خريطة طريق عربية لمواجهة التحديات

د.أحمد سيد أحمد –
لا شك أن هذه الأولويات الأربعة الملحة تتطلب بلورة رؤية عربية موحدة، محددة الأهداف والأليات لتحقيق تقدم ملموس على صعيد هذه الملفات، يمكن مراجعته في القمة العربية المقبلة في 2020.

تنعقد القمة العربية الثلاثين بتونس وسط استمرار التحديات العديدة أمام العالم العربي والتي تفرض اتخاذ مواقف وقرارات مهمة ترتقي لمستوى تلك التحديات والتي تتجسد في استمرار الصراعات والحروب في بعض الدول العربية مثل سوريا واليمن وليبيا والصومال، واستمرار خطر الإرهاب والتنظيمات الإرهابية مثل تنظيم داعش، وهناك التحديات السياسية وحالة عدم الاستقرار التي تواجهها بعض الدول العربية الأخرى والتحديات الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة ومعدلات الفقر في بعض الدول العربية، إضافة إلى مشكلات اللاجئين والمهاجرين وغيرها من القضايا الملحة التي تفرض ذاتها على قمة تونس.
ويمكن القول إن المطلوب من القمة العربية المقبلة في تونس وضع خريطة طريق عربية، تتمثل في:
أولا: معالجة الأزمات والحروب والصراعات داخل الدول العربية من خلال حلول سياسية توافقية سلمية ترتكز على تعزيز الدولة الوطنية العربية ومؤسساتها الشرعية خاصة الجيش والشرطة لتكون قادرة على حماية حدودها الوطنية كذلك تأكيد استقلالية وسيادة الدول العربية، ويمكن هنا للموقف العربي، أن يمارس دورها مهما في المساعدة في تحقيق المصالحة الوطنية بين الفرقاء داخل الدول العربية التي تشهد صراعات وأزمات، كذلك الدور العربي في المساعدة في إعادة إعمار ما تهدم في تلك الدول بسبب الحروب، خاصة أن هناك مدنا وقرى دمرت بالكامل في سوريا والعراق وليبيا، وكذلك المساعدة على إعادة اللاجئين في الداخل إلى مناطقهم وقراهم وتحسين أوضاع المخيمات التي يعيشون فيها بشكل مؤقت، والمساعدة في إعادة اللاجئين والمهاجرين من تلك الدول في الخارج إلى بلدانهم الأصلية والمساعدة في توفير الظروف والبيئة التي تساعد في عودتهم سواء في إنهاء الصراعات والحروب أو في تحقيق التنمية وتحسين مستوى المعيشة، وكل هذا يدفع في أهمية الدور العربي وقرار القمة العربية في تفعيل الدور العربي في إطفاء النيران المشتعلة في المنطقة العربية.
ثانيا: تعظيم الدور العربي في إدارة القضايا ومعالجة الأزمات والصراعات مثل ليبيا واليمن وسوريا وغيرها، حيث تراجع الدور العربي في تلك المشكلات والأزمات خلال الفترة الماضية مما أوجد فراغا سعت دول إقليمية غير عربية لملئه وتعظيم دورها على حساب المصالح العربية وهو ما شكل تهديدا للأمن القومي العربي، فكثير من الأزمات والقضايا العربية كان الدور الخارجي فيها بارزا كما حدث في سوريا وليبيا، ولذلك ساهم التدخل الخارجي في تعقيد تلك الأزمات وإطالة أمدها وصعوبة التوصل إلى حلول سياسية بشأنها، ولذا تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الدول العربية والجامعة العربية في المرحلة المقبلة في إدارة القضايا العربية بما يساهم في تقليل الأدوار الخارجية، ولذلك كانت القمة العربية الأوروبية التي انعقدت في شرم الشيخ خطوة مهمة في هذا الاتجاه، حيث جاءت الدول الأوروبية إلى العالم العربي لمناقشة القضايا المشتركة والقضايا العربية خاصة محاربة الإرهاب والهجرة غير الشرعية بما يعكس أهمية الدور العربي في معالجة تلك القضايا.
ثالثا: أهمية تأكيد الموقف العربي الداعم للقضية الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وخاصة حقه في إقامة دولته المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وفق حل الدولتين وحق العودة للاجئين وفقا لقرار مجلس الأمن 194، ورفض أية صيغة أخرى للسلام لا تحقق السلام العادل والشامل والذي يضمن مصالح الجميع ويساعد في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، ولذلك في ظل المبادرات المختلفة المطروحة حول القضية الفلسطينية ومنها المبادرة الأمريكية المرتقبة والتي تثير الجدل قبل طرحها بشكل رسمي، تبرز أهمية الموقف العربي في القمة في إعادة تأكيد أن السلام خيار استراتيجي عربي وفقا لمبادرة السلام العربية التي طرحت في قمة بيروت عام 2002، ولكونه يمثل صمام الأمان في حماية الحقوق الفلسطينية وصد أية محاولات تنال من الحقوق الفلسطينية، وكما أطلق العاهل السعودي الملك سلمان علىالقمة العربية السابقة بالظهران، قمة القدس، فإن قمة تونس أيضا تمثل امتدادا لهذا الموقف العربي في إيصال رسالة واضحة إلى كافة الأطراف بأن القضية الفلسطينية تظل هي مفتاح الأمن والاستقرار في المنطقة، وأنه بدون حل عادل لها ستظل المنطقة تعاني من حالة عدم الاستقرار. كما يبرز الدور العربي في تقديم المزيد من الدعم المالي والمادي للشعب الفلسطيني في ظل التحديات الكبيرة التي يواجهها بسب سياسات الحصار وبسبب نقص الموارد، خاصة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، الأونروا، والتي تتعرض لتحديات كبيرة بعد قيام الولايات المتحدة بوقف تمويلها للوكالة وهو ما أثر سلبا على الخدمات التعليمية والصحية وغيرها التي تقدمها لأكثر من خمسة ملايين لاجئ فلسطيني.
رابعا: أهمية الدور العربي في مواجهة التحديات التي تهدد الأمن القومي العربي خاصة التدخلات الخارجية في المنطقة والتي تساهم في زعزعة الأمن والاستقرار وتزيد من الاستقطاب الداخلي في بعض الدول العربية التي تشهد أزمات وصراعات، كذلك مواجهة خطر الإرهاب، ورغم اندحار تنظيم داعش الإرهابي في سوريا والعراق بعد تعرضه لهزائم ساحقة أنهت التنظيم كمؤسسة على الأرض تسيطر على منطقة جغرافية وتفرض فيها قوانينها، إلا أن خطر داعش لم ينته تماما، حيث يتحول من تنظيم على الأرض إلى التواجد تحت الأرض عبر الخلايا النائمة وما يعرف بالذئاب المنفردة والقيام بعمليات إرهابية وتفجيرات كما حدث في العراق وسوريا، إضافة إلى تسلل عناصر التنظيم عبر الحدود والبحث عن مناطق رخوة جديدة تشكل حاضنة له لاستئناف نشاطه، وهذا يتطلب تفعيل وتكثيف التعاون العربي العربي في مواجهة خطر الإرهاب عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية والأمنية لمنع تسلل تلك العناصر كذلك السيطرة عليها عبر الفضاء الإلكتروني لمنع تلك التنظيمات الإرهابية من نشر أفكارها وتجنيد الشباب في الدول العربية، وإضافة إلى التعاون العسكري للسيطرة على الحدود تبرز أهمية اتخاذ مواقف عربية رادعة وحازمة ضد الدول التي تمول وترعى الإرهاب والتنظيمات الإرهابية.
خامسا: تفعيل العمل العربي المشترك خاصة في المجال الاقتصادي، في ظل التحديات الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة في المنطقة العربية، ولا شك أن انعقاد القمة العربية الاقتصادية بشكل دوري كل أربع سنوات ودمجها في القمة العادية يمثل خطوة مهمة، لكن تحقيق التكامل الاقتصادي العربي يتطلب زيادة التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري بين الدول العربية وإزالة الحواجز الجمركية والعقبات الأخرى أمام انسياب التجارة وعناصر الإنتاج الأخرى وكذلك الاستثمارات بين الدول العربية، كذلك الاعتماد على الميزة النسبية لكل دول عربية لتحقيق التكامل بين الدول العربية وليس التنافس الحالي في إنتاج ذات السلع والخدمات، كما تبرز أهمية أن تركز القمة العربية على إصدار قرارات وخطوات بشأن قضية أو قضيتين اقتصاديتين فقط والعمل على تحقيق إنجاز فيهما على مدار العام ويتم مراجعة ما حدث فيهما من تقدم خلال القمة المقبلة، وذلك بدلا من إصدار قرارات عديدة حول قضايا عديدة بشأن التكامل الاقتصادي العربي ويصعب تنفيذها عمليا، ولذلك تتكرر نفس البيانات ونفس القرارات ونفس القضايا على أجندة أعمال القمة العربية كل عام دون تحقيق إنجازات ملموسة على أرض الواقع.
ولا شك أن انعقاد القمة العربية بشكل دوري يعد إنجازا في حد ذاته ويحافظ على الحد الأدنى من التماسك العربي والنظام الإقليمي العربي، لكن في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه الأمة العربية، فإن الآمال معقودة على قمة تونس لوضع خريطة طريق عربية لمواجهة تلك التحديات وتحديد أولويات التحرك خلال الفترة المقبلة، خاصة على مستوى أربع قضايا رئيسية وهي تسوية النزاعات العربية في سوريا واليمن وليبيا ومواجهة خطر الإرهاب وتفعيل التكامل الاقتصادي العربي ودعم القضية الفلسطينية، ولا شك أن هذه الأولويات الأربعة الملحة تتطلب بلورة رؤية عربية موحدة، محددة الأهداف والآليات لتحقيق تقدم ملموس على صعيد هذه الملفات، يمكن مراجعته فى القمة العربية المقبلة فى 2020.