نوافذ :يقال: هذا «خبر مفبرك»

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –
تثار؛ بصورة دائمة؛ إشكالية الحقيقة المطلقة للخبر، فهناك خبر صحيح، وهناك خبر «مفبرك» حسب التعبير، وهذا التقييم ناتج عن أنه «لا توجد حقيقة مطلقة» كما يقال أيضا: «أن هناك أكثر من وجه للحقيقة» ذلك لأن هناك ثمة مسافة ما بين مصدر الخبر، ومُستقبِله، في هذه المسافة تتعرض لكثير من الضغوطات الفنية، إن تصح التسمية، قد تكون هذه الضغوطات بفعل فاعل؛ أي أن فيها متعمد؛ وقد تأتي هكذا من غير قصد، وذلك اعتمادا على درجة الأهمية التي يشكلها الخبر، والحساسية المفرطة لموضوعه، ولكن في كل الأحوال أيما كانت نسبية الأهمية والحساسية لأي خبر، فإنه في كل الأحوال يتعرض لكثير من التشويه، ولذلك تسمع عن خبر ما يتداول في وسط أفراد المجتمع بأوجه مختلفة، وبمعلومات مختلفة، وبشخصيات مختلفة، في كل ذلك تبقى الفكرة العامة للخبر، أما بخلاف الشخصيات، والمعلومات، والصيغ، فهي خاضعة لمثل هذه التشويهات وفقا للمصادر المتعددة بعد ذلك التي ترافق مسيرة الخبر ما بين المصدر والمتلقي.

حتى عهد قريب، حاولت المصادر أن تبقى على قدر كبير من الأهمية لاحتكار المعلومة الصحيحة، وإن كان ما تبثه، لا يحمل الحقيقة المطلقة، لأنها تتحفّظ على جزئيات مهمة من هذا الخبر او ذلك، وذلك ما يعرف – إعلاميا – بـ«حراس البوابة الإعلامية» وخاصة في شأن وسائل الإعلام المختلفة: المقروءة، والمسموعة، والمرئية، وحتى المصادر الأخرى عندها «حراس البوابة الإعلامية» هذه البوابة اليوم تخلخلت استحكاماتها، وفي طريقها إلى الاندثار، في ظل وسائل اتصالية عالية الدقة، ومتعددة الأغراض، ويملكها كل أفراد المجتمع، وإن تحاول الجهات المعنية سن قوانين وأنظمة للحد من استفحال نشر المعلومات عن غير مصادرها الحقيقية، لأن الضبطية القضائية إن استطاعت أن تصل إلى واحد أو اثنين ممن نشروا معلومة ما، فإنها لن تستطيع أن تحاكم مجتمعا بأكمله، وفي ظل تعدد وسائل الاتصال والتواصل، يصبح التحفظ على المعلومة غير عملي.
والعملي هنا؛ والذي لا يخدش حياء، ولا يربك خططا، ولا يظلم أحدا؛ هو أن تكون المعلومات في سياقها الصحيح المتوقع، وهذا السياق هو الذي يخضع للأنظمة والقوانين، وبالتالي مهما انتشر، واتسع انتشاره فإنه لن يتصادم مع أي مصلحة فردية، والناس؛ لا تثيرهم في العادة؛ إلا الأخبار الخارجة عن القانون، وهي المتصادمة مع الصواب، والمعقول، والمقبول، صحيح أن رضا الناس غاية لا تدرك، ولكن الناس يتفهمون، ويقتنعون عندما تكون المعلومة غير مجانبة للصواب، والمعقول والمطلوب.
تحظى الأخبار التي تصاغ في الغرف المظلمة؛ كما يقال؛ بالكثير من الاهتمام، وهي الأخبار التي يثار حولها الجدل، والأخذ والرد، وهي الخاضعة أكثر للتأويل، والتهويل، والأخذ والرد، لأنها؛ غالبا؛ مصادمة للحقائق، وغير متفقة مع الواقع والمنطق، وفي كل أحوالها متصادمة مع الأنظمة والقوانين، المنظمة لمختلف العلاقات، وإذا كانت مصادر هذا النوع من الأخبار، استطاعت في فترات سابقة، أن تحتكرها الصورة التي تحقق من خلالها طموحاتها، ومساعيها، فإن حالها اليوم، لن يعطيها هذا النفس الكبير الممتد؛ حيث الصوت والصورة؛ تسجلها أجهزة دقيقة، قد لا ترى وهي تقوم بعملها الكامل الواضح.
ومع ذلك؛ وبقدر هذه الرؤية الواضحة المتاحة اليوم؛ ستبقى إشكالية الخبر الصحيح، والخبر المفبرك قائمة، لأن هناك أناسا يهمهم أن يبحروا في المياه الراكدة «فطرة بشرية» لا سبيل إلى القضاء عليها، وفي مواجهة هذه الحقيقة، تبقى المعلومة المستندة على الحقائق، وغير المتصادمة مع الأنظمة والقوانين، لا يمكن فبركتها، وإن تعرضت للتشويه، فهناك؛ ألف سند؛ لتعزيزها، ولا خوف من فبركتها.
السؤال؛ ختاما: هل تعي المصادر هذه الحقيقة؟