مجلس التعاون الخليجي والمشهد الإقليمي

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –

منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية والتي انطلقت عام 1981 بقمتها الأولى في إمارة أبوظبي تعد من المنظمات الأكثر تميزا من خلال الاتفاقيات المشتركة والطموحات لشعوب الدول الست والشعور العاطفي الذي انطلق مع القمم الأولى خاصة وأن هناك تراثا تاريخيا مشتركا بين دول المنطقة وكانت الآمال كبيرة في انطلاقة كتلة اقتصادية وتنموية تنتهي بالتكامل الاقتصادي وربما أبعد من ذلك.

وكان الشعور الشعبي متناغما مع المنظومة الخليجية وتنطلق الأغاني التي تمجد الخليج الواحد والشعب الواحد مع آمال كبرى بانطلاقة منظمة تتميز بموارد كبيرة وموقع مهم على سواحل الخليج وبحر العرب، ومن هنا كانت الطموحات كبيرة خاصة وأن المنظومة لديها مقومات النجاح لأسباب موضوعية حيث تماثل الأنظمة السياسية الوراثية ومجتمعات لديها من المشتركات الكثير وإحساس جارف بأن المنطقة تحتاج إلى تكتل اقتصادي وسياسي وحتى عسكري يكون لها سياج من الأطماع الخارجية والتطلعات غير المنضبطة. ولم يكن يدور بتفكير أحد أن هذه المنظومة سوف تتأثر أو يصيبها ما أصاب الجامعة العربية التي تعاني الأمرين منذ سنوات بسبب الخلافات العربية – العربية وتباين المواقف ولكن الذي حدث قبل أقل من سنتين غيّر المشهد الخليجي والذي كان يتميز بالهدوء ومعالجة الرؤى المختلفة بالحكمة، كما أن الإعلام الخليجي كان يميل إلى التركيز على الموضوعية بعيدا عن الإثارة التي ميزت وسائل عدد من الدول العربية ومن هنا كان هناك انسجام بين الرؤية السياسية والخطاب الإعلامي المتزن وكان ذلك مثار إعجاب المراقبين. وكانت الاجتماعات الوزارية تتواصل بشكل منتظم وكان هناك مشاريع كبرى تناقش على مستويات القمة وقد تم تحقيق إنجازات حقيقية رغم المسيرة البطيئة نوعا ما لمسيرة مجلس التعاون الخليجي وهذا يعود إلى قضايا تشريعية وقانونية داخلية وهذا أمر يمكن تفهمه ومع ذلك كان هناك الربط الكهربائي والمائي وهناك الاتفاقية الجمركية والسوق الخليجية المشتركة وموضوع القطار وقضايا اقتصادية حيوية تشير إلى أهمية ربط المنطقة وشعوبها اقتصاديا وتنمويا.

ما الذي حدث؟

الخلافات والتباينات بين دول أي منظومة هو أمر وارد وهذا يحدث كثيرا بين دول الاتحاد الأوروبي ودول الآسيان ومع ذلك فإن تلك التباينات تناقش داخل الغرف المغلقة، أما في الحالة الخليجية فإن الأمر شبه خرج عن نطاق السيطرة وهذا يعود الى تقاطع كبير في التوجهات السياسية وعلى قاعدة عربية قديمة تشير إلى أهمية الانتصار الذاتي ولا مجال للحوار أو المراجعة وهي نظرية عفا عليها الزمن والمنطق السياسي.
الجميع يتفق أن الأزمة الخليجية بين قطر وعدد من دول مجلس التعاون الخليجي هي أزمة تتعلق بالطموحات السياسية في الإقليم وفي العالم من خلال التعامل مع عدد من الملفات الساخنة المعروفة ورغم ذلك فإن الكل يتفق بأن الأزمة يمكن حلها عن طريق الحوار والنقاش وهذا منطق سياسي متفق عليه، ورغم ذلك لعبت الآلة الإعلامية دورا سلبيا فاقم من الأزمة، ورغم الجهود السياسية من داخل الإقليم وخارجه إلا أن الأزمة الخليجية لن تجد الحل على المدى القريب ومع ذلك فإن عددا من المسؤولين الأمريكيين يرون بأن الانقسام في مجلس التعاون لا يعطي الفرصة لتوحد الموقف الخليجي لمواجهة التحديات والمقصود هنا إيران.
ومع بقاء الأزمة بدون حل والتدخلات الخارجية والمصالح واستغلال هذا الظرف الخليجي الطارئ فإن مزيدا من التعقيد يلف هذه الأزمة، وكانت الحسابات غير دقيقة، وبالتالي قد يكون التراجع يعطي مؤشرا على الفشل والتنازل وهذه عقلية عربية لالاتزال حاضرة فكريا، وهي تبتعد عن التفكير الاستراتيجي للدول المتقدمة، فالحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة هي نموذج صارخ في هذا الإطار ومع ذلك فإن الاجتماعات متواصلة بين مسؤولي البلدين في بكين وواشنطن، كما أن العداء التاريخي بين واشنطن وبيونج يانج حول المنظومة النووية، لم يمنع الرئيس ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم يونج من الجلوس في قمتين في سنغافورة وفيتنام بصرف النظر عن نتائج تلك القمم التاريخية. ولا نذهب بعيدا عن المنطقة ورغم العداء التاريخي بين الولايات المتحدة وإيران وهو عداء متواصل منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 كانت هناك اجتماعات سرية وعلنية في السلطنة وعدد من العواصم العالمية خاصة جنيف وفيينا وتم إنجاز الملف النووي الإيراني مع القوى الدولية، ونحن هنا نتحدث عن قضايا وملفات كبرى كادت أن تؤدي إلى نشوب حروب مدمرة في المنطقة وربما العالم نتيجة لخطورة تلك الملفات.

الحوار هو الحل

الأزمة الخليجية ليس لها أسباب ظاهرة ومع ذلك فإن التنافس على البروز سياسيا ولعب دور إقليمي أكبر والمقاربة السياسية للتعاطي مع الأوضاع العربية بين الحفاظ على المنظومة التقليدية والانتصار لثورات الربيع العربي هو السبب الحقيق لذلك الخصام والخلاف، والذي ظهر بشكل عنيف لم تتعوده المنطقة خلال قيام الدول الوطنية بعد الانسحاب البريطاني من أوائل عقد السبعينات من القرن الماضي، ومن هنا فإن الأزمة الخليجية خلقت حاله من الارتباك لمجلس التعاون حيث الشلل يلف المجلس وحتى قمتي الكويت والرياض كانتا باهتتين ولم تستطع حتى إدراج موضوع الأزمة الخليجية على طاولة النقاش رغم الجهود المقدرة سمو أمير دولة الكويت الشقيقة ولعل الرابح الأكبر لتلك الأزمة هو سوق السلاح الغربي والروسي وحتى الصيني حيث مبيعات السلاح بعشرات المليارات من الدولارات.
الحوار هو الحل الأمثل لتلك الأزمة وهناك تخوف من تآكل مجلس التعاون ويكون مصيره كمصير عصبة الأمم والتي قامت على انقاض الحرب العالمية الثانية ونتيجة المنافسة على النفوذ تم اختفاء تلك المنظمة لتأتي بعدها الأمم المتحدة وفق توافقات على النفوذ حيث العضوية الدائمة في مجلس الأمن والمناكفة السياسية تبعا للمصالح حيث الفيتو الروسي والأمريكي يكون حاضرا في مقر المنظمة في نيويورك، ومن هنا فإن مجلس التعاون كمنظومة مهدد بالتفكك وقد يكون هناك استعداد غير مرئي لإنهاء هذه المنظومة والانتقال إلى حلف الشرق الأوسط، كما تشير إلى ذلك بعض المقاربات السياسية في الغرب وعلى ضوء خطط استراتيجية لإيجاد الشرق الأوسط الجديد القائم على التعاون الاقتصادي من خلال صفقة القرن الأمريكية والتي سوف يتم الإعلان عنها بعد الانتخابات الإسرائيلية في أبريل القادم.
هل يتطلع البعض إلى منظومة إقليمية أكبر تتخطى مجلس التعاون الخليجي وحتى جامعة الدول العربية والتي أصبحت في وضع معقد خلال السنوات الأخيرة وتضاءلت أهميتها السياسية إلى حد كبير وبقيت كجسد بلا روح وتأثر العمل العربي المشترك كثيرا بسبب تلك النزعات الخلافية سواء في الخليج أو في المغرب العربي وأيضا العداء غير المبرر مع إيران وهذه الأخيرة لابد من إجراء حوار جاد معها حول مجمل الملفات العالقة وتصحيح الأوضاع لضمان الأمن والاستقرار لشعوب المنطقة وأجيالها الجديدة.
فأي صراع أو حرب محتملة في المنطقة سوف يكون الجميع خاسرا وسوف تستنزف دول المنطقة مقدراتها وتدمر أوطانها وبالتالي يكون الرابح مجددا سوق السلاح العالمي.

إلى أين تتجه الأزمة؟

حسب تصريحات عدد من المسؤولين في المنطقة فإن الأزمة سوف تطول وليس هناك مخرج قريب للحل وهنا نطرح تساؤلا حول مصير مجلس التعاون الخليجي ومستقبل وجوده في ظل هذه الخلافات العميقة والتي ساهم في تأجيجها الإعلام الخليجي الخاص بالدول المتخاصمة، ومن هنا فإن مجلس التعاون حاليا يمر بمنعطف خطير حيث تحاول السلطنة بصفتها تترأس الدورة الحالية إنقاذ ما يمكن إنقاذه وهي سوف تقوم بواجبها في هذا الإطار ومع ذلك فإن استمرار الأزمة يعني انفراط عقد المجلس لا محالة فأي منظمة إقليمية لا يمكن أن تعمل بشكل طبيعي في ظل حالة من الخلاف والخصام والمقاطعة الدبلوماسية والتجارية وحتى الاجتماعية.
الذي يحدث في الأزمة الخليجية هو أمر خارج المألوف في الخلافات السياسية، ومن هنا فإن مجلس التعاون الخليجي يعد في مفترق طرق ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل استمراره كمنظومة في ظل هذا المناخ المشحون بين عدد من دول المجلس وقد يكون استمرار الأزمة في مصلحة البعض من موردي السلاح وحتى مروجي المشكلات والإشاعات على الصعيد الإعلامي وبالتالي يكون استمرار الأزمة مصلحة لأطراف خارجية ومروجين من الداخل والخارج.
مجلس التعاون الخليجي كان بارقة أمل لشعوب المنطقة ومنظومة يعول عليها الكثير لإضفاء طابع التعاون والتكامل والانسجام الاجتماعي ومشروع مستقبلي قد يضاهي منظومة الاتحاد الأوروبي على الأقل في جانبه الاقتصادي، ومع ذلك فإن هذه المنظومة تبحث الآن عن منقذ وقد يكون هناك خطط لإنهاء هذه المنظومة في مرحلة يصل فيها العمل الخليجي المشترك إلى مرحلة انسداد حقيقي وهو الأمر الذي ينتج عن الأزمات التي يصعب حلها فتكون هناك توابع سياسية تتعمق مع الوقت وهو الأمر الذي سوف يكون ضحيته مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بارقة الأمل التي قد تختفي عاجلا أو آجلا إلا إذا حدث اختراق كبير لتلك الأزمة الخليجية يستوجب التدخل ليس فقط المنظومة الخليجية ولكن لإنقاذ مستقبل المنطقة بشكل عام.