبدلا من ذلك القبول بالحياة في دولة الفصل العنصري.