سباق التسلح الجديد بين الشركات الأمريكية وأموال الحكومة الصينية

براندون كيرك ويليامز– واشنطن بوست –
ترجمة- قاسم مكي –

في أوائل أكتوبر أعادت إدارة ترامب رسميا هيكلة مساعداتها التنموية لمنافسة برنامج العون الصيني واسع النطاق الذي يسعى لإيجاد نظام عالمي جديد للتجارة.
كانت هذه المناورة جزءا من رد الإدارة الأمريكية على مبادرة الحزام والطريق الصينية التي سيتم بمقتضاها إنفاق حوالي تريليون دولار على مشروعات تنموية في آسيا وإفريقيا؛ بهدف تعزيز نفوذ الصين الإقليمي والعالمي بالاستثمار في بلدان أجنبية.
ينطوي رد الولايات المتحدة على مبادرة الحزام، اتساقا مع فلسفتها الرأسمالية، على تمكين القطاع الخاص بطرائق جديدة، وترى أن مثل هذه الطرائق وسيلة حاسمة في أهميتها للمنافسة مع الصين؛ لذلك فهي تدعم الأمن القومي.

تحمل المناورة الأمريكية الأكثر طموحا التي وقَّع الرئيس ترامب على مشروع قانونها في 5 أكتوبر اسما حميدا هو مؤسسة تمويل التنمية الدولية (م ت ت د). وهي محاولة للتأكيد على القوة الناعمة من خلال تمويل وضمان استثمارات الشركات الأمريكية في العالم النامي.
تمثل ( م ت ت د) أحدث حلقة في سلسلة من البرامج الحكومية التي ضخ فيها الحيوية الاعتقادُ بأن المعونة التنموية عبر المؤسسات الخاصة تجعل الولايات المتحدة أقوى وأكثر أمانا وأفضل تموضعا للفوز في حقبة تتنافس فيها القوى العظمى.
كانت «معونةُ التنمية» الركيزةَ الأساسية للتنافس في فترة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. لقد أدمجها الرئيس هاري ترومان في سياسة الأمن القومي في بداية الحرب الباردة من خلال خطة مارشال وبرنامج النقطة الرابعة.
تمثلت الفكرة وراء معونة التنمية في أن المجتمعات الآمنة والمزدهرة ستكون لديها في الغالب حكومات ديموقراطية مما يجعلها (أي المعونة) أداة حيوية وإن كانت مكلفة في جهود الولايات المتحدة لإفشال الشيوعية. لكن حرب فيتنام استوجبت، إلى جانب أزمة ميزان المدفوعات في أواخر الستينات، إعادة النظر في المعونة مع رفض الشعب الأمريكي استخدام أموال دافع الضرائب في المساعدات التنموية. وحذر هنري كيسنجر الرئيس ريتشارد نيكسون في مارس 1969 من أن «برنامج المعونة الأمريكي في أزمة كبرى». عَزَمَ نيكسون وكيسنجر على المحافظة على العون وطمأنة العالم بأن الولايات المتحدة مَعْنِيَّة بمستقبل العالم النامي. وتوصّلا إلى أن مؤسسة الاستثمار الخاص لما وراء البحار (م إ خ و ب) هي الحل المثالي.أنشأت إدارة نيكسون (م إ خ و ب) لتشجيع الاستثمار الخاص في الخارج؛ بحيث يسدُّ رأس المال التجاري الفجوة الناتجة عن تدني المعونة الحكومية. تعهدت (م إ خ و ب) بالتأمين ضد المخاطر السياسية وضمان القروض المقدمة للشركات الأمريكية التي كانت تخشى وقتها من تهديد المصادرة في العالم الثالث. نجحت الفكرة. فقد أنقذت (م إ خ و ب) شركة أناكوندا لتعدين النحاس بعدما أمم الرئيس سلفادور آليندي صناعة النحاس الشيلية، ونتج عن ذلك مصادرة مناجم الشركة. أما بالنسبة لنيكسون والرؤساء الذين أعقبوه فقد حافظت (م إ خ و ب)على تدفق العون ونشرت النموذج الأمريكي للرأسمالية. هللت غرفة التجارة الأمريكية والجمعية الوطنية للصناعيين لخدمات (م إ خ و ب) في التأمين ضد المخاطر السياسية والقروض وضمانات القروض التي أنعشت الاستثمار الخارجي للشركات الأمريكية، وعلى الرغم من جذورها الجمهورية، سارع المحافظون في السنوات الأخيرة إلى انتقاد (م إ خ و ب) بوصفها مؤسسة «دعم ورفاهية للشركات». وهاجمت مؤسسة هيرتيدج، وكذلك معهد كاتو تمويلها لمجموعة من الاستثمارات المشبوهة بما في ذلك تقديمها قروضا لافتتاح متاجر مطاعم بيتزا «بابا جونز» في روسيا. لكن المشرعين ظلوا يجددون تفويض (م إخ و ب) لسببين.
أولهما أن الشركات ضغطت من أجل بقائها، وثانيهما أنها حققت بانتظام ربحا لم تترتب عليه أية تكلفة لدافعي الضرائب. ففي عام 2017 مثلا دفعت (م إ خ و ب) 262 مليون دولار لتقليص عجز الموازنة الفدرالية. وسيبلغ حجم مساهمتها الإجمالية في خفض العجز 6 بلايين دولار تقريبا حينما ستصبح جزءا من مؤسسة تمويل التنمية الدولية (م ت ت د). ترتكز المؤسستان على فكرة بسيطة هي أن العلاقات التي تؤسس من المعونة ستتطور إلى علاقات تجارية مستدامة، ولن يخسر دافعوا الضرائب سنتا واحدا مقابل ذلك. استفاد مهندسو (م ت ت د) من إنجازات (م إ خ و ب) ورأوا في القطاع الخاص أفضل وسيلة لإيصال العون التنموي وتحقيق النمو الاقتصادي بإنشاء اقتصادات سوق. ستوسع (م ت ت د) من نشاطها بحيث يفوق نطاق اختصاص ( م إ خ و ب) وستستجيب للتحولات التي تحدث في أولويات الأمن الوطني. ولا تترك لغتها التشريعية مجالا للشك حول نواياها المتمثلة في «تقديم بديل متين للاستثمارات الموجهة من قِبَل الحكومات السلطوية» مثل حكومة الصين.
لقد افتقرت (م إ خ و ب) إلى مبرر شبيه لدورها. وتشير فكرة (م ت ت د) إلى الكيفية التي تخطط بها واشنطن لاستخدام القوة الناعمة في مواجهة سخاء الصين القائم أساسا على الدولة في دعم البلدان الأخرى. رعى عضو مجلس النواب الجمهوري عن ولاية فلوريدا بجانب تحالف مصالح متنوعة إنشاء (م ت ت د) لتعزيز الميزة التنافسية للولايات المتحدة ضد الصين، وخصص لها الكونجرس مبلغ 60 بليون دولار، وهو أكثر من ضعف ميزانية (م إ خ و ب) في سنتها المالية الختامية. ستشارك (م ت ت د) مؤسسة (م إ خ و ب) في بعض وظائفها الأساسية لتحفيز الاستثمار مثل تأمين المشروعات ضد المخاطر السياسية وتقديم قروض وضمانات قروض. لكن (م ت ت د) ستفعل أشياء أخرى مختلفة مع تفويضها بتملك حصة في رأس المال المُستثَمَر واستخدام العملات المحلية للتلطيف من مخاطر المستثمرين. تجعل إضافة هاتين المهمتين (م ت ت د) أكثر ملاءمة لتوسيع مجال عملها بما يتجاوز كثيرا القيود التي تحدِّد نشاط (م إ خ و ب). بكلمات أخرى، لقد تم تجهيز (م ت ت د) لمنافسة مبادرة الحزام الصينية في أجواء سياسية واقتصادية واجتماعية أكثر تحديا. وتحاول الولايات المتحدة إقناع واضعي السياسات في العالم النامي بالوقوف إلى جانب النظام العالمي الأمريكي.
ليس في مقدور(م ت ت د) منافسة «السيول النقدية المتدفقة» من أموال مبادرة الحزام لتمويل مصفوفة من مشروعات تطوير البنية التحتية والطاقة والتقنية. لكن مبادرة الحزام ليست خالية من العيوب. فالأدلة على «دبلوماسية مصيدة الديون» في سريلانكا التي نتج عنها إيجار ميناء هامبانتوتا الاستراتيجي للصين لمدة 99 عاما وإلغاء ماليزيا في أغسطس هذا العام مشروعات ذات صلة بمبادرة الحزام تمثل منفذا لولوج (م ت ت د) إلى الساحة، ويمكن للولايات المتحدة القول: إنها، بعكس الصين، لا تتطلع إلى إثقال كاهل البلدان بالديون التي تستلزم التنازل عن السيادة. بذلك سيكون بمقدور الولايات المتحدة تحقيق طموحها في «الانتقال بالبلدان من (الحاجة إلى) المعونة الأمريكية إلى التجارة (مع الولايات المتحدة)»، حسب عبارة عضو الكونجرس يوهو. ويجب تمكين المؤسسات الحكومية مثل بنك الصادرات والواردات بدلا عن تهميشها بواسطة إدارة ترامب حتى يتحقق هذا الانتقال من العون إلى التجارة.
يصطدم النظامان الاقتصاديان المتنافسان (الولايات المتحدة والصين) حول سياسة التنمية ودور الدولة في السيطرة على الاقتصاد. وتشكل التنمية مرة أخرى ملمحا أساسيا للتنافس بين القوى العظمى. أما (م ت ت د) فهي واحدة من أفضل محاولات الولايات المتحدة منافسة ميزة الانطلاقة المبكرة للصين في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ويمكن أيضا أن تروج (م ت ت د) لفكرة أن الولايات المتحدة لا تزال مهتمة بمستقبل البلدان النامية وأوضاع الفقر في العالم على الرغم من نداء «أمريكا أولا».