مرتكزات في نسيج العلاقات الدولية

جاءت محاضرة معالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية التي ألقاها في النادي الثقافي الليلة قبل الماضية لتؤكد على العديد من المرتكزات والمعاني السامية التي تقوم عليها سياسة السلطنة الخارجية، التي هي نسيج متصل للسياسة الداخلية، التي انتهجها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه- وعمادها أن قوة الخارج من قوة الداخل والعكس صحيح وأن مبدأ الصداقة بين الشعوب هو الذي يجب أن يسود بحيث يتم نشر قيم المحبة والسلام في العالم، بدلا من النزاعات والحرب والنزعات الذاتية الضيقة التي تخصم من رصيد التعاون الدولي والتكامل المنشود في كافة أوجه الحياة الإنسانية.
هناك أفكار عديدة مُركّزة أشار إليها الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية في المحاضرة، تصبّ في ترتيب ووضع نسق الفكر العماني السياسي ضمن إطاره الموضوعي في الزمكان، الأمر الذي جعل هذا الفكر فاعلا ومؤثرا وموضع إشادة من قبل المراقبين طوال العقود الماضية من عمر النهضة العمانية الحديثة، وهي إشادة تجمع بين التوازن على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تنظر إلى النهضة العمانية بوصفها عملية كلية لا تتجزأ، وأن فهم السياسة الخارجية لا يمكن أن ينفصل عن التعريف بهذه التكاملية، والمرور على صورة المسيرة المهمة التي عبرت بها عُمان المعاصرة منذ عام 1970 وإلى اليوم.
في إطار السياسة الخارجية والبحث عن عالم مستقر فإن الدولة أي كانت؛ في أي زمان ومكان، وفقا للفلسفة العمانية في رؤية الدولة، تحتاج أن تضع في الاعتبار المصالح الذاتية في تقاطعها مع المجموع غير أن ذلك يجب أن ينظر في المقام الأول إلى الثوابت التي تتشكل بها الذات وتنطلق منها باتجاه التصورات الكلية لها للسلام والتنمية، وهناك مرجعيات إنسانية مشتركة في هذا الإطار، يكون الخروج عنها بداية نحو النزاعات والحروب وعدم الاستقرار والاضطراب في العلاقات بين الأمم والدول.
هنا ينبغي الوضع في الاعتبار كذلك أن الثوابت هي عملية تأخذ تكيفها وفق قيم وأصول من منطلقات الذات وجذورها التاريخية والروح الإنسانية لها، بيد أن كل ذلك يتفاعل مع المتغيرات والتحول على المستوى العالمي، فالحياة البشرية طابعها متحرك ومتغير وهذا ما يجب الاستناد عليه في تطوير وترقية السياسة والاقتصاد وكافة مناحي الحياة.
يلفت ابن علوي إلى قضية المستقبل بوصفها مركزية في النظرة إلى الأمن والأمان واقتناص الفرص الأفضل للحياة في كل القطاعات الإنسانية، والمستقبل كلمة كبيرة وشاسعة من حيث المرامي لا يحدها سوى الفكر الإنساني المنفتح والابتكار والقدرة على استيعاب الآخرين والتفاعل معهم والتخلص من التقوقع على الذات، كذلك لابد من الفهم الشامل بأن الإنسان هو ابن العالم أجمع مساهما فيه وفاعلا وإيجابيا وأن أي نظرة إلى المستقبل يجب أن تتسلح بالمعرفة والعلم فهما وقود الزمن الخالد على مر العصور، فبهما تصعد مقامات الفرد والأمم والشعوب وترقى الدول إلى المصاف المتقدمة، ومن يتأخر عن الركب سيجد أنه يعاني لا شك في ذلك وسوف يسبقه العالم ويتركه خلفه بلا مبالاة.