فلج «الميثا».. أبدعته مهندسة عمانية وقامت بتمويله

يقع داخل واحة بهلا التاريخية –

بهلا «العمانية»: منذ القدم ظهر نظام الأفلاج في السلطنة لتوفير الأمن المائي، ويعد نظام الأفلاج نظامًا هندسيًا فريدًا تميزت به السلطنة، وتمتد من قناتها الرئيسية لتسير مسافات طويلة بين جداول لتسقي الواحات والبساتين فهي منبع للحياة الزراعية في عمان.
وولاية بهلا كغيرها من ولايات السلطنة تتوزع فيها الأفلاج في مركز الولاية والقرى التابعة لها حيث يصل عددها لأكثر من مائة فلج تنوعت ما بين الأفلاج «الداؤودية»، و«العينية»، و«الغيلية».
ومن أهم هذه الأفلاج فلج «الميثا» الذي يقع داخل واحة بهلا التاريخية ويمثل نموذجًا رائعًا للهندسة العمانية في مجال الأفلاج.
يقول الباحث في مجال التاريخ زكريا بن عامر الهميمي «ينسب فلج «الميثا» إلى من قام بهندسته وهي المهندسة العمانية «ميثا»، حيث تذكر الرواية الشعبية المتناقلة أن المهندسة ميثا هي من اقترحت على أهالي ولاية بهلا بناء فلج يوفر لهم الأمن المائي كجزء من خطتها في تحقيق الأمن الداخلي وتطوير اقتصاد الولاية الذي كان يعتمد أساسًا على الزراعة، لذا اقترحت عليهم العمل معها في شق هذا الفلج بتمويل شخصي منها، كما تذكر الرواية المتداولة أن للمهندسة «ميثا» أخت اسمها «غيثا» وكانت مهندسة معمارية وهي التي قامت أيضا بتمويل إنشاء سور بهلا الذي تم تصميمه كبناء دفاعي يحيط بالولاية، واستغرق شق الفلج وبناء السور الدفاعي سنة كاملة».
ويلفظ بعض الأهالي في ولاية بهلا كلمة «الميثا» بحذف حرف الثاء واستبداله بحرف التاء، فيسمونه فلج «الميتا»، أو بحذف «ال» التعريف أحيانًا فينطقونه فلج «ميتا».
ويضيف لوكالة الأنباء العمانية: «يقع الفلج داخل واحة بهلا التاريخية حيث تمتد قنواته من الأجزاء الشمالية الغربية من منطقة العلاية ويخترق وسط مركز الولاية مرورًا بجانب عدد من الحارات كــــ حارة الندوة وحارة اللحمة وحارة الرم وحارة العقر حيث يستخدمه سكان تلك الحارات في جلب احتياجاتهم من الماء حتى يصل إلى داخل حدود منطقة سفالة بهلا التي تقع في اتجاه الجنوب الغربي».
ويعتبر فلج «الميثا» من الأفلاج الداوودية والغيلية في آن واحد، وهي ميزة ينفرد بها هذا الفلج عن غيره من الأفلاج، والفلج الداؤودي هو الفلج الذي يستمد مياهه من عمق كبير من سطح الأرض.
ومصدر مياه فلج «الميثا» من حيث الأصل هو الآبار الجوفية أو ما يسمى بأم الفلج، وتمتد قنواته في أنفاق ضيقة طويلة وعميقة ومعقدة تحت سطح الأرض ومنها تبرز العبقرية الهندسية التي تميز بها الإنسان العماني في هندسة الأفلاج قديمًا، كما يستقي الفلج مياهه أيضا من المياه السطحية لوادي بهلا، حيث يقع جزء من قناة الفلج في أعالي مجرى وادي بهلا فيدخل الوادي في قناة الفلج.
وأوضح الباحث زكريا الهميمي أن فلج «الميثا» ذكر في عدد من المخطوطات والوثائق العمانية القديمة إضافة إلى الروايات والأحداث التاريخية التي مر بها هذا الفلج، ومنها ما ورد في سيرة عبدالله بن عمر البهلوي أن الامام بركات بن محمد الخروصي أحدث ساعدًا جديدًا لفلج «الميثا»، ويوجد في قسم المخطوطات بوزارة التراث والثقافة أوراق ووثائق خاصة بـ فلج «الميثا».
وكتب سليمان بن محمد الوائلي نسخة تضم أصول وأملاك وأوقاف فلج «الميثا» عام 1890 م، وقد وجدت 76 بادة من هذا الفلج تم إضافتها لبيت المال، وبادتين اقترح الشيخ أبو زيد الريامي جعلهما لإصلاح وخدمة الفلج. وكان يُقَدّر منسوب الفلج بـ 22 غيزًا وهي وحدة لقياس مستوى الماء في الفلج عند العمانيين، وكان يغذي هذا الفلج عدد من الآبار التي كانت موجودة في علاية بهلا عن طريق استخدام آلات استخراج المياه من الآبار المعروفة محليًا ب «الزاجرة» أو «الزيجرة».
وكان يعطى وكيل فلج «الميثا» جزءا من ريع الفلج كوقف ثابت له جراء قيامه بالمهام الموكلة إليه من توثيق وتدوين أملاك وأوقاف الفلج، ومنصب وكيل فلج «الميثا» منصب وراثي تتداوله أسرة قبيلة «القصابي» في سفالة بهلا.
أما منصب عريف فلج «الميثا» فكانت وظيفته متابعة توزيع الحصص المائية للفلج لمستحقيها وكذلك تأجير (قعد) عدد من الحصص المائية للفلج، وكانت عملية القعادة (المقعودة) كما تسمى محليًا تتم بعد صلاة العصر بجانب مسجد «البيادير» الذي يقع في سفالة بهلا، كما كانت له الصلاحية بأن يقدم شكوى حول من يتعدى على حصص الفلج المائية.
ومن الأدوات التي استخدمت قديمًا لقياس وتوزيع حصص الفلج المائية «الساعة الشمسية» وهي عمود من الحديد أو الخشب مثبت في الأرض، يتم الاعتماد عليه في تنظيم تقسيم حصص الماء على المزارعين لري بساتينهم نهارًا، ويخط أو يرسم أمام المزولة الشمسية على سطح الأرض خطوط طولية تفصل بينها مسافات متباينة، ويصل عددها إلى 24 خطًا موزعة بالتساوي 12 خطًا شرق المزولة و12 خطًا غربها، فكلما ابتعد الظل عن موقع المزولة كلما اتسعت المسافة بين الخطوط نتيجة سرعة حركة الظل.
وكان يحتسب نظام التوقيت في الماضي حسب نظام التوقيت العربي (الغروبي) والذي ينقسم إلى اثنتي عشرة ساعة للَّيل ومثلها للنهار الذي يبدأ بموجبه اليوم من لحظة غروب الشمس وليس حسب التوقيت الزوالي (التوقيت المعمول به حاليًا).
كما كانت تستخدم في القياس «الساعة المائية» وهي أداة قياس خاصة لزمن الري في الفلج تستخدم لضبط توزيع أنصبة فلج «الميثا» وهي تعادل أثرين كاملين، كما كانت تستخدم «ساعة البندول» وهي ساعة خشبيّة يتمّ تعليقها على الحائط وتتميّز بوزنِها الثقيل، وتحتوي على بندول قصير يُمثّل مقياسًا موثوقًا به للوقت، بحيث يتمّ الاعتماد على طول البندول لقياس الفترة الزمنيّة الكاملة.
وحلت هذه الساعة محل الساعة الشمسية والساعة المائية واستخدمت في قياس الزمن في فلج «الميثا» في بداية أربعينيات القرن الميلادي الماضي حيث تم إحضار هذا النوع من الساعات من زنجبار بشرق إفريقيا مما يعكس الدور الحضاري والتبادل الثقافي الحضاري بين عمان وشرق إفريقيا.
الجدير بالذكر أن فلج «الميثا» قد حظي باهتمام الحكومة، حيث تم إصلاح وصيانة وتغطية قنواته بالإسمنت، كما تم حفر بئر ارتوازية لتغذية الفلج.