هل حان وقت معاقبة «الفيسبوك»؟!

د. عبد العاطى محمد –

قدمت مذبحة نيوزيلاندا التي راح ضحيتها العشرات من المسلمين وهم يؤدون صلاة الجمعة دليلا قويا على أن وسيلة التواصل الاجتماعي المعروفة بالفيسبوك كثيرا ما تتحول من نعمة إلى نقمة على البشرية.
فمع أنها نشأت في الأصل لتعزيز العلاقات الإنسانية بين الناس إذ بها تتحول إلى وسيلة لتمزيق النسيج الاجتماعي وبث الكراهية ونشر العنصرية كما حدث في هذه المذبحة الشنيعة.
برينتون تارانت الاسترالي الجنسية الذي قام بهذه المذبحة في مدينة كرايس تشيرتش، جعل الفيسبوك أحد أدواته الرئيسية في تنفيذها بشكل تفوق فيه عما كان يفعله الإرهابيون في تنظيم «داعش»، وذلك عندما قام بتثبيت كاميرا على رأسه سجل بها مقطع فيديو المذبحة وهو يقوم بتنفيذها واستعمل خاصية البث المباشر التي يتيحها الفيسبوك لنشر المشهد الدموي كاملا بشكل مباشر تماما ليتابعه الجميع بثا حيا. وربما كانت هي المرة التي تتم فيها واقعة بهذا الشكل المروع. ولم يكن ذلك رغبة منه في التشفي والانتقام الشخصي فقط تعبيرا عن شخصيته العنصرية فقط بل لكي يزرع الرعب في قلوب أكبر عدد ممكن من الناس كتهديد بأن القادم أبشع. وقبل تنفيذ جريمته بتسع دقائق كان قد أرسل رسالة إلكترونية إلى رئيسة الوزراء النيوزيلاندية يفيدها بما هو على وشك القيام به، كما وضع على حسابه عبر الإنترنت مانيفستو من 73 صفحة يشرح فيه رؤيته العدوانية ضد الأجانب أو اللاجئين وتعصبه المطلق للجنس الأبيض وتركيزه أساسا على استهداف المسلمين هناك والأسباب التي تدعوه لذلك بما في ذلك العودة إلى التاريخ القديم جدا للحروب الدموية التي وقعت بين الأتراك وقت الخلافة العثمانية والشعوب الأوروبية وصولا إلى التاريخ المعاصر، هذا إضافة إلى ما أتاحه له استخدام الفيسبوك من علاقات واتصالات مع بعض أصدقائه في الخارج الذين عمقوا عنده النظرة العنصرية شديدة التعصب للبيض والعداء عموما للأجانب. ولأن القاتل الشاب (28 عاما) لم يكن مدرجا في قائمة من تشتبه فيهم أجهزة الاستخبارات في نيوزيلاندا، والأرجح أنه لم يكن كذلك بالنسبة لاستراليا أو الدول الغربية وإلا لكانت قد أخبرت السلطات النيوزيلاندية، ولأن هذه البلد التي تقع جغرافيا في آخر الدنيا صغيرة السكان جدا (نحو 5 ملايين نسمة) وهادئة جدا وربما كانت أكبر جريمة عندها أن يدهس شخص ما بسيارته قطا أو كلبا!، ولأنها تأخذ كليا بالتقاليد الغربية في مسألة الحريات العامة والخاصة، لهذا كله وجد القاتل في وسيلة التواصل الاجتماعي الفيسبوك السلاح الآخر (المعنوي) الذي يستطيع أن يستخدمه في ارتكاب المذبحة بجانب الأسلحة النارية التي كانت بحوزته فكان له ما أراد وفق ما سبقت الإشارة إليه. فقد انتشر الحدث في التو واللحظة للعالم كله تقريبا ووصلت رسالته وأفكاره للكافة، ولم تلفت السلطات إلى فعلته إلا بعد تنفيذها بنحو ساعة أو أكثر، وبدا واضحا أنها كانت في غفلة تماما لأنها من الأساس غير معنية بما يجرى في فضاء هذه الوسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي، وإلا لكانت رئيسة الوزراء قد تنبهت لخطورة الرسالة التي بعث بها القاتل قبيل تنفيذ جريمته الإرهابية، ولكانت السلطات قد تنبهت أيضا للمانيفستو الطويل الذي نشره الرجل على الإنترنت قبل الجريمة.
الحدث يتعدى حدود نيوزيلاندا، وكان واضحا أنها ضحية لعمل إرهابي بشع مثلما كان سكانها المسلمون هم الضحية الأولى بكل تأكيد. فهذه البلاد البعيدة عاشت عهدا طويلا من الأمن والاستقرار وكانت وستظل مقصدا لأناس من كل العالم يهربون من مناطق الحروب والفاقة. وهي بالأساس بلد للاجئين والمهاجرين قبلوا العيش المشترك دون النظر لا للدين أو العرق ثم كان من الغريب جدا أن يستند شخص كهذا القاتل الإرهابي في جريمته هذه على مسألة العداء للمهاجرين!
ومن هنا كانت الصدمة والمفاجأة التي هزت أبناء ذلك البلد حيث لم يدر بخلد أحد منهم يوما أن حدثا مأساويا كهذا يمكن أن يقع على أراضيهم. وقد كانوا أكثر الشعوب انتفاضا ضد الجريمة والقاتل وأبدوا تعاطفا كبيرا مع الجالية الإسلامية هناك (نحو 50 ألف نسمه فقط). ومن المؤكد أنهم سيتعلمون كثيرا مما جرى ويتخذون خطوات مهمة لمنع تكرار ما جرى.
ولكن الحدث أفزع العالم كله لبشاعته وعدوانية القاتل الإرهابي وشدة تعصبه العنصري، والأهم أنه فتح أذهان الجميع وخصوصا في العالم الغربي على حقائق جديدة من شأنها تصحيح المفاهيم السائدة حول التطرف والإرهاب والعنصرية والعلاقة بين العناصر الثلاثة معا وحول مسؤولية وسائل التواصل الاجتماعي في تفعيل هذه العناصر على أرض الواقع مع أنه كان من المفترض ألا يكون هذا دورها ولا الغرض من وجودها بل العكس التقريب بين المجتمعات والحفاظ على نسيجها الإنساني وتعزيز قيم التسامح والسلام والاستقرار. والملفت أن الإعلام الغربي انتفض هذه المرة ضد مغزى الحدث وما يمكن أن يترتب عليه مستقبلا، وضد الفيسبوك ذاته حتى أن بعضه أطلق على القاتل وصف سفاح الفيسبوك. وإلى ما قبل هذه المذبحة لم يكن هذا الإعلام يلتفت إلى كل ما حذر منه إعلام منطقتنا العربية طويلا. وما ساعد على حدوث تحول في الموقف الغربي أن المذبحة وإن كان المسلمون هم ضحيتها، إلا أنها موجهة في حد ذاتها من جانب القاتل ضد الحكومات والشعوب الغربية المعاصرة لأنها تجسد خطاب اليمين المتطرف الذي يقلق أوروبا والغرب عموما الآن، المعادي للمهاجرين، وتعتبر من يتعاطفون معهم من الغربيين (وهم أصلا من البيض) خونة. وقد جاء في أنباء الحدث أن القاتل توعد قيادات سياسية غربية بتصفيتهم لأنهم في نظره خونة بسبب تعاطفهم مع المهاجرين واللاجئين، وجاءت المستشارة الألمانية ميركل من بين قائمة هذه القيادات.
لم يعد من الآن مقبولا داخل الإعلام الغربي ترديد مصطلح «الإرهاب الإسلامي» كما كان يحلوا لكثير من السياسيين والرموز الإعلامية بل والكتاب الغربيين استخدامه عند الإشارة للجماعات الدينية (المسلحة) التي رفعت شعارات إسلامية. وبرغم الجهد الضخم الذي بذلته الدول الإسلامية للتأكيد على أن هؤلاء لا يمثلون الإسلام، وبرغم اقتناع كثير من السياسيين والقادة الغربيين بذلك، إلا أن الانطباع العام عند المواطن الغربي البسيط ظل محشورا في دائرة الربط المتعسف بين الإسلام والإرهاب.
مذبحة نيوزيلاندا وضعت الإعلام الغربي في مأزق حقيقي لأن من قام بها شخص أبيض مسيحي لم يتورع عن استدعاء تاريخ الحروب الصليبية، رابطا بقوة بين العداء للإسلام (الإسلاموفوبيا) والتعصب لنقاء الجنس الأبيض. والمانيفستو الذي أصدره حمل عنوان الإحلال الكبير في إشارة إلى أنه يطالب بالتخلص كليا من المسلمين الذين اندمجوا في المجتمعات الغربية وكذلك بالطبع من المهاجرين واللاجئين الجدد منهم حفاظا على نقاء الجنس الأبيض ودينه المسيحي، وهنا جمع القاتل بين الاعتبارين الديني والعرقي. وكرد فعل بدأ ينتشر على صفحات التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) مصطلح الإرهاب المسيحي وفي مواضع أخرى مصطلح الإرهاب الأبيض. وفي الحقيقة ليس هناك من عاقل سواء في الدول الإسلامية أو الغربية المسيحية يقبل مثل هذه المصطلحات بل سيعمل على محاربتها والقضاء عليها لأنها ليس فقط غير حقيقية، حيث أن الإرهاب ليس له دين ولا علاقة بين الأديان والإرهاب، ولكن أيضا درءا للمخاطر الشديدة التي تترتب على ذلك من حيث تهديد الأمن والسلام العالميين والزج بشعوب العالم كله إلى مصير مجهول لا تحمد عقباه.
الإعلام الغربي وكذلك لفيف من المسؤولين والرموز الفكرية الغربية حتى ما قبل مذبحة نيوزيلاندا كان يجادل في الخطاب العربي، والآن لا يستطيع المجادلة لأنه اكتشف أن الكرة أصبحت في ملعبه دون أي تلوين أو مداراة، ولذلك انتفض ضد القاتل والحدث برمته، بل وضد الفيسبوك ذاته بعد أن كان يلوم منطقتنا العربية على تخوفاتها المشروعة من مضار استخدامه. ولم تتردد كبريات الصحف البريطانية مثلا عن توجيه الاتهام لهذه الوسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي والمطالبة بمعاقبة كبريات الشركات العاملة في هذا المجال إن لم تتدخل من جانبها وطواعية وتقوم بتعديل برامجها والتطبيقات وغيرها من التسهيلات في الاتصال التي تساعد أنصار التطرف والتعصب على استخدامها في القيام بعمليات إرهابية. وهناك تخوف حقيقي من جانب العواصم الغربية من ردود فعل مشابهة من جانب التنظيمات المسلحة التي تنسب نفسها للإسلام أن تصيب المجتمعات الغربية، وبات من المعروف أنها تجيد استخدام شبكات التواصل.
يعزز من هذه المخاوف أن القاتل أشار إلى ضرورة أن تتسع دعواه خصوصا بين أوساط اليمين المتطرف والجماعات الفوضوية وأن تتكرر المذابح على غرار ما فعل، وقال إنه يتمنى حدوث ذلك أي وقوع ردود فعل من «المتطرفين الإسلاميين» حتى يتواصل الرد المشابه عليها، بما يؤدى في نهاية المطاف إلى تخليص الشعوب البيضاء من المهاجرين واللاجئين القادمين من دول إسلامية!
لقد دقت أجراس الإنذار في قلب العواصم الغربية، وليس من المستبعد في هذا الإطار أن تنصب المحاكم لعقاب شبكات التواصل الاجتماعي!.