الأمريكيون مشغولون بمصداقية أمريكا في العالم

عاطف الغمري –
تحتاج قياسات الأمريكيين لسياسات الرئيس ترامب، وتقييمهم لها، سواء من جانب الرأي العام، أو المختصين بالسياسة الخارجية، استيعابها من جانب الدول التي اعتادت التعامل مع السياسات الأمريكية، باعتبار ما تتصف به من الاستمرارية وليس التغيير، وبناء على قواعد أداء طويلة الأجل. وحتى تتضح أمام هذه الدول، الاحتمالات الممكنة حاضرة ومستقبلا، للاعتماد على توقعات قد لا تحدث.

والآن يعترف الخبراء الأمريكيون بأن ترامب قد زرع شكوكا إزاء ما كان متبعا بالنسبة لمراعاة التزامات أساسية، تجاه الدول التي ترتبط معها الولايات المتحدة بتحالفات، أو صداقات، وهو ما عبرت عنه صحيفة نيويورك تايمز بقولها إن ترامب كان يقول أشياء غير حقيقية، كل يوم له في البيت الأبيض، ومن شأن ذلك تقويض مصداقية بلاده في الداخل والخارج، وكانت نتيجة تراجع ثقة الحلفاء في الوعود الأمريكية.
وفيما يخصنا نحن في الشرق الأوسط، فلقد تحدث ترامب مرارا عن رغبته في تسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وفق عملية سلام ترضى الطرفين. لكن الترجمة العملية لأقوال، اتخذت منحى مختلف، بانحيازه المطلق لجانب واحد من معادلة السلام، وهو إسرائيل.
وكان أبرز مظهر لتحيزه، إعلانه الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، في خروج صارخ على التزامات قطعها على أنفسهم الرؤساء الذين سبقوه، بأن وضع القدس سيتقرر في مفاوضات الوضع النهائي، وبمشاركة الفلسطينيين وليس بقرار منفرد سواء من أمريكا أو إسرائيل.
هذا السلوك ينطبق عليه وصف البروفيسور كيرين يارهي ميلو، أستاذ السياسات بجامعة برينستون، ومؤلف كتاب «الصراع من أجل المكانة: سيكولوجية القادة في النزاعات الدولية»، وهو ما نشرته مجلة فورين أفيرز، والذي قال إن قائمة التناقضات في مواقف ترامب صارت طويلة.
وفي هذا السياق، فقد سبق لبعض رؤساء أمريكا، اتخاذ مواقف متناقضة، لكنها مقصودة للتأثير على الدولة التي يتعاملون معها حينئذ، مثلما فعل الرئيس ريتشارد نيكسون في أول السبعينات، من إبلاغ الاتحاد السوفيتي وفيتنام الشمالية، بأنه قد يلجأ لاستخدام السلاح النووي في فيتنام.
لكن تبين للدولتين أن نيكسون يخادع ولا يقول الحقيقة. وبالتالي جاء رد فعل الدولتين على غير ما توقع نيكسون أو أراد.
بعد ذلك كلف نيكسون وزير خارجيته هنري كيسنجر بإجراء اتصالات مع الفيتناميين، والتي انتهت إلى بدء مفاوضات عام 1972، كللت باتفاقية سلام أنهت حرب فيتنام.
لكن الفرق بين تصرف نيكسون وأقوال ترامب، أن الأخيرة تمضى عمليا في مسار يبدو أن ترامب يصر عليه ولا يرغب في تغييره.
يشير إلى ذلك أن نيته إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، قد اتضحت من البداية في تصريحاته أثناء حملته الانتخابية عام 2016. ثم حين فاز بالرئاسة، وسئل عن هذا التوجه، فكانت إجابته إنني لا أتراجع عما سبق أن قلته.
ولعل الفارق في ردود الفعل بين الفيتناميين وبين دول منطقتنا، أنهم عكفوا على دراسة كلام نيكسون وتحليله، من كافة الأبعاد المحيطة به داخليا ودوليا، واتخذوا إجراءات تجعل أمريكا تأخذهم في اعتبارها بجدية، ومن ثم تحتاج منطقتنا العربية للتعامل مع ما يقوله ترامب من هذه الزاوية، وذلك بامتلاك آلية سياسية للتعامل مع هذه القرارات، طالما أنها تتعارض مع المصالح العربية.
إن ما ينقص الموقف العربي، إزاء نمط إدارة السياسة الخارجية في فترة رئاسة ترامب – وهو أيضا ما لا بد منه في ولاية رؤساء غيره – هو الدخول، وفق خطط مدروسة جيدا، إلى الولايات المتحدة، من أبوابها المتعددة، فطبقا لقواعد عمل النظام السياسي الأمريكي، فإن الرئيس لا ينفرد وحده بقرار السياسة الخارجية، بل هناك شركاء آخرون، أولهم الكونجرس، ثم مجموعة قوى ضاغطة منها الرأي العام، والتي يمكن أن تشكل قوة توازن مواقف الرئيس، خاصة وأن الديمقراطيين يتمتعون الآن بالأغلبية في مجلس النواب، لكن بشرط أن تتكون لدى هذه الأطراف معرفة كاملة بالمواقف العربية، والالتزامات السياسية لرؤساء أمريكا السابقين والتي تعاملت معها دول المنطقة بثقة تامة، وأن توضع أمام أعينهم النتائج السلبية للتغيير الجاري في السياسة الأمريكية، على دول المنطقة وشعوبها، والتي تتركز فيها مصالح حيوية للولايات المتحدة.
ومن المهم ألا تكون تلك الرسائل بلغة غريبة على العقل الأمريكي، ثم إن ما سيطرحه العرب لن يكون خارجا على ما يجري داخل الولايات المتحدة الآن من اهتمام عكسه استطلاعات الرأي، والتي تؤكد أن النسبة الغالبة من الأمريكيين، ترى تناقضا في مواقف ترامب، وتدرك الشكوك من جانب الحلفاء والأصدقاء، في التزام أمريكا تجاههم.
المهم أيضا أن نصل إلى داخل الساحة الأمريكية مفتوحة الأبواب لمن يريد الدخول إليها، وأن نسمعهم وجهات نظرنا، سواء ما يعرفونه، أو ما يلزم أن يعرفوه.