نوافذ: لا تستوردوا المحن .. تذكروها

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

منذ الأعمار الباكرة لحياة كل إنسان على هذه الأرض، يعيش بين حالتي العسر واليسر، فمرة يسر، ومرة عسر، ولعل حالات اليسر أكثر من حالات العسر، وفق ما نعيشه، وما نلمسه من نعم كثيرة، قد نتغافلها ونحن في زحمة حياتنا اليومية، فلا نفيق إلا مع وقع المحنة، أو المصيبة، وهذه بحد ذاتها مصيبة، لأن المحنة أو المصيبة هي ما يعيدنا إلى مربعنا الأول للنعمة، وما أكثر النعم التي نكون عليها، ونعيش تحت ظلالها الوارفة، لكنما هذا اللهو المبالغ فيه هو الذي ينسينا كثرة هذه النعم ولذلك عندما نصطدم بواقع محنة ما عندها فقط نستفيق من هذه الغفلة العارمة التي تجتاح معظم حياتنا اليومية.
وهل نستورد المحن؟ أقول نعم؛ واستيرادها هنا هو حالات المغالبة بين الخير والشر، فجميعنا- بلا استثناء- يعي أن فعلا ما خيّر، وفعلا ما شرٌ، ونعي تماما أن هذا شر، ولكن مع ذلك نجازف بممارسته، ونحجب أنفسنا – أحيانا- عن ممارسة فعلٍ خيّرٍ، ولعل في ذلك انعكاس لطبيعة الضعف التي يوسم بها الإنسان عموما، إلا أنه ما يعاب عليه، أنه في أحايين كثيرة، يعرف أن هذا الفعل شرٌ، فيمارسه، ويؤجل نتائج هذه الممارسة إلى حين؛ ليستعذب سرور اللحظة التي يكون فيها، ويقول في قرارة نفسه: إن الأيام كفيلة بإصلاح ما أفسدت.
وقصة المغالبة بين الخير والشر، هي قصة إنسان بلا جدال، فالكائنات الحية عندما تمارس فعلا ما نقيّمُه نحن البشر على أنه خير، أو أنه شر، فإن هذه الكائنات تمارسه من وحي الغريزة الحيوانية التي تعيشها، وليس كما هو الحال عند البشر، عندما نتعمد الفعل السيئ؛ ونعلم أنه سيئ، أو الفعل الخيّر؛ ونعلم أنه خيّر؛ لأن الفساد مجبول بالفطرة الإنسانية (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون) – الآية (3) من سورة البقرة -.
والمحنة -كما هو معلوم- ثقيلة على النفس، فالموت محنة عظيمة على الفرد، وليس هناك من يستورد الموت، ولكن يجازف بعضهم في المبالغة في السلوك السيئ فيورد نفسه مورد الموت، والفقر محنة، وهناك أغنياء أصبحوا في عداد الفقراء، والجهل محنة، وهناك من أوتي من العلم الكثير، ولكن بممارساته السيئة يصنف ضمن الجهال، والمرض محنة، وهناك أصحاء أوردوا أنفسهم موارد الهلاك، فأصيبوا بأمراض خبيثة، وقس على ذلك أمثلة كثيرة، تتحقق فيها حالتي التضاد بين الخير والشر، وأوتي الإنسان؛ بفعل العقل؛ الفرص الكثيرة للنأي بنفسه عن موارد المحن والهلاك، ولكنه بسوء تصرفه، وبشططه، وبضعفه، ونزقه، استورد المحن على نفسه، بدلا من تنمية النعم، أو المحافظة عليها؛ على أقل تقدير، فكانت النتيجة وبالا مستمرا قد يورده الهلاك حتى النهاية، وما أقسا النهاية عندما تختتم بمحنة، تسبب فيها الإنسان بنفسه.
الإنسان مخلوق ضعيف (وخلق الإنسان ضعيفا) سواء أمام النساء، أو أمام المال، أو أمام الجاه، أو أمام اليأس، فمقاربة معنى الآية هنا بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وإلا من هذا العاقل الذي يسلك طريق الهلاك، ويترك طريق النجاة، مع أن طرق النجاة كثيرة، فإذا كانت السرقة طريقة لجلب المال -على سبيل المثال- وهي محنة أو مصيبة؛ لأن تبعاتها تؤدي إلى الهلاك، فإن العمل بمجالات الكثيرة طريق منج وآمن نحو الحصول على المال، وقس على ذلك أمثلة كثيرة في الحياة.
ختاما علينا أن نتذكر المحن والمصائب، لأن في تذكرها توعية معنوية دون أن نحتاج سماعها من الآخر، فما نراه من وقع المحن على الآخرين، يكفي للدلالة على أثرها وتأثيرها، وكما قال أبو العلاء المعري: «حزن في ساعة الموت: آلاف سرور في ساعة الميلاد».