الحرب التجارية – من يدفع رسوم ترامب؟

بول كروجمان- نيويورك تايمز – ترجمة: قاسم مكي –

قولوا عن دونالد ترامب أنه زودنا بمقتبسات «أيقونية» عديدة من المؤكد أنها ستردد مرارا وتكرارا في الكتابات التاريخية والكتب الدراسية لعقود إن لم يكن لأجيال قادمة. لكن لسوء الحظ سيحدث ذلك لأنها أمثلة شديدة الوضوح للأفكار السيئة.
في الاقتصاد أكثر ما نسمعه تصريح ترامب بأن «الحروب التجارية شيء طيب وأنها يسهل كسبها». يلي ذلك تأكيده بأنه «رجل رسوم جمركية» وذلك في اقتران مع الزعم بأن الأجانب هم من يسددون الرسوم الجمركية التي يفرضها (على الواردات).
هذا الزعم الأخير من الممكن اختبار صحته الآن. فرض ترامب في غضون العام الماضي (2018) رسوما جمركية على حوالي 12% من إجمالي واردات الولايات المتحدة. وظل العديد من هذه الرسوم قيد التطبيق لفترة كافية بحيث يمكننا أن نحصل على فكرة أولية عن نتائجها.
في مارس، نشر علماء الاقتصاد من كولومبيا وبرنستون وبنك الاحتياط الفيدرالي في نيويورك ورقة بعنوان «أثر الحرب التجارية في العام 2018 على الأسعار والرفاه في الولايات المتحدة». استخدمت الورقة بيانات تفصيلية عن الواردات لتقييم أثر الرسوم الجمركية. ما توصل إليه هؤلاء العلماء هو التالي: حسب التقدير الأولى لم يسدد الأجانب أي شيء من فاتورة الاستيراد. بل دفعت الشركات الأمريكية والمستهلكون الأمريكيون هذه الفاتورة بأكملها. وفاقت خسائر المستهلكين حجم الإيرادات التي تم تحصيلها من الرسوم الجديدة. لذلك فقد جعلت الرسوم الجمركية الولايات المتحدة عموما أكثر فقرا مما في السابق (شكلت خصما على ثروتها). كيف حصل الباحثون على هذه النتيجة؟
تجمع الولايات المتحدة بيانات عن أسعار وكميات فئات عديدة من الواردات. لقد فرضت رسوم جمركية جديدة على العديد من هذه الفئات ولم تفرض على أخرى. لذلك يمكن مقارنة ما حدث للواردات الخاضعة للرسوم مع «مجموعة البحث الضابطة الفعلية» للواردات التي لم تمسسها الرسوم الجمركية. توضح هذه المقارنة أثر الرسوم.
في ظل رؤية ترامب التي يفترض وفقها أن يكون الأجانب قد دفعوا الرسوم الجمركية يتوقع المرء انخفاضا مكافئا (موازيا) في أسعار السلع الخاضعة بها بحيث لا تتغير أسعار المستهلكين. لكن ما يراه فعليا هو عدم وجود أثر مشاهد للرسوم على أسعار الواردات. لذلك لا يبدو أن الموردين الأجانب تحملوا أيا من الرسوم التي تم تمريرها بالكامل إلى المستهلكين. فقد ارتفعت «الأسعار شاملة الرسوم» بنسبة المقادير الكاملة لهذه الرسوم.
أدى هذا الارتفاع في الأسعار إلى حدوث تغيرات كبيرة في السلوك. فواردات المواد الخاضعة للرسوم انخفضت بشدة. يعود ذلك جزئيا إلى تحول المستهلكين إلى المنتجات المحلية ولكن في جزء كبير منه إلى حقيقة أن المستوردين صاروا يحصلون على وارداتهم من البلدان التي لا تفرض عليها رسوم ترامب في الوقت الحالي. فمثلا بدأت شركات عديدة في شراء سلع من فيتنام أو المكسيك كانت تحصل عليها في السابق من الصين. هذه التغيرات في السلوك مفتاحية في استنتاج الورقة بأن الرسوم الجمركية جعلت أمريكا أكثر فقرا.
لنأخذ المثال التالي: قبل فرض الرسوم الجمركية كانت الولايات المتحدة تستورد سلعة من الصين تكلف مائة دولار. ثم فرضت عليها إدارة ترامب رسما جمركيا بنسبة 25% مما رفع سعرها للمستهلك إلى 125 دولارا. إذا ظللنا نستورد تلك السلعة من الصين سيخسر المستهلكون 25 دولارا من كل وحدة مشتراة من هذه السلعة لكن (بالمقابل) تحصل الحكومة على مبلغ 25 دولارا إضافيا كضريبة جمركية. وهو ما يعني بقاء الدخل القومي في عمومه دون تغيير.
لكن لنفترض أن الموردين تحولوا إلى مصدر أكثر تكلفة ولا يخضع للرسم الجمركي . لنفترض على سبيل المثال أنهم يمكنهم شراء نفس السلعة من فيتنام مقابل 115 دولارا. حينها سيخسر المستهلكون 15 دولارا فقط . لكن لن يكون هنالك إيراد جمركي. لذلك سيكون مبلغ الـ 15 دولارا خسارة للاقتصاد القومي في مجمله.
لكن ماذا إذا تحول الموردون إلى جهة إمداد داخلية. مثلا إلى شركة أمريكية تبيع السلعة بمبلغ 120 دولارا. كيف سيغير هذا من الحكاية؟
الشيء الحاسم الأهمية هنا أن إنتاج السلعة محليا ينطوي على «تكلفة الفرصة البديلة». يقترب اقتصاد الولايات المتحدة من حالة التوظيف الكامل. لذلك كان من الممكن بل ويلزم «في غياب الرسم الجمركي» استثمار مبلغ الـ 120 دولارا الذي أنفق للحصول على الموارد اللازمة لإنتاج تلك السلعة في تمويل إنتاج شيء آخر بدلا عنها. ويعني تحويل هذا المبلغ لإنتاج سلعة كنا نستوردها خسارة صافية بقيمة 20 دولارا دون أن يكافئها (يعوض عنها) إيراد مالي مماثل.

بالمناسبة في الواقع العملي أية وظائف صناعية تضيفها رسوم ترامب ربما تناظرها خسائر لوظائف صناعية أخرى. أحد أسباب ذلك أن معظم الرسوم مفروضة على سلع وسيطة أو مدخلات إنتاجية. لذلك فمكاسب الوظائف في صناعة الفولاذ مثلا تكافئها خسائر في صناعة السيارات وقطاعات الشق الأدنى الأخرى لهذه السلعة. إلى جانب ذلك ربما ساهمت الرسوم في رفع قيمة الدولار وهذا ما يجعل الواردات الأمريكية أقل تنافسية.
المحصلة هي أن رسوم ترامب رفعت أسعار السلع الاستهلاكية بدلا عن خفض الأرباح الأجنبية. نعم تحققت بعض الإيرادات لكن كان هنالك أيضا ما يرقي إلى أن يكون تجنبا ضريبيا مع تحول المستهلكين إلى مصادر أخرى غير خاضعة للضريبة للحصول على ما كنا نستورده. لكن هذا التجنب الضريبي نفسه يأتي بتكلفته. وهذا ما يجعل الولايات المتحدة في مجموعها أفقر (قياسا بفترة ما قبل فرض الرسوم الجمركية).
أرقام هذه الخسائر ليست كبيرة . فالورقة البحثية تقدر صافي الخسارة في الرفاه بحوالي 1.4 بليون دولار في الشهر أو 17 بليون دولار في السنة. وهذا يساوي 0.1% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. ولكن لا يوجد مكسب متحقق (من الرسوم). ومن الممكن أن تزيد هذه الأرقام كثيرا إذا اتسع نطاق الحرب التجارية، مثلا بفرض رسوم « أمن قومي» على السيارات الأوروبية.

* الكاتب حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2008 لأبحاثه في مجال التجارة الدولية والجغرافيا الاقتصادية.