استراتيجيات الإسكان على جدول الأعمال

عائشة بنت عبدالله العلوي –

ان النمو السكاني يشكل ظاهرة عالمية وتسعى الدول للحد منه لما تفرضه هذه الظاهرة من ضغط على الموارد الطبيعية وعلى الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم وفرص العمل وغيرها من تحديات تكبّد الدول الطائل من الاموال، هذا ليس محصورا في دول العالم الثالث بل بما فيها الدول الصناعية كالصين مثلا تضع سياسات نستطيع أن نصفها بأنها «حادة » للحد من النمو السكاني العالي والتي عرفت بسياسة «الطفل الواحد».
وتشكل زيادة عدد السكان في الدول العربية ظاهرة خاصة تتصدى لها بيوت الخبرة المحلية والإقليمية والمنظمات المختصة، وفي سياق الاستراتيجية العربية للإسكان والتنمية الحضرية المستدامة 2050 التي أعدتها جامعة الدول العربية ممثلة في (إدارة البيئة والإسكان والموارد المائية والتنمية المستدامة) ورد في الهدف من الاستراتيجية المذكورة؛ أن ثمة تفاوتا في معدلات التنمية الاقتصادية في الدولة الواحدة وكذا في استغلال الموارد الطبيعية خاصة في ظل «معدلات الزيادة في عدد سكان التجمعات العمرانية والمدن العربية بمعدلات أكثر من أربعة أضعاف خلال الفترة من 1970:2010، وهذا النمو سيزيد أكثر من الضعف مرة أخرى خلال الاعوام 2010:2050. وقد بلغ عدد السكان عام 2012 حوالي 361.2 مليون نسمة يقيم 57.2% منهم في الحضر، أما بحلول عام 2050 فسوف يصل تعداد السكان الى حوالي 646 مليون نسمة يقيم 68% منهم في المدن».
لقد رصدت «الاستراتيجية العربية للاسكان والتنمية الحضرية المستدامة 2050 المشار إليها في وثيقتها النهائية عددا من التحديات الدولية والقضايا المستقبلية التي تواجهها الدول العربية عامة والمتمثلة في محدودية الدور التنموي للقطاع المصرفي، وعدم قدرة القطاع الحكومي على تلبية الاحتياجات المتزايدة للسكن، ارتفاع تكلفة الأراضي المتصلة بالمرافق والصالحة للاسكان، عدم توفر آليه واضحة للتمويل العقاري وبالتالي عدم التوسع في استخدامه، وتزايد الفجوة السكنية بين العرض والطلب لمحدودي الدخل وسوء توزيع الوحدات، وعدم وجود منظومة لإدارة الرصيد السكني( أي المساكن او الوحدات السكنية ) بما يضمن الصيانة واستغلال كافة الوحدات، وتركيز القطاع الخاص على توفير مساكن لفئات الدخل المتوسط والمرتفع.
ولو أمعنا النظر والتحليل في التحديات التي ورد ذكرها في صلب الاستراتيجية المذكورة لوجدنا ان تلك التحديات تواجهها حاليا معظم دول منطقة الخليج العربي التي لم تعمل حتى الآن على الاشتراك في صياغة استراتيجية إسكانية جامعة، على الرغم من وجود لجان للإسكان على مستوى الوزراء تعقد اجتماعاتها الدورية بانتظام دون أن تسفر عن صياغة استراتيجية خليجية للإسكان، فكل دولة من دول الخليج تتعامل مع تحديات النمو المتزايد في الطلب على السكن وفقا لإمكانتها الاقتصادية وليس لرؤية استراتيجية مقننة درجة نجد معها أن برامج الإسكان قد تختفي فجأة من صلب الموازنات السنوية في حال الهبوط في أسعار النفط الناتج عن الأزمات الاقتصادية.
لذلك حينما نتحدث عن الاستدامة السكنية انما نعني استدامة السياسات وليس استدامة الدعم الحكومي المطلق كما ننطلق من أهمية وجود رؤية للمستقبل تتنبأ بالزيادة في مؤشرات الطلب على السكن وأين يوجد وفي مستوى أي شريحة؟ وتحليل نتائج التعداد السكاني الذي يقدم حزمة مؤشرات متنوعة من بينها السكن ونوعيته ونسبة التملك، كذلك عدد الداخلين الى سوق العمل الذين سيتجهون بعد حين الى التقدم بطلب او توفير مسكن، كل ذلك وغيره من مؤشرات يحدد قدرة الحكومة على دعم برامج الإسكان او رفع ذلك الدعم على نحو متدرج زمنيا مع بناء هياكل تمويل او تنظيم يجر قطار الاسكان إن صح التعبير الى الامام وتوفير الظروف المناسبة لاستمراريته وتطوره وقدرته الصلبة على مواجهة التحديات أينما. وفي نظرة عاجلة الى اجتماعات مجلس التعاون في مجال الإسكان على مستوى متخذي القرار فقد ناقش اجتماع أصحاب المعالي الوزراء السادس عشر المنعقد في أكتوبر ٢٠١٨ في العاصمة الكويتية مسيرة التعاون الخليجية على مستوى الإسكان وفي كلمتها قالت معالي الدكتوره جنان بوشهري وزيرة الاشغال ووزيرة الدولة للاسكان بالكويت : «يهدف اجتماعنا الى بحث موضوعات تعزز مسيرتنا الميمونة، وفي مقدمتها استراتيجية العمل الإسكاني الخليجي المشترك التي ترمي إلى تحقيق التميز والريادة في العمل الإسكاني المشترك بما يحقق التوازن والاستدامة في مجتمعاتنا، وتطوير دور قواعد المعلومات الإسكانية، ومشروع نظام اتحاد الملاك بشأن إدارة المناطق المشتركة وصيانة المباني، والدليل الخاص بأفضل التجارب في التمويل الإسكاني، ومقترح الأمانة العامة بشأن إبراز العمل الإسكاني الخليجي في المحافل الإقليمية والدولية».
نعلق هنا أنه قبل ذلك بعام تقريبا ناقش أيضا أصحاب المعالي الوزراء في اجتماعهم الخامس عشر المنعقد بالرياض موضوعات من قبيل تعزيز العمل الخليجي المشترك، واعتماد كراسة الشروط والمواصفات الفنية لتطوير مواقع قواعد المعلومات الإسكانية، والاطلاع على التوصيات التي تم التوصل لها في ورشة اتحاد الملاك، ومقترحات الأمانة العامة بشأن أهداف التنمية المستدامة 2020-2030، إضافة إلى الخطة الاستراتيجية للتعاون المشترك في مجال الإسكان. حدث أيضا وفي نفس السياق منذ عشر او ثماني سنوات خلت وتقريبا في عام ٢٠٠٨ في اجتماع اللجنة الفنية بالوزارات المعنية للإسكان بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مسقط أنه تم استعراض جدول الأعمال المتضمن التصميم المبدئي لقواعد معلومات المرحلة الثالثة والوضع الحالي لقواعد بالإضافة إلى الجائزة التشجيعية لأفضل الدراسات والبحوث الإسكانية بدول المجلس.
لقد لاحظنا ان الموضوعات ليست متكررة فحسب بل وان التقدم العملي المحرز على صعيدها لا يكاد يذكر، ولهذا هي متكررة الطرح، فعلى مدى عشر سنوات بين الاجتماع المنعقد في ٢٠٠٨ وذلك المنعقد مؤخرا في ٢٠١٨ بدولة الكويت الشقيقة لا يزال موضوع قواعد البيانات مطروحا على جدول النقاش، علما بأن عمر هذا الموضوع أطول زمنيا من ذلك، والتعاون المشترك مطروح أيضا وهو لم يتجاوز تبادل الزيارات لا تبادل الخبرات التي من الممكن ان تثري وتنوع العمل الإسكاني في دولنا. إن التطور الحاصل في حل أزمة الإسكان وتراكم أعداد الطلبات ليس جديدا؛ فعلى مدى عقود مضت يعاني معظم مواطني دول المجلس من فترة انتظار زمنية طويلة تمتد لأكثر من عقد زمني للحصول على مسكن، ومع ذلك لدينا طموح ورغبة في عرض تجربة دول المجلس في المحافل الإقليمية والعالمية في حين أن هذه التجربة ما زالت معتمدة على الدعم الحكومي بشكل أو بآخر فضلا عن أن لكل دول خليجية أجندة مختلفة عن الدول الأخرى وهو ما سنأتي عليه في مقالات قادمة بشيء من التفصيل من واقع التحليل للبرامج الإسكانية لكل دولة على حدة.