إيطاليا تنضم إلى مبادرة الحزام والطريق

جاكوب شابيرو جيوبوليتكال فيوتشرز –
ترجمة قاسم مكي –

تحقق مبادرة الحزام والطريق الصينية نجاحات مهمة في أوروبا رغم التحذيرات الأمريكية المتكررة للحلفاء الأوروبيين. ففي مارس أكد رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي أن إيطاليا ستكون البلد الأوروبي رقم 17 الذي ينضم للمبادرة. وحسب كونتي ستوقع إيطاليا مذكرة تفاهم أثناء زيارة الرئيس الصيني لروما هذا الشهر. وذكرت وكالة الأنباء الإيطالية (أيه إن إس أيه) أن لوكسمبورج أيضا في مرحلة متقدمة من المفاوضات مع الصين للتوقيع على اتفاقية مماثلة.
من جهتها، سارعت واشنطن للرد على تعليقات كونتي. ففي اليوم الذي أعقب إعلانه اتجه مجلس الأمن القومي الأمريكي إلى تويتر للتعبير عن استيائه محذرا من أن مشاركة إيطاليا في المبادرة «لن تجلب منافع للشعب الإيطالي». كما تواجه الحكومة الإيطالية أيضا رد فعل عنيف من مؤسسة السياسة الخارجية في بلدها والتي صعق بعض أركانها من احتمال بيع العلاقات القوية مع الولايات المتحدة والتي تشكل حجر زاوية الاستراتيجية الإيطالية منذ عام 1945 بثمن بخس يتمثل في مقادير محددة من رأس المال الصيني لإنشاء بنيات أساسية. إن مذكرات التفاهم غير ملزمة وعموما مليئة بطموحات غير واقعية وليس بخطط محددة. لكن المشكلة الأعمق لإيطاليا هي اعتمادها على الولايات المتحدة لشراء أحجام كبيرة من الدين الإيطالي هذا العام. وهذا مهم لإيطاليا خصوصا منذ إنهاء البنك المركزي الأوربي برنامج شراء السندات في ديسمبر. وإذا قررت الولايات المتحدة التعبير عن استيائها مثلا بتشجيع المستثمرين على تجنب شراء الدين الإيطالي قد يزيد ذلك من تكاليف اقتراض إيطاليا فيما تشهد انكماشا في اقتصادها ومعدل دين بنسبة 133% من الناتج الإجمالي. ويبدو أن إيطاليا تخاطر بالكثير جدا في مقابل القليل جدا.
لماذا إذن تتخذ إيطاليا هذه الخطوة؟
حتى الآن تبدو التحذيرات الأمريكية ضد التعاون مع الصين «نباحا أكثر منها عضَا»، فقد وقع أيضا حلفاء أمريكا الموثوقون مثل بولندا ونيوزيلندا وإسرائيل على مذكرات تفاهم حول المبادرة دون عواقب تذكر. وحتى فرنسا والمفوضية الأوروبية بدتا منفتحتين على التعاون مع الصين في مشروعات المبادرة في بيانات مشتركة عديدة. وإيطاليا بلد مثقل بالديون وفي حاجة ماسة للنقود. وإذا كانت الصين مستعدة لمدها ببعض المال فلديها كل الأسباب لقبوله. إنها تدخل في مخاطرة محسوبة لكنها ليست خطرة بالنظر إلى ردود أفعال الولايات المتحدة تجاه مذكرات التفاهم الأخرى. مشاركة إيطاليا في المبادرة ليست مهمة للصين رغم أنها خطوة مرحب بها لتحقيق طموحاتها الاستراتيجية. ونجاح الصين في هذا المسعى الطويل الأجل لن يتقرر بمباركة بلد وحيد حتى لو كان في أهمية إيطاليا. فمشروعها الأكبر هو ربط أوراسيا (كتلة اليابسة الأوروبية الآسيوية) بأكملها بموانئ وطرق وسكك حديدية. وحتى إذا نجح هذا المشروع لن يؤتي أكله قبل إكمال البني الأساسية الذي سيستغرق عدة عقود. كما ستكون هنالك حاجة إلى أكثر من مذكرات التفاهم لنجاحه. لقد وصف عديدون المبادرة بأنها نسخة صينية لخطة مارشال. لكن هذه مقارنة خاطئة لأنها تخطئ في فهم نطاق وأهداف كلا المشروعين. فهدف خطة مارشال كان إعادة بناء أوروبا الغربية كي تصمد أمام الاتحاد السوفييتي. وفي محاولتها تغيير وجهة أوراسيا من الغرب إلى المملكة الوسطى تختلف مبادرة الحزام عنها تماما في مجالها. فالولايات المتحدة ما كانت لتفكر أبدا في (تطبيق) خطة مارشال على نطاق أوراسيا لأنها بذلك تمهد السبيل لنوع من النفوذ كانت مهووسة بمنع تشكله طوال قرنين. إن الهدف الإستراتيجي للصين (من المبادرة) هو ما يثير ضيق الولايات المتحدة. ففي حين أنها لا تهتم إذا أنشأت الصين ميناء في إيطاليا أو خط سكة حديد سريع في بولندا إلا أنها تهتم حقا باحتمال ظهور قوة مهيمنة في منطقة أوراسيا. وتجسير يابسة أوراسيا يهدد الولايات المتحدة سواء قامت به الصين أو أية قوى أخرى. فربط الأسواق بسلاسة من شنغهاي إلى لشبونة يعيق قدرة الولايات المتحدة على منع ظهور قوة أوراسية مهيمنة أو يقلل من اعتماد أوراسيا على دعم ومباركة واشنطن.
لكن توجد مشكلة صغيرة واحدة فقط لخطة الصين. فتطبيقها قريب من المستحيل لأن الصين لا تملك رأس المال المالي والسياسي المطلوب لإكمال مشروع المبادرة. وحتى إذا تحقق لها ذلك ستواجه تحديات سياسية ضخمة في التطبيق. لقد حلمت قوى عظمى عديدة بحكم أوراسيا وفشلت كلها بسبب التنوع الهائل للمنطقة. تنطوي رؤية الصين بربط القارتين بالمصالح الاقتصادية المشتركة على تصور مغرق في المثالية. فليس كل شيء يتعلق بمثل هذه المصالح. لننظر إلى حال الاتحاد الأوروبي وحجم التنافر في هذه المنظمة المتعددة الأطراف رغم ثروتها الهائلة. لقد روجت الصين لفكرة وجوب تعاون بلدان أوراسيا لبناء منطقة أكثر ازدهارا واستقرارا. إنها فكرة نبيلة لكن الوعد بالإنفاق على البنيات الأساسية لن يكون كافيا لتشجيع بلدان في تنوع إيطاليا وإيران وأوزبكستان على العمل معا لبناء نظام أوراسي بقيادة الصين. وحتى إذا كان الهدف النهائي للصين في ربط أوراسيا أقرب إلى الحلم منه للواقع ستظل مبادرة الحزام والطريق إشكالية لأن قدرة الصين على إقناع البلدان المعنية بالتوقيع على مذكرات التفاهم تقوض علاقات الولايات المتحدة حول العالم.
يصطدم إصرار الولايات المتحدة على رفض حلفائها لأموال المبادرة أو معدات الجيل الخامس لشركة هواوي بآذان صماء لأنها لم تقدم لهم أية بدائل مقنعة. لقد أسست الولايات المتحدة نظاما عالميا مرتكزا على حرية واستقلال كل الفاعلين. وحصلت البلدان التي قبلت باللعب وفق قواعد أمريكا على حق مطلق في التجارة والحماية من الخصوم المحتملين. هذا النظام في أفضل أحواله غير قسري إلى حد كبير ويخدم أصحاب المصلحة فيه. لكن لم يعتبره أي أحد إمبراطورية أمريكية يمكن أن يوجه فيها «إمبراطور» أمريكي بلدانه بعدم شراء أفضل تقنية متاحة لأن الولايات المتحدة لا تحب من يصنعها. كما كانت الولايات المتحدة في عام 1945 مهتمة بتدمير الإمبراطوريات وليس بناء إمبراطورية لها.
واشنطن تخدم الصين مباشرة حين تتخذ مثل هذه المقاربة الخرقاء حول قضايا مثل مبادرة الحزام والطريق وتقنية الجيل الخامس. إن سياسة الولايات المتحدة الخارجية بالامتناع عن التدخل هي بالضبط ذلك الجانب الأكثر جاذبية لمعظم البلدان. فالولايات المتحدة لا ترغب في الهيمنة على أوراسيا. إنها ببساطة تريد أن تضمن عدم هيمنة أية جهة أخرى عليها. أما الصين بنظامها السلطوي وتفضيلها التاريخي للاستقرار الاجتماعي على حماية حقوق الفرد فلديها مصلحة في بسط سيطرتها على أوراسيا. وهذا هو السبب،على المستوى السياسي، في أنه لا يمكن حتى لبلد بعيد عنها مثل إيطاليا التفكير بجدية في التحالف معها. لكن قبول الاستثمار شيء آخر. إن إيطاليا ليست على وشك السعي لاستبدال نظام حقق لها حقبة من الوحدة والإزهار لم تشهدها طوال تاريخها منذ الإمبراطورية الرومانية.
الشيء الوحيد الذي يمكن حقا أن يدفع بلدانا مثل إيطاليا وبولندا إلى أحضان الصين هو انتهاك الولايات المتحدة لقواعد نظامها نفسه وإيذاء المصالح الوطنية لأولئك الذين يشاركون فيه. تصر الولايات المتحدة على أن تحظر البلدان الأخرى لتقنية شركة هواوي أو عدم التوقيع على مذكرات تفاهم مبادرة الحزام والطريق دون أن تقدم بدائل افضل أو مماثلة على الأقل. وإذا كان أفضل شيء يمكن أن تفعله في هذه الأحوال هو التهديد بفرض رسوم جمركية أو جزاءات اقتصادية أخرى فذلك دليل على التبجح المتخشب الذي غالبا ما يبدو حين تعتبر قوى عظمى أن نفوذها تحصيل حاصل أو تفشل في الحفاظ على ميزاتها النسبية. بعد 6 سنوات من إعلان الصين مبادرة الحزام والطريق لا تزال الولايات المتحدة ترد بإرسال تغريدات غاضبة. إنها تفيد الاستراتيجية الصينية أكثر من أية مذكرة تفاهم.