هل ثمة علاقة بين تقرير مولر والجولان؟!

أحمد صلاح الدين –

قد يكون من قبيل المصادفة تزامن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة مع صدور تقرير مولر الذي ترك الباب مواربا أمام براءة ساكن البيت الأبيض ليمنحه رئة جديدة من الاستمرار في الحكم، إلا أن الارتباط بين الحدثين يصعب استبعاده في ضوء حقائق سياسية وتاريخية عن العلاقة الوثيقة بين جماعات الضغط أو اللوبيات في الولايات المتحدة وسياسات البيت الأبيض.

وقد لعبت تلك العلاقة أدوارا مؤثرة في نجاح رؤساء بعينهم وفشل آخرين جراء اصطدامهم بتلك الجماعات فضلا عن عزل آخرين أو تحويلهم إلى «بطة عرجاء» خلال وجودهم في السلطة، فضلا عن رسم السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط بما يخدم مصالح الحليف الأول لواشنطن في المنطقة..إسرائيل !
ليس خافيا أن الرؤساء الأمريكيين منذ عهد هاري ترومان في أعقاب الحرب العالمية الثانية التي وضعت أوزارها عام 1945 قد قدموا لإسرائيل ما لا تحلم دولة في العالم بالحصول عليه من دعم ومساندة من دولة أخرى سياسيا وعسكريا واقتصاديا وماليا ولوجستيا ومعنويا، كل رئيس أمريكي ساعد إسرائيل بكل ما تحتاجه وفقا للظروف السياسية والأمنية القائمة وبكل ما تحدده الدولة العبرية من مطالب واحتياجات، ويبقى الرئيس ترامب الوحيد من بين الرؤساء الأمريكيين الذي قدم دعما نوعيا فريدا من نوعه يغير كثيرا من قواعد حاكمة للصراع العربي الإسرائيلي والتي اعتبرت على الدوام ثوابت لا يجوز الاقتراب منها إلا في سياق الحل النهائي أو التسوية الدائمة للصراع.
وإذا كان جميع الرؤساء الأمريكيين من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء قد منحوا إسرائيل وضمنوا لها تفوقا عسكريا ساحقا على جميع جيرانها بحصولها على أحدث ما في ترسانة حلف الأطلنطي من أسلحة وعتاد عسكري وساعدوها في الحفاظ على تفوق ميزان القوة في صالحها، فقد قدم ترامب لها شيئا نوعيا وخطيرا في انتهاك صارخ لكل قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية التي ترفض الاعتراف بهيمنة إسرائيل أو سيادتها على الأراضي العربية المحتلة خاصة في 1967، وفي هذا الاتجاه جاءت قراراته وتحركات إدارته بإسقاط حل الدولتين وطرح ما يسمى بصفقة القرن التي لا تزال معالمها وبنودها مبهمة حتى الآن إلا أنها ستكون بكل تأكيد وفقا لمؤشرات أولية أخطر من وعد بلفور عام1917 وقرار تقسيم فلسطين عام 1947 خاصة بعدما أكد وزير الخارجية الأمريكي أنها لن تعتمد على الأفكار التقليدية للصراع العربي الإسرائيلي ولكن وفقا للحقائق الميدانية على أرض الواقع، والأهم والأخطر من ذلك قراراته الخاصة باعتبار القدس عاصمة أبدية لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى ربوعها وأخيرا اعتبار الجولان أرضا إسرائيلية رغم رفض العالم بأكمله لهذا القرار وتأكيده على أنها أرض سورية محتلة.
أغلب الظن أن الرئيس ترامب ما كان ليجسر على اتخاذ مثل هذه القرارات وتلك الخطوات بدون تأثيرات ضخمة من جانب جماعات الضغط داخل إدارته، هذه الجماعات تكفل له دعما ومساندة قوية لبقائه في السلطة والتغلب على أية محاولات لعزله سياسيا قبل استكمال فترته الرئاسية، وهي من الأساس التي حملته إلى قمة السلطة في البيت الأبيض من خلال «لجان العمل السياسية» وجماعة « الإيباك »، مثل هذه التأثيرات والضغوط تكفل لترامب، ليس فقط استمراره على رأس الإدارة الجمهورية في البيت الأبيض، ولكنها تمهد له الطريق بقوة للفوز في الانتخابات المقبلة خاصة أنه لا توجد مؤشرات على ابتعاده عن سياساته المؤيدة لإسرائيل بكل قوة.
وإذا كان تقرير مولر لم يتحدث عن أي إدانة بأي شكل من الأشكال لترامب وابتعد تماما عن الحديث عن وجود تواطؤ بين موسكو وحملة الرئيس الأمريكي لمساعدته على الفوز بالانتخابات الرئاسية الماضية، إلا أن البراءة لم تكن صريحة ومطلقة، ويمكن القول وفقا لما هو منشور ومعلن أنها براءة لعدم كفاية الأدلة، أي أن الجريمة حدثت بالفعل وهناك أطراف متورطون فيها ولكن الأدلة لا تكفي لإدانة المتهم الأول فيها.. دونالد ترامب، ولذلك فإن مولر ترك الباب مواربا، ما يعني أن الملف قد يتحرك مجددا والتحقيقات قد تستأنف مرة أخرى في حالة ظهور أدلة جديدة أو حقائق خفية، ولكن النتيجة المبدئية هي براءة ترامب – ولو إلى حين – أمام شعبه وأمام العالم، الأمر الذي دفعه للانتفاضة كالأسد الهصور معتبرا تحقيق مولر «خيانة كبرى» ويجب عدم تكراره مع أي رئيس آخر!
فطوال الأشهر الماضية وربما منذ الشهر الأول لفوزه بانتخابات الرئاسة أمام هيلاري كلينتون والاتهامات تلاحقه، اتهامات التواطؤ مع موسكو للتدخل الإلكتروني في الانتخابات الرئاسية بما يكفل تشويه صورة منافسته ونجاحه في أول تهمة من نوعها في التاريخ السياسي الأمريكي، وهي تهمة كفيلة بعزله سياسيا أوتحويله إلى بطة عرجاء في أحسن الاحتمالات بالنسبة له وحجم التهمة الموجهة إليه، ومن المعروف أنه عبر تاريخ الرؤساء الأمريكيين لم يعرف أحدهم العزل من منصبه إلا بعد محاكمة سياسية باستثناء الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون عام 1974 بعد اتهام حملته بالتجسس على منافسه الديمقراطي آنذاك في واقعة تحولت إلى ما يشبه كرة الثلج لتنتهي بعزله قي تحرك يبدو أنه كان مطلوبا داخليا لتحولات سياسية بعينها، والشيء ذاته كاد أن يحدث مع الرئيس الديمقراطي في تسعينات القرن الماضي بيل كلينتون بسبب قضية مونيكا لوينسكي وتقديمه معلومات كاذبة تحت القسم، إلا أنه نجا من العزل بأعجوبة وفي الخطوة الأخيرة من المحاكمة السياسية التي تعرض لها لأسباب تتعلق بسياساته في الشرق الأوسط وخاصة على صعيد الصراع العربي – الإسرائيلي.
تلك الحقائق يجب أخذها في الحسبان عند تقييم تقرير مولر وبراءة ترامب اللحظية، وبالتأكيد ليس من المنطقي الحديث عن تواطؤ بين مولر نفسه ولجنة التحقيق مع جماعات الضغط، فليس هكذا تدار الأمور ولكن المرجح في مثل هذه الحالات أن «ليس كل ما يعرف يقال» حسب مقتضى الحال وحسب الظروف والتطورات الجارية، فما هو خفي اليوم قد يصبح معلنا في قادم الأيام وقد يؤدي إلى تبدل المواقف أيضا إذا ما اقتضت الضرورة ذلك، وكثير من الأمور الغامضة والخفية الخاصة بقضايا محيرة في الماضي أصبحت مفهومة ومنطقية بعد إماطة اللثام عنها ورفع الستار عن سريتها، وقد لا يحدث ذلك إلى أبد الأبدين!
إلا أنه حتى تظهر حقائق جديدة ومغايرة في هذا الملف، يستطيع الرئيس ترامب أن ينعم ببراءته من تقرير مولر وأن يتأهب من الآن لخوض معركة انتخابات رئاسية الفوز فيها مضمون، خاصة أنه لا يوجد حتى الآن وأغلب الظن حتى موعد الانتخابات في 2020 منافس قوي له من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، ليس هذا فحسب، ولكن بعدما ظهر ترامب طوال الأشهر الماضية في صورة الرئيس القوي الذي يعيد لأمريكا الكثير من هيبتها المفقودة في العالم، كما ظهر في صورة الرجل القادر على فرض واقع جديد وتغيير الكثير من الحقائق المستقرة على أرض الواقع العالمي بما يضمن حقوقا وحياة أفضل للمواطن الأمريكي، وكلها عوامل تكفل فوزه، ولكن الأهم من ذلك استمرار ولائه المطلق لإسرائيل بما يكفل استمرار دعم الجماعات واللوبيات له في الانتخابات المقبلة، بل والفوز بها مادام وراء الأكمة ما وراءها من معلومات خفية !