شهرزاد تعلن أنها باقية طالما هنالك من يروي ويكتب ويقرأ

في المسرحية الاستعراضية التي دشنت الشارقة عاصمة عالمية للكتاب –
الشارقة: ماجد الندابي –

«إن قصتي الأخيرة ها هي بين أيديكم، وقد بدأت معكم، واعلموا أن ليس في ألف ليلة وليلة من قصة أخيرة في فصل أخير. إن شهرزاد باقية معكم طالما هنالك من يروي، ومن يكتب، ومن يقرأ». هذا ما قالته شهرزاد في ختام قصتها الأخيرة بعد ألف قصة وقصة، حكتها في مسرح المجاز بإمارة الشارقة في مسرحية استعراضية مبهرة، حملة عنوان «ألف ليلة وليلة: الفصل الأخير»، كانت فاتحة احتفالات الإمارة بنيلها لقب العاصمة العالمية للكتاب 2019.
وألقى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة كلمة في حفل تدشين العرض قال فيها: «وأنا أقف أمامكم أكاد أرى أجداد أجدادنا العظام من العلماء والمفكرين وهم يملأون مكتبات العالم بالمعرفة ويضيئون طريق الإنسانية بالحضارة والعلم ويتركون لنا إرثاً كبيراً نفتخر به إلى يومنا هذا إنه لشرف عظيم أن نخطو في الشارقة على خطاهم وأن نتبنى الكتاب والعلم أداةً للبناء وليس للهدم. أداةً للمحبة والإخاء وليس أداةً للكراهية والتطرف» وأضاف: «إنّ فلسفتنا في الشارقة واضحة ونحن مستمرون عليها بإذن الله، من يريد بناء اقتصاد قويّ ومنتج أو بناء مجتمع متماسك ومتراحم أو تطوير العلوم وتشجيع الاختراعات أو أن يكون لأمّته دور إيجابي ومتميز في هذا العالم ويكسب احترام القريب والبعيد فعليه أن يبدأ بغرس المعرفة في عقول الأفراد منذ الصّغر منذ السنوات الأولى التي يبدأ فيها وعي الإنسان بالتشكّل، فبهذه الطريقة نضمن بناء جيل قارئ يتقن فنّ التمييز بين الغثّ والسّمين فيقرأ بعين ناقدة ومنحازة للخير العامّ جيل يقدم الأخلاق على العلم فيأتي العلم إنسانياً وأداةً للبناء وتخفيف معاناة الناس وتحقيق العدالة».
وكان حاكم الشارقة، قبل ذلك قد تسلم رمز تنصيب العاصمة العالمية للكتاب من كل من إرنستو أوتون راميرز، مساعد المدير العام لشؤون الثقافة في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، وماركوس بولاريس نائب وزير الشؤون الخارجية باليونان، وفيونا آندريكوبولو، مستشار الاتصال والعلاقات العامة لعمدة مدينة أثينا، وعضو اللجنة التنظيمية لأثينا العاصمة العالمية للكتاب 2018، إيذاناً ببدء احتفالات الشارقة بنيل هذا اللقب والتي تستمر لمدة عام كامل، تحت شعار «افتح كتاباً تفتح أذهاناً».
وخلال الحفل ألقى إرنستو أوتون راميرز، مساعد المدير العام لشؤون الثقافة في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، كلمة استعرض فيها إنجازات وجهود إمارة الشارقة في مختلف المجالات الفكرية والمعرفية والتي تمس مختلف الجوانب الحياتية كالاقتصاد والتراث والآداب والفنون وغيرها، والتي خولتها لنيل اللقب.
كما تطرق في كلمته عن ملف إمارة الشارقة الذي قدم للحصول على هذا اللقب وكيف أنه وجد فيه اهتماماً حقيقياً بالكتاب والكتّاب، قل أن تلقى مثيلة في العالم.
طاقم العمل وجسد العرض مشاركة العالم لإمارة الشارقة في احتفالها باللقب الثقافي الأرفع على مستوى العالم، حيث شاركت في عروض الأداء كل من المكسيك والمملكة المتحدة والبرازيل وبيلاروسيا وسلوفينيا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية وكندا، كما شارك مبدعون من كندا وفرنسا في التقنيات والإنتاج، بينما شارك موسيقيون ومغنون وممثلون وفرق تسجيل من الجمهورية التشيكية وهولندا وصربيا والجزائر وكندا ولبنان وأرمينيا والمملكة المتحدة.
ويروي العرض فصلاً جديداً من مسيرة معارف وحضارات العالم، حيث قدم لوحات إبداعية مباشرة وبصورة حية وبثلاث لغات هي العربية والإنجليزية والفرنسية، صاغتها إبداعات ممثلين ضمن تشكيلة فريدة ومتنوعة من الفنون قدّمها محترفون من مختلف أنحاء العالم.
وقدم العرض حكاية شهرزاد التي طلبت من زوجها شهريار أن يجمع أبناءها الأميرة فيروز، والأميرين: أمين، وقادر، حيث توزع عليهم لفائف جلدية تحمل كل واحدة منها مهمة بجلب شيء محدد، لتكشف لهم بعد إنجاز المهمات بنجاح عن سر الحكايات التي روتها، وتقدم لهم خلاصات حكمتها ومعرفتها.
وتوزع العمل الذي يتضمن عوالم غامضة لحكايات شهرزاد في ألف ليلة وليلة، حيث تظهر شخصيات وطاقات خارقة ضمن سلسلة فصول تتحول فيها سينوغرافيا المسرح إلى ممثلين وعارضين يجسدون العوالم التي يعيش فيها أبطال العرض على إيقاع الضوء وتتبدل المشاهد بحركات احترافية ينفذها الممثلون على الأرض وعلى الحبال وهم يتسلقون أجساد بعضهم بعضها ويقدمون حركات فنية بهلوانية رياضية.
وقاد هاروت فازليان، الأوركسترا التي تضم 51 عازفاً يحملون في أوتارهم وإيقاعاتهم ملامح وشجن الشرق وحضارته المليئة بالكنوز والإبداعات، معتمداً في ذلك على خبرته الكبيرة باعتباره قائد فرقة الفنانة اللبنانية العالمية فيروز، وقائد الأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية، وهو يحمل درجة الماجستير في السيمفونية ودرجة الدكتوراه بالتربية الموسيقية.
وشكل الصوت جزءاً أساسياً في أضخم عرض فني خيالي من نوعه على مستوى العالم، معتمداً على لمسات مارك فريكين، مهندس الصوت المتمرس في خلط المؤثرات الصوتية وتقديم تجربة سمعية لا نظير لها، بفضل ذوقه الاستثنائي وخبرته الواسعة في عالم هندسة الصوت.
وارتدى الممثلون والمؤدون والراقصون في «ألف ليلة وليلة: الفصل الأخير» أزياء من عصور زمنية مختلفة أبدع في اختيارها وتصميمها جيمس لافوا، مصمم الأزياء الكندي. كما دشّن القاسمي في وقت سابق النصب التذكاري للشارقة العاصمة العالمية للكتاب لعام 2019 وذلك في منطقة المدينة الجامعية بالشارقة بالقرب من نصب الشارقة عاصمة الثقافة العربية ونصب الشارقة عاصمة الثقافة الإسلامية.
ويتكون النصب الذي عمل على تصميمه الفنان العالمي جاري جودا من قطعة واحدة ويتّخذُ شكلاً لولبياً يرتفع في السماء أكثرَ من 36 متراً، وهو تشكيلٌ هندسي مُعاصر يتّخذُ شكل المخطوطة العربية القديمة.
حكاية الفصل الأخير وتروي حكاية العرض قصة شهرزاد التي طلبت من زوجها شهريار أن يجمع أبناءه الأميرة فيروز، والأميرين: أمين، وقادر، حيث توزع عليهم لفائف جلدية تحمل كل واحدة منها مهمة جلب شيء محدد، لتكشف لهم بعد إنجاز المهمات بنجاح عن سر الحكايات التي روتها، وتقدم لهم خلاصات حكمتها ومعرفتها.
ويبدأ العرض بقصة الأميرة فيروز التي خرجت بمهمة إلى حديقة الدمع، حيث تجد أميراً يعيش حزناً وكآبة قاسية بعد أن حلت على محبوبته لعنة حولتها إلى شجرة مقسومة إلى نصفين يعيش في كل نصف منها جانب من محبوبته، وتتجسد مهمة فيروز في فك تلك اللعنة للحصول على ما طلبته أمها، إذ تقنع الأمير الحزين بأنه يعاني من كل ذلك لأنه لا يحزن سوى على نفسه ولم يحزن على محبوبته، فتخرجه من ذلك بقولها، عليك أن تتبنى الحب وتؤمن بالأمل والتسامح، ليبدأ برؤية شجرة محبوبته وتحريرها، فتلتئم الشجرة وتخرج محبوبته له، وتحصل فيروز على رحيق الشجرة بعد فك لعنتها، فتكتشف أنها حصلت على قارورة حبر.
ويتواصل العرض مع حكاية الأمير قادر الذي تكلفه شهرزاد بالإبحار نحو الجزر الصامتة حيث توقف الزمن، إذ يواجه مخاطر السفر في بحار هادرة وليالٍ عاصفة، ليكسر جمود الزمن ويلتقي بالكائن الأسطوري الذي سيهديه شيئاً عزيزاً عليه، وهناك يواجه الأمير العديد من المصاعب، ويتغلب عليها فيظهر له طائر الفينيق الأبدي الذي تقول الأسطورة أنه يولد من رماد احتراقه، وتتجدد حياته مع كل اشتعال، حيث يمنح الأمير ريشة من جناحه.
وفي المهمة الثالثة للأمير أمين يخرج نحو الوديان القاحلة للحصول على غرض يحوي المعارف التي يحلم المرء بامتلاكها، حيث يواجه هنالك جنياً غامضاً يرشده إلى غرضه، لكنه يشترط عليه الإجابة على عددٍ من الأسئلة التي تكشف بديهة وفطنة الأمير، فيسأله الجني: «كلها تجرح لكن الأخيرة تقتل»، فيجيب الأمير (الساعة)، وتتواصل الأسئلة حتى يرشده إلى غرضه ويدخل الأمير في مكتبة ضخمة يصعد فيها على برج من الكتب ليصل إلى الغرض الذي يكتشف أنه كتاب.
يعود أبناء شهرزاد إليها، لتخبرهم برسالتها الأخيرة، وتقول لهم، أن حكايتها الأخيرة هي حكايتهم هم، وأن ما حصلت عليه الأميرة فيروز هو الحبر، الصديق الدائم للريشة التي حصل عليها الأمير قادر، وهاتان الأداتان هما ما يملآن الغرض الذي يحوي المعارف كلها، الكتاب الذي حصل عليه الأمير أمين، فتطلب منهم أن يكتبوا حكايتهم، ليتواصل مشوار الكتاب والمعرفة.

جريدة عمان

مجانى
عرض