القادمون

مصباح قطب –

الخلاف حول السياسة والسياسيين في عالمنا العربي معروف ومفهوم وسيلازمنا الى أمد طويل. المواطن العربي في تقديري من أكثر المواطنين انشغالا بالسياسة وناسها وشؤونها وإن كان من أقلهم في العالم ميلا الى التنظيم والعمل السياسي المنهجي . لكن هناك جديد يبزغ تحت هذا السطح. جديد قد يكون مبعث أمل لو اكتملت حلقاته. جديد يجعلني أقول بثقة إن العرب قادمون وإن المصريين قادمون والعراقيين قادمون والسوريين قادمون و.و.و. رغم كل شيء وأي شيء . هذا الجديد هو الانفتاح المتزايد على العالم والتراكم المعرفي الذي ينشأ في كل لحظة داخل كل بيت عربي وداخل كل شخص عربي. تراكم يظهر بين أهل الداخل وربما يظهر اكثر بين العرب المهاجرين أو المغتربين . قديما قيل إن مصر تزدهر حين تنفتح على البحر وتستقبل أمواجه وتياراته وتفرد أشرعتها فيه، وتنتكس وتتدهور إذا انكمشت الى الداخل وانعزلت عن عالمها .
القول ذاته يصدق على الجميع تقريبا. بعيدا عن السياسة أو يأسا منها أو لأي أسباب أخرى ، أصبح المواطن يعطي وقتا اكثر وعناية اكبر للتعرف على عالمه والبحث عن الفرص فيه. كان من الممكن أن يكون المردود مضاعفا وأعلى بكثير لو تم الانفتاح على العالم وفق رؤية وطنية ومخطط واضح ومقنع للأغلبية من المواطنين، حيث يسمى الأمر في تلك اللحظة مشروعا وطنيا للتحديث . لكن أما وان ثمة ما هو ملتبس هنا او هناك في المشاريع السياسية أوغائب او مرتبك ، فالمواطن لن ينتظر. إنها ليست دعوة لإهمال السياسة فالسياسة أصل كل شيء ولكنها لفت نظر الى طبيعة ما يجري في التيار التحتي العربي . ما يجري ذاته ستكون له تبعات سياسية وغير سياسية في أوقات مقبلة .
في بداية هبات يناير 2011 في مصر لفت نظري وقتها زيادة ملحوظة في تحويلات المصريين بالخارج. قيل وقتها ان ذلك يعود الى ان أبناء الخارج يرون ان عجلة الاقتصاد معطلة وان الواجب يحتم عليهم الوقوف الى جانب أهليهم وأبناء بلدهم في تلك اللحظات . كان جزءا من ذلك صحيحا . لكن كان هناك أيضا – وقتها بالذات – في تقديري تحويلات ذات طابع سياسي، وكان هدفها دعم تيار معين أراد ان يسطو على السلطة ويغير هوية مصر وتاريخها ومستقبلها . التفكير في الأمر الآن يختلف. فالظروف السياسية مستقرة. لقد وصلت تحويلات المصريين بالخارج الى رقم أسطوري هو نحو 29 مليار دولار، وكانت قبل يناير 2011 في حدود 10 -11 مليار. كيف ارتفع الرقم؟ بل كيف وصل الى تلك القمة على الرغم من ان أسعار البترول ليست مرتفعة وهذا العامل يؤثر بقوة على التحويلات كما نعرف ، كما أن الأسواق الناشئة تعاني، ويبدو في الأفق شبح نوع من الأزمة الاقتصادية أو التباطؤ العالمي ؟. من أي مصدر انبثقت الزيادة الكبيرة ؟ . لا يمكن نكران ان واحدا من عوامل تشجيع المصريين على تحويل مدخراتهم الى بلدهم الأم هو تحرير سعر الصرف ، وعدالة الأسعار المعلنة ، بالإضافة الى ان فترة الإصلاح الاقتصادي الأولى ترتبط دوما – وهو ما حدث – بزيادة كبيرة في أسعار الفائدة على العملة المحلية بما يغري المصري بالخارج بتحويل الدولارات الى أهله ليقوموا بتغييرها الى العملة الوطنية وإيداعها بالبنوك للحصول على فوائد عالية . إن المصري ينظر الى أولئك المستثمرين الأجانب الذين يضخون مليارات الى سوق أداوت الدين للإفادة من سعر الفائدة المحلية المرتفع ويقول لنفسه : ولماذا لا أحصل أنا ايضا على منفعة كتلك ؟، خاصة وان أسعار الفائدة بالخارج متدنية كما هو معلوم . لكن هناك جانب لم يتم تسليط الضوء عليه ألا وهو ميل معظم المهاجرين أو المغتربين العرب والمصريين – كما خبرتهم عن قرب فى نيوجيرسي ونيويورك وواشنطن وفيرجينيا مؤخرا – الى الاستثمار والاعتماد على العوائد لا الفوائد وتمكنهم من لغة البزنس يوما بعد آخر بحيث اأصبح كل جامعي تلتقيه أو مواطن عادي حل لتوه بأرض أمريكا يحدثك عن « ماي أون بزنس»! .
عرف المصريون «الفولة» (أي السر) كما يقولون، واصبح لهم باع في مجال العقارات وسيارات المدارس وخدمات المحاماة والقانون والوكالات التجارية والفندقة والفن التمثيلى (رامى ملاك ليس وحده) وأعمال الصيانة المختلفة – وكذا العرب – وأصبحت العوائد اكبر من قدرتهم في تلك المرحلة على إعادة استثمارها ، وأكبر طبعا من الأجور التي كانوا يتقاضونها كشغيلة ، وبالتالي زادت تحويلاتهم . إن لسان حالهم يقول ولم نظل طول العمر موظفين أو عمال ؟ هل ينقصنا العقل او تنقصنا الفطنة ؟ ما الذي يميز غيرنا حتى يقوموا بـ « البزنس » ونظل نحن عمالا لديهم؟ . أبعد من ذلك لقد رأيت شراكات ناجحة بين مصريين وعرب عموما وأمريكيين يهود وهذا أمر لم يكن سهلا فيما قبل وهو بالأصل ليس هينا لمن يعرف أمريكا ومكانة اليهود فيها . يوما بعد يوم ينمي المغتربون آليات لزيادة تنافسيتهم ويستعيدون ثقافتهم الوطنية حين يتطلب الأمر ذلك لصناعة ميزة تنافسية عليها طلب ، ويتفحصون الأفكار التي يجري نهرها فياضا في أمريكا لمن يتابع المواقع والصفحات الإلكترونية أو يقرا الصحف وكتب السيرة الذاتية . يطورون ما يقرأونه ويدمجونه في أعمالهم بحيث يصبح بعد قليل ملكية فكرية لهم . بيقين فإن النموذج البسيط – المصري الهوى – نموذج سيارات بيع «ساندويتشات» «الهامبورجر» و«الهوت دوجز» في شوارع نيويورك ،المعروف ، قد أسلم الراية الى طريقة أخرى في العمل والبزنس . طريقة عصرية وطموحة . يمكنك ان تضيف الى ذلك ما يقدمه شباب مصري من سكنه بالصعيد أو القاهرة أو الاسكندرية أو مدن القناة من خدمات تعهيد إلكترونية الى شركات أمريكية متوسطة واحيانا كبرى لتكتمل الصورة لديك .
ليس سرا أن بعض الشركات المصرية في مجال «اى تى» كان لها دور مؤثر في أعمال تطبيقات المحمول عند الشركات الامريكية الكبرى ولاتزال . يسابق الشباب العربي الزمن من اجل الا يتخلفوا عن موجة الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي والطباعة ثلاثية الابعاد والبلوك تشين والدلائل تشير الى انهم قادرون وقادمون أيضا. لا استطيع ان أدعي ان الجهد الحكومي – والمفترض كما يقول « ستجليتس» وآخرون انه الأصل في مجال تطوير البحوث والتكنولوجيا – لعب دورا في تحفيز أولئك رغم وجود بعض المؤسسات الرسمية الراعية هنا او هناك وبعض المبادرات الحكومية. إيقاع الشباب اسرع وهم يتصدون للمشاكل التى تواجههم ، بما فيها التمويل ، بحلول من صنعهم دون تعويل على ما هو حكومي . ربما تفيد التحفيزات الحكومية أهل الاستارت ابز» اكثر من غيرهم . هناك ايضا مبادرات متنوعة من المجتمع المدني والشركات الكبرى والدول الغربية . بعضها قد يكون مفيدا وكلها تقريبا تسعى بالأصل الى اكتشاف المواهب وإغرائها بالعمل ضمن منظومات غربية . البعض في مصر يقول : ولما لا ؟ . سيعملون في شركات غربية كبرى بمرتبات ضخمة وسيحولون الى بلادهم أيضا مبالغ كبيرة . البعض يخاف من نزيف العقول . في كل الحالات يجري ذلك بينما الملعب السياسي على أوضاعه يتقدم خطوة ويتراجع أخرى أو يتقهقر أحيانا قرونا الى الوراء كما في دول شقيقة أهلكتها الحروب. الأجواء الإقليمية صعبة والدولية أصعب والداخل يحتاج الى نوبة صحيان ضخمة على كل المستويات الشعبية والرسمية ، لكن ربما يفيد التطور الذي أشرت اليه الجميع ويوجد حراكا من نوع آخر يطور كل من الاقتصاد والسياسة والمجتمع في بلادنا .اللهم آمين .