اعتقال أسانج يثير الجدل ويشعل خلافاً سياسياً

اعتقلت السلطات البريطانية جوليان اسانج (47 عاما)، في لندن بعد بقائه داخل مقر سفارة الاكوادور التي لجأ إليها قبل سبع سنوات تفاديا لترحيله إلى السويد على اثر اتهامه في قضية اعتداء جنسي.
وجوليان اسانج شخص فائق الذكاء، يتمتع بقدرة استثنائية على فك شيفرات برامج الكمبيوتر، قام بتأسيس موقع (ويكيليكس) لنشر الوثائق والصور عام 2006، ونشر عليه وثائق من بلدان مختلفة. وما أثار وسائل الإعلام هو نشر شريط فيديو لمروحية أمريكية تطلق النار على مدنيين عراقيين قتلت 18 منهم في أبريل عام 2007، ما ترك صدمة كبيرة في جميع أنحاء العالم. واستمر الموقع في نشر كميات كبيرة من الوثائق السرية من بينها خمسة ملايين رسالة بريد إلكتروني سرية من شركة الاستخبارات «ستراتفور»، ومقرها الولايات المتحدة.
وسبق أن أصدرت السلطات السويدية مذكرة اعتقال دولية بحق اسانج لاستجوابه حول تهمة اغتصابه امرأة والتحرش بأخرى أثناء زيارته ستوكهولم لإلقاء محاضرة، لكنه ارجع هذه الاتهامات إلى دوافع سياسية، وأنها جزء من حملة تشويه ضده وضد موقعه الذي يهتم بالكشف عن الأسرار.
وخوفا من اعتقاله وترحيله إلى السويد لجأ اسانج في أغسطس عام 2012 إلى سفارة الإكوادور بلندن، بعد أن منحته هذه الدولة حق اللجوء السياسي. لكن بعد مرور سبع سنوات سحب الرئيس الأكوادوري الحالي، لينين مورينو، اللجوء من اسانج بسبب انتهاكاته المتكررة للأعراف الدولية. وهو ما اعتبرته «ويكيليكس» انه خرق للقانون الدولي بإلغاء الاكوادور اللجوء السياسي لأسانج.
وعلى مدى يومين متتاليين سلطت الصحف البريطانية الضوء على هذه القضية المثيرة للجدل. فذكرت صحيفة «الفايننشال تايمز» ان اسانج لجأ إلى سفارة الاكوادور لتجنب تسليمه إلى السويد. وانه يمكن الآن تسليمه إلى الولايات المتحدة لمواجهة تهمة قرصنة الكمبيوتر. ووصفت الصحيفة اعتقاله بـ«ملحمة» دامت سبع سنوات حرضت السلطات العالمية ضد احد اكثر المدافعين عن الشفافية إثارة للجدل. واذا ما تم تسليمه للولايات المتحدة فيمكن ان يواجه عشرات التهم ويسجن لـ«عقود» بحسب صحيفة «التايمز».
وتقول صحيفة «مترو» إنه صرخ بصوت عال عند إلقاء القبض عليه وجره خارج السفارة. وترى الصحيفة انه يجب تسليمه إلى السويد ولا ينبغي تسليمه إلى الولايات المتحدة لأن الأسرار التي نشرها كانت تثير أهوالا في العراق وأفغانستان.
صحيفة «الغارديان» تعاطفت مع اسانج وقالت إنه قد يواجه عقوبة بالسجن في الولايات المتحدة بتهمة التآمر إذا تم تسليمه. وحسبت الصحيفة عدد الأيام التي أمضاها داخل سفارة الأكوادور 2487 يوما. بينما تزعم صحيفة «ديلي ميل» أن المدعين العامين الأمريكان سيقدمون المزيد من التهم. وقالت انه عندما تم القبض عليه صرخ قائلاً: « المملكة المتحدة ليس لديها أي أخلاق»، وذكرت أن الحكومة الإكوادورية أنهت وضع اللجوء السياسي بعد أن سئمت من سلوكه «السلبي» وسوء النظافة الشخصية.
ونقلت صحيفة «آي» عن المتحدث باسم شرطة اسكتلنديارد قوله إن سفير الإكوادور دعاها إلى دخول السفارة، للتخلص من اسانج بعد نزعوا عنه حق اللجوء وفقدوا صبرهم منه. وقالت الصحيفة إن المدعين العامين في السويد يفكرون في إعادة فتح تحقيق في اغتصاب مزعوم تم اسقاطه بالتقادم بعد لجوء اسانج لسفارة الاكوادور في لندن عام 2012، وان ذلك قد يؤدي إلى ما أطلقت عليه الصحيفة «شد الحبل» بين السويد والولايات المتحدة، فكل منهما تريد تسليمه لها.
واعتقال اسانج أشعل خلافاً سياسياً، ففي مقال كتبه باتريك كوبرن للصحيفة قال فيه أن قضية اسانج ليست قضية رجل واحد، وان كشف صور المروحية التي قتلت عراقيين واحدة من كثير من الوثائق التي جعلت اسانج مطاردا من الحكومة الأمريكية والحكومة البريطانية.
ومن جهتها رحبت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي باعتقال أسانج، قائلة إنه «كان هاربا من العدالة لفترة طويلة»، وشكرت سفارة الإكوادور على المساعدة في اعتقاله. ويرى كوبرن أن تصريح ماي بأنه «في بريطانيا لا أحد فوق القانون» هو محاولة للتهرب من ذكر الأسباب الحقيقية لحرص الحكومتين على اعتقال أسانج.
اما زعيم حزب العمال جيرمي كوربين فيقول: «يجب أن تعارض الحكومة البريطانية تسليم أسانج للولايات المتحدة بسبب فضحه الأدلة على ارتكابها فظائع في العراق وأفغانستان». وعلق الكاتب بقوله أن كوربين على حق في قوله ان القضية كلها حول ترحيل أسانج إلى الولايات المتحدة لكشفه فظائع وقعت في العراق وأفغانستان.
وتتهم صحيفة «ديلي ميل» وزيرة الداخلية في حكومة الظل، ديان ابوت، بالتقليل من شان مزاعم الاعتداء الجنسي التي ارتكبها في السويد. وتقول صحيفة «ديلي تلجراف» إن هذه القضية سببت تصدع في قمة حزب العمال، ونقلت عن وزير بارز في حكومة الظل، فضل عدم الكشف عن هويته وصفه هذه التصريحات بأنها «سيئة الحكم» و«ذات رؤى خاطئة».
وفيما تطالب الولايات المتحدة بتسليم أسانج لمحاكمته بتهمة «سرقة ونشر وثائق حكومية سرية»، يخشى محاموه أن يواجه عقوبة سجن تصل إلى 35 عاما أو الإعدام في حال تسليمه لواشنطن. حيث سرب موقعه «ويكيليكس» ملفات سرية تثبت ارتكاب الجيش الأمريكي أفعالا قد ترقى إلى جرائم حرب في العراق وأفغانستان، كما سرب العديد من المراسلات الرسمية لوزارة الخارجية الأمريكية.
ويرى كيم سنغوبتا في تحليل سياسي كتبه لصحيفة «الاندبندانت» أن اعتقال اسانج، قد يكون فيه خطر على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. حيث يرى أن مشاكل ويكيليكس مع الولايات المتحدة تتجاوز إفشاء الأسرار العسكرية والمعلومات الاستخباراتية، فهو متهم بمساعدة الولايات المتحدة في محاولة التلاعب بالانتخابات الأمريكية، بنشره معلومات اختلسها من حملة هيلاري كلينتون والحزب الديمقراطي. وأن عددا من رجال ترامب كانت لهم اتصالات بأسانج بخصوص قرصنة مراسلات إلكترونية للحزب الديمقراطي، من بينهم روجر ستون، أحد المستشارين المقربين من ترامب. وقد اعتقل ستون في يناير ضمن تحقيقات مولر في قضية تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.