إدارة ترامب من القدس إلى الجولان

ماجد كيالي –

لا يضيّع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وقته لإعلان انحياز إدارته لإسرائيل، وبشكل مطلق، فها هو يعترف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية المحتلة (1967)، بعد اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، مع محاولات إدارته تصفية قضية اللاجئين وتشريع الاستيطان، وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن.
ويرى المحلل الإسرائيلي ألوف بن أن الاعتراف الأمريكي بسيادة إسرائيل على الجولان سينعكس سلبا على الفلسطينيين، وسيعزز ادعاءات اليمين الإسرائيلي بضم مناطق واسعة من الضفة لإسرائيل، بقوله: «سيكون للاعتراف الأمريكي بضم الجولان تداعيات مهمة جدا. سيزيد اليمين ضغطه لسريان القانون الإسرائيلي على مناطق «ج» في الضفة الغربية، التي توجد فيها كل المستوطنات، والتي يوجد فيها عدد قليل من الفلسطينيين.
نتانياهو وجهاز الأمن، الذين رفضوا حتى الآن الضم الرسمي للمنطقة وفضلوا سيطرة إسرائيلية زاحفة، سيجدون صعوبة متزايدة في الادعاء بأن «العالم لن يسمح». المستوطنون سيسألون لماذا يعترف ترامب بكتسرين وعين زيفان ولا يعترف بـ «أرئيل» و»بيت إيل».
ها هي إسرائيل في الجولان غيرت موقفها من تسوية جغرافية الى ضم، وهذا نجح. حول ذلك سيجري النقاش السياسي في ولاية الحكومة القادمة.» («هآرتس»، 23/‏ 3)
وعودة إلى ترامب، ففي خطابه إلى نتانياهو قال بأن الوقت قد حان للاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، وهو يقصد في ذلك أن الظروف السورية والعربية والإقليمية والدولية ملائمة لذلك. وربما أنه يقصد أن الفرص باتت سانحة وفقا للمعطيات المهمة الآتية:
أولا، باتت خارطة الأرض السورية مقسّمة أو موزّعة بين عدة أطراف، الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وإسرائيل، كما بين الحكومة وفصائل المعارضة.
ثانياً، على الصعيد الإقليمي (أي إضافة إلى الولايات المتحدة وروسيا) ثمة ثلاثة أطراف إقليمية تسعى لتعزيز نفوذها في هذا البلد المثخن بالجراح، أو المريض، وهي إيران وتركيا وإسرائيل، وكل واحد منهم يسعى لتوسيع أو تعزيز حصّته، وهذا ما تحاول إسرائيل فعله، عبر الاعتراف الأمريكي بسيادتها على الجولان.
ثالثاً، على الصعيد العربي، لم يعد اليوم ثمة ما يمكن اعتباره نظاما عربياً، حتى من الناحية الشكلية، إذ انهار ذلك النظام، وتحول إلى وحدات أو محاور متضاربة ومضطربة، وتقف في مواجهة بعضها البعض، مع أفول مفهوم «الأمن القومي العربي»، وضياع مفهوم المصالح العربية المشتركة.
رابعاً، ثمة توجه دولي لإضعاف أو تحجيم نفوذ إيران في المنطقة، بعد أن انتهى الاستثمار الأمريكي (والإسرائيلي) لها.
خامساً، في الظروف الراهنة باتت إسرائيل بمثابة الدولة الأكثر استقرارا وازدهارا في المنطقة، والتي تربطها علاقات استراتيجية مع القطبين الكبيرين اللذين يتحكمان بتقرير مصير سوريا، أي الولايات المتحدة وروسيا.
سادسا، في تلك الظروف لم تعد إسرائيل مهتمة بعملية التسوية وفق معيارها التقليدي (الأرض مقابل السلام)، وهذا ينطبق على الولايات المتحدة.
من كل ما تقدم فإن الاعتراف الأمريكي المذكور يضعنا أمام حقيقتين:
أولاهما، أن الولايات المتحدة لم تعد تهمها صورتها المتوهمة كراع نزيه وكطرف موثوق وكوسيط نزيه، في عملية التسوية، بقدر ما يهمها أمن إسرائيل ومصالحها، فهي حليفتها الاستراتيجية.
وثانيتهما، أن الولايات المتحدة، في ظل إدارة ترامب، تنقلب على الشرعية الدولية، المتمثلة في مقررات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، التي تنص على عدم جواز احتلال الأرض بواسطة القوة، كما تنص على أن الجولان جزء من الأرض السورية، علما أن هذه القرارات يتم استعادتها وتأكيدها منذ 52 عاما، وعبر مختلف القرارات الدولية ذات الصلة.
جدير بالذكر، أن إسرائيل تعتبر هضبة الجولان، التي أخضعتها للقانون الإسرائيلي (1981)، في خطوة غير شرعية لم يعترف العالم، بها، بمثابة ذخر استراتيجي لها من مختلف النواحي، ففيها ثلث مواردها المائية (14 بالمائة من المخزون المائي لسوريا)، وهي منطقة ذات أهمية عسكرية للاستطلاع والدفاع، بحكم طبيعتها الطبوغرافية وارتفاع تلالها أكثر من 2000 م فوق سطح البحر، وهي منطقة جذب سياحي، إضافة إلى أنها منطقة استيطان، علما أن ثمة 40 ألف مواطن سوري يعيش فيها، وأنها تقع في الوسط بين لبنان وسوريا وفلسطين، وتصل مساحتها إلى 1.800كم2 (1بالمائة من مساحة سوريا).