عالم من دون رؤية جيوسياسية

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

إلى أين يمضي عالمنا المعاصر وهل هناك رؤية واضحة لخطوات القوى الكبرى، وبنوع خاص الولايات المتحدة الأمريكية والصين في قادم الأيام؟
يبدو أن السؤال المتقدم يثير هواجس القاصي والداني، ومن بين أولئك المهتمين بالبحث عن جواب شاف واف للقضية المتقدمة يجيئ البروفيسور الأمريكي الشهير «ستيفن والت»، أستاذ الشؤون الدولية في جامعة هارفارد الأمريكية العريقة، وصاحب المؤلفات الشهيرة في شؤون متعددة.

الأيام القليلة الماضية نشر موقع «سلات» الأمريكي المعروف، قراءة لعالم السياسة الأمريكي يطرح فيها تساؤلات مثيرة للتفكير، وهو لا يملك بدوره عنها إجابات شافية وافية،، أسئلة عن مستقبل التحركات والتطورات الكونية، والتي طرحت ذاتها أمامه بعد مشاركته في المؤتمر السنوي لجمعية الدراسات الدولية، الذي تم تنظيمه في مدينة تورنتو الكندية أواخر شهر مارس المنصرم، والذي شارك فيه علماء من كافة أرجاء العالم متخصصون في العلوم السياسية والتاريخ وعلم الاجتماع والقانون والاقتصاد وغيرها.
الهدف الرئيسي لهذا التجمع من الباحثين والعلماء هو تقديم دراسات وآراء حول تشكيلة متنوعة من المواضيع الدولية والعالمية والعابرة للدول، وهي من الأهمية والخطورة إلى الدرجة التي تحتاج فيها جهود مثل هؤلاء الكبار من اجل محاولة بلورة رؤية واضحة لما هو آت.
القضية الأولى التي يثيرها البروفيسور والت في تحليله تتعلق بالصين، ومن الطبيعي أن تكون كذلك بالفعل، فالصين أحدثت تطورا غير مسبوق في النمو، والوفرة المالية تقليديا هي التي تسبق إعلان الامبراطوريات، وتدعم الامتداد والتوسع العسكري حول العالم، كما كان الحال في زمن الامبراطورية البريطانية، ومن بعدها الدولة الأمريكية الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية.
بحسب «والت»، ليس هنالك موضوع اكثر أهمية للعالم من مستقبل الصين، والسؤال الحيوي الذي يبدو أمامه الرجل متحيرا، كما شأن الكثير من الاقتصاديين حول العالم، هو هل ستتمكن الصين من تحقيق تقدم سريع، أم أن النمو الذي مضى إلى أعلى عليين في العقدين الماضيين مآله أن يخفق ويتعرض للتباطؤ؟
وعليه هل سيحقق الاقتصاد الصيني المزيد من الفوائض المالية أم انه سيعاني من الانكماش ؟
ضمن القراءات الاستراتيجية السابقة عن الصين، والتي اشرنا إليها اكثر من مرة، القول :ان الفوائض المالية التي أدركتها الصين، أصبحت هي أداة ردعها للولايات المتحدة الأمريكية، ذلك انه إذا كانت واشنطن تهدد الصين بتوازن الردع النووي، فإن الصينيين وعبر نموهم الاقتصادي الهائل باتوا يهددون الجانب الأمريكي بتوازن الردع النقدي.
أما خبراء الاقتصاد فيدركون كيف أن استثمار الصين في اذون وسندات الخزانة الأمريكية، والتي تصل اليوم إلى ثلاثة تريليونات دولار، يعد ورقة ضغط ضمن دائرة ضغوطات تلجا إليها الصين في علاقتها مع الولايات المتحدة، وقد بدأت مؤخرا في سحب تلك الاستثمارات والتوجه بها إلى قطاعات أخرى حول العالم، ولولا السوق الأمريكية الكبيرة التي توزع فيها منتجاتها لربما انسحبت مرة واحدة والى الأبد.
يخبرنا « والت» انه في كل الحالات، فإن الصين سيكون لها تأثير مهم على توازنات القوى الدولية، وعلى العلاقات بين بلدان أوراسيا، ونسق ومدى حدة التغير المناخي، إلى جانب مجموعة من المسائل الأخرى، إلا أن هذا السؤال لا يزال محل انقسام بين المتخصصين، ولا يدري « والت» أي موقف يتبنى.
الحيرة التي يعانيها عالم السياسة الأمريكي مردها أن هناك تقاربا يتصاعد بين الدخل الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية ونظيره في الصين، كما أن هناك آراء ترجع لخبراء اقتصاديين وعلماء سياسة يقطعون بانه خلال العقد القادم ستتجاوز الصين مقدرات الولايات المتحدة الأمريكية الاقتصادية.
لكن على جانب آخر هناك من يرى أن الصين سوف تبقى اضعف بكثير من الولايات المتحدة، وأنها لن تستطيع سد الفجوة بينهما، مثلما يقول أستاذ العلوم السياسية «مايكل بيكلي»، والأخوان جيلي.
لعل «والت» هنا مدفوع في حيرته بالتخبط الذي تعيشه إدارة الرئيس ترامب وبخاصة في تعاطيها مع الصين من خلال أسلوب العقوبات الاقتصادية فقط، وليس شيئا آخر، ويبدو أن الصينيين بدورهم يحاولون إيجاد طرق ومسارب للتعاطي من النفوذ الأمريكي الرافض لفكرة المشاركة الدولية، وهم بالحق أي الأمريكيين تقودهم رؤية أحادية بلورتها جماعة المحافظين الجدد في العام 1997 وعرفت باسم «القرن الأمريكي».
هل لهذا يعمد الصينيون إلى تفعيل طريق الحرير القديم، وهل الطريق رؤية مؤكدة أم أن هناك مخاوف لدى البعض منه كما الحال في أوروبا حاليا، حيث يرونه خليطا من السياسات غير المتناسقة وغير الضرورية، المشحونة بالتوترات السياسية، تبنته الحكومة الصينية لدوافع قومية ودولية ؟
من بين القضايا المثيرة والتي لا تبدو لها إجابات في الأفق يرى « والت» أن الولايات المتحدة الأمريكية تكاد تمضي حول العالم بدون رؤية استراتيجية واضحة، بل يذكر العالم بمقولة طريفة مفادها:«أن الولايات المتحدة الأمريكية دائما تقوم بالخيار الصائب، بعد أن تستنفد كل الخيارات الأخرى».
يرى « والت» أن نتائج الخمسة وعشرين عاما الماضية ليست مشجعة تماما، ولذلك من غير المفاجئ أن نبدأ بطرح تساؤلات حول التوجه العام لهذا البلد، سيما وان أمريكا تشهد اليوم تزايدا في أصوات الذين يطالبون بتخفيض كبير في الأنشطة العسكرية الأمريكية في الخارج.
في الوقت نفسه فان البروفيسور «جون ميرشايمر» والذي تشارك مع « والت» في إعداد كتاب عن اللوبي اليهودي في الداخل الأمريكي، يعتقد أن الانسحاب الأمريكي التدريجي سيكون هو الخيار الأفضل في بعض الحالات، كما انه لا يجب الانسحاب من كل الالتزامات العسكرية للولايات المتحدة.
فيما طيف ثالث من المتخصصين الذين يفضلون الإبقاء على الوضع الحالي، ولكنهم يبحثون عن سبل جديدة لإقناع الرأي العام الأمريكي بصحة هذا الخيار.
هل يعني ذلك شيئا ما للقارئ حتى من غير المتخصصين في العلوم السياسية والاستراتيجية ؟
الجواب السريع هو أن أمريكا منقسمة روحها في داخلها، وان نسيجها الاجتماعي مهترئ، وهذه كارثة حقيقية، والدليل على صدقية هذا الحديث، الانقسام الكبير الذي رأيناه وراه الأمريكيون حين ذهب الرئيس ترامب إلى أخذ قرار متسرع بالانسحاب من سوريا، ما أدى إلى خلافات عميقة بين الحزبين الأمريكيين الكبيرين من جهة، وبين البنتاجون ووزارة الخارجية من ناحية ثانية.
إشكالية العالم مع الولايات المتحدة هي أنها لا تزال القطب الأكبر وصاحب السطوة الأعظم، لكنها سطوة عسكرية لا أخلاقية، وفي الوقت الذي تعاني فيه من عجز اقتصادي رغم غناها، الأمر الذي سيدخلها وكما أشار إلى ذلك من قبل المؤرخ بول كيندي إلى فترة « الانكماش الامبراطوري»، وذلك بعد أن تعجز قواها الاقتصادية على تحمل مغامراتها العسكرية.
من القضايا الدولية الحائرة والمحيرة اليوم، حال ومآل الاتحاد الأوروبي، ذلك البيت الأوروبي الذي كان حلم الأوروبيين، أولئك الذين أعجزتهم الحرب وأقعدتهم حسرى يتامى مكسوري الأجنحة، وإذ بهم يشتد عودهم ويضحوا كتلة بشرية صناعية مالية قوية على خارطة الشطرنج الأممية الإدراكية.
هذا الاتحاد يتعرض اليوم لهزة عنيفة تكاد تذهب بأعمدة خيمته من جراء الانسحاب البريطاني والذي يمكن أن تعقبه انسحابات تالية أخرى، والأخطر هو فقدان الأوروبيين الثقة في الاتحاد عينه.
مسألة أخرى تكاد تقتلع الاتحاد من جذوره، أنها تلك المرتبطة بالتطرف اليميني الآخذ في الازدياد، وربما يستفيق الأوربيون في مايو القادم على برلمان جله من التيارات اليمينية القومية المتشددة والمتعصبة، وفي هذا ضربة قاصمة للتنوير الأوروبي التاريخي الذي كان ذات حقبة زمنية.
عند « والت» انه لسوء الحظ ليس هنالك ما يدعو إلى التفاؤل بشأن مستقبل الاتحاد الأوروبي، وبخاصة مع فوضى البريكست وعواقبه التي سوف تؤثر على الأوضاع داخل دوله، كما أن أزمة منطقة اليورو لا تزال بعيدة عن النهاية.
يؤمن « والت» بان المؤسسات الراسخة بقوة في المشهد الجيوسياسي تجد دائما وسيلة للبقاء والاستمرار، وليس لديه مخاوف من تفكيك الاتحاد الأوروبي على المستويين القصير والمتوسط، ولكنه يحب أن يعرف كيف ستكون حالة الاتحاد بعد خمس أو عشر أو خمس عشرة سنة، إذ انه لا احد كان في العالم 1995 يتوقع أن تكون الأوضاع كما هي الآن، واليوم أيضا لا يمكن لأحد أن يتكهن بشأن المستقبل.
القضية الرابعة التي أثارها البروفيسور «والت» هي تلك المرتبطة بما يعرف بـ«التهديدات السيبرانية» حول العالم عامة، وفي الداخل الأمريكي خاصة.
والشاهد أن مسألة الأمن السيبراني لم تعد متعلقة بإمكانية أو احتمالية قيام روسيا بالتدخل في العملية الانتخابية الأمريكية الرئاسية كما حدث في العام 2016 بحسب كثير من أصوات الجمهوريين، بل يكاد الهول الأعظم أن يتصل بقدرات دولة أجنبية ما، روسيا أو غيرها، على اختراق الأنظمة الأمريكية المختلفة أرضا وبرا وجوا، وفي هذا الحال سيسقط الحصن الأمريكي من دون قتال.
يذكر «والت» بان أمريكا ليست دولة بريئة من التجسس والتنصت على الآخرين، وجلنا يتذكر بالفعل فضيحة برنامج «بريزم» الذي اخترقت من خلاله وكالة الأمن القومي الأمريكي هاتف المستشارة الألمانية انجيلا ميركل، وعليه فانه ربما تكون أمريكا في متناول ردات فعل على أفعالها، ما يعني الدخول في دائرة لا تنتهي من الثارات طويلة الأجل.
البعد الخامس والأخير الذي لا يجد «والت» عنه جوابا، هو ذاك الخاص بمسألة القوى النووية الجديدة حول العالم، وهناك بعض الملفات لا تزال مفتوحة مثل الملف الكوري الشمالي، والملف الإيراني.
يقول والت: انه عندما تبحث الولايات المتحدة عن تبرير لحروبها ومغامراتها العسكرية المتعددة في العالم، دائما ما تؤكد أن أي تراخ في هذا الشأن قد يدفع بعديد البلدان نحو طريق الأسلحة النووية، وهو ما سيؤدي إلى تقويض التوازنات العالمية.
ولا يعلم احد كم عدد البلدان التي ستقرر امتلاك أسلحة نووية خلال العقود القادمة، ولا ما هية السياسة الأمريكية الناجعة لمنع الانتشار النووي.
الملاحظة الأخيرة هي أن «والت» تغاضى وتناسى تماما الحديث عن منطقة الشرق الأوسط المشتعلة، والنزاع العربي الإسرائيلي، والدور الأمريكي المنتظر في صفقة القرن، فهل الرجل يدرك عبثية المشهد أم انه لا يملك المقدرة على حل الأمور المتشابكة الأكثر تعقيدا جيوسياسيا حول العالم؟