عطر : طال فصل الخمول يا أمتي

رندة صادق –
randanw@hotmail.com –

دورة الفصول دورة الحياة وكل انقلاباتها بالمعنى المجازي للمتغيرات، مساحات فصلية تترك تأثيرها في مشاعرنا وأحلامنا ومصائرنا، نبض يلاحق نبض بلا تعب، وأماني تولد من يأس أو أمل، أنه خراب يسعى لترميم تاريخ الألم والنزف من خاصرة أمة ما زالت تصارع من أجل هويتها ووجودها وحضارتها، أمة عالقة في حقباتها الزمنية، توقفت منذ زمن عن إثارة الدهشة في عالم تبهره إنجازاتها وقوة حضورها، ووقعت أسيرة صراعاتها الداخلية.

السؤال الذي يقلق الكثيرين ويجعلهم في غربة عن واقعهم هو: من نحن بين الأمم؟ ولماذا نحن من أضعف الحلقات فيها؟ ربما سيأتي مؤرخ ليرد علينا بالوقائع والتواريخ والمعارك والتطورات، وكل الجدل القائم منذ أن أدركنا أننا تحولنا الى دول تصارع لتقف على قدميها والمحافظة على حدودها وتقود أحلام مواطنيها، أو يخرج علينا محلل سياسي يحدثنا عن الصراعات السياسية التي تأثرت بالخلافات الدينية وحولتها الى خلاف عمودي مستمر، أو يذكرنا بالصراع على الثروات وعلى الموارد الطبيعية، أو يأتي عالم دين يحدثنا من وجهة نظره الانتمائية وقناعاته الشخصية عن السبب، معللا لنا أنها محنة واختبار من الله سبحانه وتعالى وأن التغيير قادم في زمن لن ندرك تاريخه لأنه في عالم الغيب.
ربما كل ذلك صحيح، ولكن الناس بسطاء ينهضون مدججين بتفاصيلهم التي يسعون إليها ويمسكون بهواتفهم الذكية فتتدفق عليهم الأدعية التي تعدهم بمكافأة من الله- عز وجل- إن ساهموا بنشرها، وتتوعدهم بمصير سيئ إن لم يفعلوا، والأخبار والقصص والنقل المباشر، هؤلاء المساكين الذين يحرقون الوقت في ثرثرة (واتسابية) يحلمون ويحبون ويقهرون وفي انتظار أن يتنسالوا عبر هواتفهم، تم اعتقالهم في عوالم هواتفهم، قد يقول أحدهم الجميع اليوم عالق في هذه التكنولوجيا الإلكترونية المسيطرة، يستخدمها ومتعلق بها بطريقة تثير الخوف والغرابة منها، ولكن ماذا يتابع الآخرون؟ وبماذا يتحدثون؟ أؤكد لكم انهم يهتمون بأمور مختلفة كليا، وهذا لا يعني أنها لا تتضمن التفاهات والمغالطات، مثلا في اليابان تؤكد الدراسات أن الشعب الياباني مدمن على الهواتف الذكية، لكنه شعب منتج يحترم الوقت، يلتزم بقوانين العمل وكل الأنظمة في بلاده، يتعامل مع المعرفة بوعي، وينافس على المراتب الأولى في العالم، من حيث القوة الاقتصادية والصناعية والإنتاجية.
الفرق شاسع بين الملهاة وصناعة الحياة، الخطأ في العقلية أم في الاستسلام الذهني لمفهوم تم تسويقه من قرون حتى بتنا نعيش على أمجاد انتهت ونتغنى بماض مضى؟ محتجزون بفصل الخمول والحياة من حولنا تتابع حركتها التصاعدية بلا خوف أو وجل أو انتظار مصادفات المجد. تطور الأمم لا يولد من مصادفة فهو ليس (يا نصيب الحياة) أو مكافأة الحظ، انه أمر مختلف كليا، هو عبارة عن خطط عمل تراكمية ومتواصلة لا ترتبط بالأفراد، بل هي عبارة عن سلسلة من حلقات متراصة تنهض بالرؤية السابقة، تطورها ولا تعمل على دفنها، نحن لا ننظر إلى العمل وحاجاته ولا نهتم بالكفاءات الحقيقية، وهذه أول الإشكاليات التي تعيق التطور ولا تعمل على ذهنية الناس لتدربها على التفاعل مع الحاجات العامة.
نحن اليوم نحتاج أن نعيد تموضعنا بحب يدفع إلى تكافلنا وتعاضدنا، لنتمكن من العبور الى عالم جديد يحُضر له، عالم يخطط لإيجاد بدائل للموارد الطبيعية المتصارع عليها، علينا أن نحجز مكاننا الأساسي والضروري، وأن نبدأ في فهم أبعد من المرحلة أو الفصل الحالي، أنها معارك صامتة تُستخدم فيها وسائل جذابة لإلهائنا ووضعنا تحت السيطرة النفسية، إنها قصة وجود علينا أن ننتبه لها، ونرفع من درجات وعينا، لنتمكن من العبور إلى العالم الجديد المتغير اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.