وتر :عُـــزلة

شريفة بنت علي التوبية –
وقد تصبح العزلة حلما من أحلامك الصغيرة في عالم مكتظ وضاجّ بكل ما فيه، عالم لم يعد متصالحًا مع نفسه ومعك، فتصل إلى مرحلة الزهد والرغبة في البُعد عن كل شيء سوى من هدوء نفسك وعالمك الصغير جدًا، تحلم بأن تفلت من قبضة العالم وأن تتحرر من سجنه، لعلك تتصالح مع ذلك الإنسان الذي كان في يوم من الأيام أنت، فتبتعد وتغيب لتكون حر نفسك، لا شيء يزعجك ولا تكون سببًا في إزعاج أحد، ولكنك تكتشف أن البعد والغياب ليسا عزلة كاملة، إذا لم تقم بغلق كل النوافذ والأبواب التي قد تدخل منها الريح، فتبعثر هدوء روحك.

عشت تجربة العزلة المؤقتة، بدأت بغلق هاتفي بين فترة وأخرى، وساعدني ذلك كثيرًا لأن أستعيد نفسي، فأول شروط العزلة غلق الهاتف، لأن الهاتف الذي كان نعمتنا في يوم من الأيام أصبح لعنتنا ونقمتنا، والهاتف الذي كان وسيلة تواصلنا مع أحبتنا أصبح وسيلة انقطاعنا عنهم، حتى أصبحنا لا نعرف أحوال بعضنا إلا من الحالة المعروضة عبر تلك المواقع، إلى درجة أن لا تجد من يسألك كيف الحال، بل ستجد من يخبرك عن تفاصيل حالك لأن الحال في الحالة، وفي الوقت نفسه نبث رسائلنا وحكايتنا وصورنا وتفاصيل يومنا لأصدقاء افتراضيين، قد لا نعرف أشكالهم ولا أسماءهم، وتلك هي العزلة المنقوصة الكاذبة، فأنت مخترق في خصوصياتك وأدق تفاصيلك الصغيرة، وكل ذلك بإرادتك ورضاك التام.
مؤمنة جدًا بأن العزلة أن تعتزل ما يؤذيك، وكل ما في هذا العالم صار يؤذيك، كل ما تشاهده من صور التعذيب والدمار والموت والقتل والتشرد تؤذيك، الأخبار التي تذاع كل يوم على مسامعك كوجبة مسمومة تسمم أعصابك ومشاعرك وحياتك تؤذيك، الأغاني التي تهبط بذائقتك وتسممها إلى درجة الموت تؤذيك، الكتابات المسروقة والمعاد تدويرها بخفة إلكترونية تؤذيك، الصدمة التي تصيبك من ردود المتلقي الهش في ثقافته وضعف إدراكه لعمق المعنى تؤذيك، ومع كل هذا الإيذاء أنت بحاجة لأن تنصف نفسك وتمنحها العزلة التي تستحق، تلك العزلة التي تحفظ سكينة روحك، وهيبة صمتك قبل أن تتشوه في عالم مشوّه ومرعب، لتستطيع البقاء جميلًا مع نفسك، متأملًا الحياة بحب، محتسيًا فنجان قهوتك بهدوء تام، مستنشقًا عبير الوردة التي زرعتها في حديقة منزلك، قارئًا للكثير من الكتب، راجعا إلى نفسك في سلامها وجمالها، مرتبا فوضاك وبعثرتك، طاردًا لتلك النسخة المكررة من الآخرين فيك، متصالحًا مع اللحظة التي تحياها بسلام في عزلتك.