أين الفروق بين اليمين واليسار في أمريكا؟

عاطف الغمرى –
كثيرا ما تترك المصطلحات السياسية الأمريكية، حيرة لدى المتلقي لها، خاصة إذا كان يقرأها على ضوء خلفية ثقافية، أكان متابعا لها أو مهتما بها، وهي المنتمية إلى دول أوروبية، وتعد جزءا أساسيا من العالم الذي يعرف باسم “الغرب” بمعانيه الواسعة، والذي يجمع الدول الواقعة على جانبي الأطلنطي.

من بين هذه المصطلحات، مفهوم اليسار، الذي تختلف معانيه في الحياة السياسية في الولايات المتحدة. وبصفة عامة فإن مفهوم اليمين واليسار، يعبر عن المواقف الأساسية، والأيديولوجية، والحزبية، وبينما نشأ هذان المصطلحان أصلا في فرنسا أثناء الثورة الفرنسية في أعوام (1789 – 1799)، فإن اليسار كان يعبر عما يسمى حزب الحركة السياسية أو الاجتماعية، بينما اليمين هو حزب النظام The Party OF Order. وعادة ما تتبنى السياسات اليسارية، المساواة الاجتماعية، والإنسانية بين الناس. كما يشير اليسار أيضا إلى اتجاه راديكالي، أو إصلاحي، أو اجتماعي في إطار حزب سياسي.
ولقد تطورت هذه المصطلحات زمنيا، وتداخل بعضها في البعض أحيانا، إلى أن عرفت الألفية الثالثة، إعادة نظر في الصياغات التقليدية لتتطور مع العصر، وجرت حولها مناقشات في منتديات الفكر السياسي، وأيضا ما ظهر في بعض دول أوروبا مؤخرا من تحول نحو اليمين الراديكالي.
وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن الحزب الديمقراطي عامة يعتبر حزب اليسار، بينما الحزب الجمهوري هو حزب اليمين. وإن كان هذا لا يمنع من وجود تداخل أساسي بين الأفكار والسياسات الفعلية للحزبين. مع ملاحظة أن المفاهيم الأمريكية التقليدية، وموروثات النظام السياسي للدولة منذ تأسيسها، يمكن أن يضع الحزب الديمقراطي تحت مسمى الحزب المحافظ.
وينطبق تعبير اليسار على ما يمكن تسميتهم بالليبراليين أو الديمقراطيين، وإن كان هذا الوصف لا ينطبق عليهم جميعا، فبعض الديمقراطيين ينتمون إلى اليمين.
وكثير من الديمقراطيين الذين يسمون أنفسهم يساريين، يقفون في الوسط بين المفهومين، ومنهم قيادات ديمقراطية بارزة. وهو تصنيف يعود إلى فلسفتهم القائمة على أن الحكومة ضرورية لكن لابد أن تكون لها حدود.
ويجمع بين اليسار واليمين، مراعاة تقاليد التراث الذي لا يميل إلى التغيير، وأن المساواة يجب حمايتها، لكن بشرط ألا تتعارض مع مفهوم الأمة القائم على التحيز إلى القوى والثرى، الذي يعبر عن أمريكا القوية، والحرص على التفوق، وهو المعنى الذي يساوى الهيمنة، وإن اختلفت وسائل الوصول إليها بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
ويقف على اليمين، من يعرفون بالمحافظين، وهم عادة من الجمهوريين، والذين يعارضون الحكومة واسعة النشاط Big Government ، ولا يؤيدون تقييد حركة المشروعات الخاصة، وليسوا متحمسين للبرامج الاجتماعية، كما يفضلون بقاء الضرائب عند مستويات منخفضة خاصة على الأثرياء. وهم يقولون عادة إنهم يؤيدون الحقوق المدنية، لكنهم لا يسعون لإصلاحات في مجال الحقوق المدنية.
وفي بعض التعريفات فإن اليسار الأمريكي، يضم أيضا كمَّا متنوعا من الأفراد والجماعات التي تسعى لتغييرات أساسية في المؤسسات الاقتصادية، والسياسية، والثقافية، في أمريكا.
وبالنظر إلى السياسة الخارجية، فإن التناغم يظهر واضحا بين الاثنين، وكان قد ظهر منذ الأيام الأولى للحرب الباردة، التزام توافقي بين صناع السياسة الخارجية، تجاه الهيمنة في العالم، وتضخيم القوى العسكرية، لكن من لم يلتزموا بهذا التوافق، فقد تم إبعادهم عن العمل بوزارتي الخارجية والدفاع، والأجهزة الحكومية الأخرى.
وساعد على دعم هذا التناغم، أن الجمهوريين عامة، وقطاعا من الديمقراطيين، لديهم مراكز للفكر السياسي Think Tanks، التي تدفع أفكارهم في اتجاه سياسات التدخل في شؤون الدول الأخرى، وكثير من هذه المراكز تتلقى تمويلا من المليارديرات فائقي الثراء، لتعزيز أفكارهم.
ويمكن أن نلاحظ أن المدرستين الرئيسيتين للسياسة الخارجية في أمريكا، وهما المدرسة المثالية التي ينتمي إليها المحافظون الجدد، وآخرون، والمدرسة الواقعية التي تضم شخصيات معتدلة، من ديمقراطيين مع بعض الجمهوريين، فإن كليهما تؤمن بالسيادة الأمريكية على العالم، لكن مع اختلاف في الوسائل. فالأولى ترى فرض السيادة ولو اقتضى الأمر استخدام القوة العسكرية، بينما الثانية تؤمن بفرضها، لكن بوسائل الإغراء، وتأثير القوى الناعمة، وإمكان أن تكون السيادة بمشاركة آخرين، يدخلون معها في تحالفات وصداقات، ومصالح تخدم الأمن القومي الأمريكي.
مع ذلك فإن النظامين يأخذ من بعضهما، الأفكار التي تناسب الوضع الداخلي، وتطورات العصر، مثل تدخل الدولة أحيانا لتحقيق التوازن الاجتماعي، وضبط الانفلات في اقتصاد السوق، وإن كان ذلك يتم بشكل محدود، وليس على الإطلاق.