عن طريق النهضة العربية والإسلامية

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

مع تسارع الأحداث في السنوات الأخيرة، وظهور تحديات تعترض طريق العالم العربي والإسلامي نحو نهضة حقيقية بملامح إنسانوية تبسط أجنحتها على العالم برمته، كما فعلت من قبل، حين أشرقت شمس تلك الحضارة على شرق الأرض وغربها، بات السؤال ما الذي حدث؟ ولماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ ذاك السؤال الذي طرحه الأمير شكيب أرسلان قبل نحو مائة عام أو أزيد قليلا، ومن أسف شديد ها نحن نعود مرة أخرى الى ذات المربع، حيث التساؤل يبقى معلقا وبدون إجابة واضحة.

يستلفت النظر قبل البحث في أفق الرؤى الفكرية لتقديم جواب شاف واف عن السؤال المتقدم الإشارة إلى ان الحضارة العربية ونهضتها التي كانت، مثلت ركيزة نهضوية حقيقية قامت على عقول امتزجت مع بعضها البعض، دون خجل أو وجل من كون بعضها أعجمي، أو انتماء البعض الآخر إلى المسيحية أو اليهودية، فقد وجدت عقليات عربية وإسلامية تقدمية قادرة على استيعاب الآخر والنظر إليه بوصفه قيمة مضافة، وليس اختصام من الذات الإنسانية.
جرت المقادير بنهضة عربية وإسلامية مبدعة حين كان باب الاجتهاد مفتوحا والتلاقح والتنافح الفكري مطروحا على مائدة البحث، من دون رهبة من رجال الحسبة أو رقباء الضمير والتفكير، وقد كان من الطبيعي أن تغيب ملامح تلك النهضة حين سادت العقلية الأحادية الانعزالية والإقصائية، بالإضافة إلى وضع قيود وحدود على الفكر، وبات ومن أسف الفكر والرأي يقابل في بعض المواقع والمواضع بالرصاص، الأمر الذي يحيلنا إلى أسباب نشوء وارتقاء الإرهاب حول العالم العربي، وإن كانت هذه قصة أخرى.
أحد أفضل العقول المفكرة حول العالم الذي تعرض لهذه الإشكالية برؤية تحليلية ونقدية عالية، الرئيس البوسني والمفكر الإسلامي الكبير الراحل علي عزت بيجوفيتش، الذي ترجمت مؤلفاته إلى غالبية لغات العالم، واليوم نتذكره بمودة بالغة سيما وأنه فتح أعين الجميع على كارثية الجماعات الإسلاموية التي ادعت أنها تسعى إلى قيام دولة الخلافة من جديد، وقد لفت بيجوفيتش مبكرا وبقوة إلى الأخطاء والمحاذير والغوايات التي تقع فيها الحركات الإسلامية، وهي بسبيل تحقيق أهدافها في إقامة دولة إسلامية مؤكدا على حقيقة جوهرية، وهي أن الغايات النبيلة لا يمكن تحقيقها إلا بوسائل نبيلة، وان اللجوء إلى ما دون ذلك من وسائل تكون عواقبه وخيمة على الحركة الإسلامية، وعلى وضع الإسلام نفسه وصورته في عقول الناس ووجدانهم.
هل يتوجب علينا ان نتذكر بيجوفيتش هذه الأيام وبخاصة مع اندحار داعش وسقوط آخر جيوبها في منطقة الباغوز السورية؟
الشاهد ان النموذج الذي أعطته داعش للدولة الإسلامية المتخيلة في عقولهم، كان في واقع الأمر من السوء إلى درجة أنه أكسب مربعات اليمين المتطرف في الغرب مربعات نفوذ وقوة، وها نحن نرى ردات الفعل كما تجلت في عدد من الحوادث الأخيرة حول العالم، ولم تفد العالمين العربي والإسلامي بأي شيء، كما لم تصف أي قيمة إيجابية، بل اختصمت من الرصيد الإنساني لكل ما هو مسلم أو إسلامي حول العالم.
هل فكر الدواعش اتهم بإنشاء دولة الخلافة بفكر دموي هو الحل لإعادة أمجاد الدولة الإسلامية والحضارة ذات الشأن التي كانت يوما ما؟
بحسب المفكر الإسلامي الكبير الراحل فانه عند طرح فكرة النهضة، يصطدم ذلك الطرح دائما بنوعين من الناس هما: المحافظون ودعاة الحداثة.
يتعلق المحافظون بالأشكال القديمة، ويتطلع دعاة التحديث إلى الأشكال الأجنبية، يجر الأولون الإسلام إلى الوراء نحو الماضي، ويقحم الآخرون الإسلام في متاهات مستقبل أجنبي.
ورغم هذا الاختلاف، فإن هذين النوعين من الناس بينهما شيء مشترك، فكلاهما ينظر إلى الإسلام من زاوية ضيقة، حيث لا يرى فيه إلا «دينا مجردا»، بالمعنى الأوروبي لهذه العبارة، ونحن نرى – يقول بيجوفيتش- في هذا الموقف قصورا في فهم لغة الإسلام ومنطقه، بل إخفاقا كبيرا في فهم روح الإسلام ودوره في التاريخ والعالم، لقد أدى هذا القصور إلى سوء فهم جسيم للإسلام باختزاله إلى مجرد «دين» وتلك فكرة خاطئة تماما».
قدم بيجوفيتش في تسعينات القرن الماضي وصفة يمكننا وبكل أريحية القول إنها سحرية تلك التي عرفها في احد كتبه بـ «الإعلان الإسلامي»، وعنده انه قد يبدو من قبيل التكرار تأكيد الحقائق الأساسية فيما يتعلق بأصل الإنسان ورسالته، إلا ان مدخل الإسلام في هذه الناحية يعد مدخلا متميزا حيث يدعو إلى الجمع بين الإيمان والعلم، وبين الأخلاق والسياسة، وبين المثل العليا والمصالح.
وبالاعتراف بوجود عالمين: العالم الطبيعي والعالم الروحي الجواني، يعلمنا الإسلام ان الإنسان بتكوينه الفريد هو الذي وصل بين هذين العالمين، وبدون هذا التوحيد بين العالمين سنجد الدين يميل إلى التخلف، ونجد العلم يميل إلى الإلحاد.
وانطلاقا من وجهة النظر التي تذهب إلى ان الإسلام مجرد دين، سنرى ان المحافظين يستنتجون أن الإسلام لا ينبغي له ان يسعى لتنظيم العالم الخارجي، ونرى دعاة الحداثة يستنتجون ان الإسلام لا يستطيع تنظيم العالم الخارجي، والنتيجة العملية واحدة.
في مواجهة هذه السردية لبيجوفيتش يعن لنا ان نتساءل هل فقد قطاع كبير من الشباب العربي والمسلم إيمانه بالجانبين المتقدمين، وعلى هذا الأساس نحا جلهم إلى تيار ثالث مغرق في التطرف والأصولية، كما رأينا عند القاعدة بداية، وتاليا مع ظهور قصة داعش وبكل ما حولها من تفاضيل إقصائية مؤلمة؟
يرى بيجوفيتس ان جذور العجز عن الدخول في نهضة حضارية إسلامية حديثة يعدو إلى هذين النوعين من الناس: المحافظون ودعاة الحداثة، واللذان يمثلان الأوضاع الراهنة للشعوب المسلمة، ويؤكد انهما وان لم يكونا السبب الوحيد لهذه الأوضاع، إلا ان كلا الوجهين يعتبر المظهر الخارجي لسبب أعمق، الا وهو الحط من قدر الفكر الإسلامي من ناحية، ورفض هذا الفكر من ناحية أخرى.
دور المفكر دوما وأبدا هو إيقاظ لناس ورفع الالتباس، التفكير بعزم والعمل بحزم، وهذا ما قام به بيجوفيتش حين أشار إلى انه ليس تاريخ الشعوب المسلمة فقط تاريخ التأكيد المتصل للإسلام في الحياة العملية، بل انه بنفس الدرجة قصة جهل وإهمال وسوء استخدام وخيانة للفكر الإسلامي، ولذلك فان تاريخ كل شعب مسلم هو قائمة المنجزات العبقرية والانتصارات، وفي الوقت نفسه قائمة الأخطاء الفاحشة والهزائم.
ويؤكد على ان كل نجاحاتنا وإخفاقاتنا من الناحيتين الأخلاقية والسياسية هي مجرد انعكاس لفهمنا للإسلام وللكيفية التي طبقناه بها في الحياة. لقد كان ضعف تأثير الإسلام في الحياة العملية للمسلمين على حد تعبيره مصحوبا دائما بانحطاطهم وانحطاط مؤسساتهم السياسية والاجتماعية.وتاريخ الإسلام كله منذ بدايته إلى يومنا هذا يؤكد هذا التطابق، كأن هذا التطابق هو المصير الذي لا مناص منه للشعوب المسلمة وأحد قوانين التاريخ الإسلامي نفسه.
لا يمكن بحال من الأحوال اعتبار رؤية بيجوفيتش جامعة مانعة في طريق السعي إلى نهضة عربية إسلامية مؤكدة، ذلك ان مجال الفكر مفتوح للكثير من الآراء والاجتهادات، وبعضها إيجابي ويتساوق مع الأفكار والعادات والتقاليد العربية، وفي ذات الوقت لا تتصادم أو تتصارع مع أصول وجذور العقيدة الإسلامية.
ولعل أول وأهم طرح يمكن للمرء الاستعانة به من أجل نهضة حقيقية هو العلم، ذاك الموروث الذي أبدعت في شانه الحضارة العربية سابقا، وبلغت في شانه أمرا عاليا، وليس سرا أن أحوال العلم والعلماء في عالمنا العربي المعاصر في حاجة إلى مراجعة حقيقية عميقة، لا على سبيل جلد الذات، بل انطلاقا من استدعاء المعين الروحي والإنساني لامة قدمت أنوارا باهرة للعالم، وقد حان الوقت لان تتبوأ دورها مرة جديدة، ضمن السياقات الإنسانية التي تتكرر فيها جولات وصولات الحضارات، أمة بعد أمة وشعبا بعد شعب.
العلم هو المفتاح الذي يأخذ بأيدي العالم العربي إلى العصرنة الحقيقية، والحضارة الواقعية، ونحن نعلم تمام العلم ان الحضارة لا يمكن ان تنشا بالاستعارة، بل انه لابد لها من ركائز واقعية، العلم والابتكار هما ركناها الرئيسان.
لكن أين لنا من العلم ان كانت العملية التعليمية في العديد من بقاع وأصقاع العالم العربي مصابة بداء خطير يرى في الإبداع مخاوف، وفي الاتباع كل الخير، ويمضي وراء عنوان مؤلم «الخير في كل سلف، والشر في كل خلف»، الأمر الذي يعني الخوف من ملاقاة الآخر المتقدم عنا بسنوات عريضة، مع ان التاريخ العربي الإسلامي القديم يخبرنا بانه حين ارسل هارون الرشيد ساعة رملية إلى شارلمان إمبراطور ألمانيا، ساعة رملية تصدر أصواتا أصاب الأخير الهلع واعتبر أن الجن يسكنها، ولم يهدا إلا بعد ان شرح له موفد الرشيد ماهية هذا الاختراع العجيب.
لا نهضة حقيقية في واقع الأمر من دون واقع اجتماعي إنساني معولم ناضج، بمعنى التعاطي مع الآخر بدون وجل آو خجل، ومن غير أي دونية أو شعور بنقص الذات، هذا الأمر الذي يسميه علماء الاجتماع الانثقاف، بمعنى الدخول مع الآخر المغاير عرقيا ولغويا وربما مذهبيا وطائفيا إلى أبعد نقطة ممكنة ومن غير تردد، وان تكون هناك مساهمات إيجابية ضمن سياقات ونطاقات المشروعات العالمية التي تحتاج إلى تضافر الجهود.
ربما تكون اللحظة الآنية التي تندحر فيها فلول داعش العسكرية لحظة تاريخية يمكن للعالم العربي ان يقدم ويشارك العالم تنويرا حقيقيا، لا زائفا، أنها اللحظة التي تستمد الأمة فيها من تراثها الكبير لحظات استنارة حقيقية، لتضع الإرهاب الفكري وراءها، وتسعى في إطار تخليق مجتمعات إنسانية متعايشة معا.
يمكن للنهضة العربية الخلاقة ان تبدأ في أيامنا من خلال إقامة جسور وصل وتواصل مع الآخر، جسور تظهر طبيعة الإنسان المسلم ودرجة رقيه وتحضره وشراكاته مع بقية دول العالم من اجل مستقبل أكثر أمنا وأمانا، مستقبل لا تعود تطل من نافذته جماعات خارجة إرهابية.
افضل طريق للتنبؤ بمستقبل النهضة العربية والإسلامية هو صناعة تلك النهضة بأيدي أبناء الأمة في الحال والاستقبال.