تواصل: استشارة وعيها يثرثر !

تونس المحروقية –
hlaa202020 @ –

مشهد أول:
من سريرها الذي يظهر خلفها تفاصيل غارقةً في الفخامة تطل على متابعيها في سناب شات لتتحدث عن سر رشاقتها، تقول إنها قامت بعملية لمعدتها من تلك العمليات التي اشتهرت مؤخرًا لتقليص حجم المعدة ببتر مساحة من حجمها الأصلي، وأن ثمن العملية ليس مرتفعًا مثلما قد يعتقد الكثير من الناس، وأنه لا آثار جانبية لها مثلما يدعي البعض فهي بصحة جيدة، ثم تتطرق للحديث عن العديد من المراكز الطبية التي تقوم بهذه العملية ببساطة واحترافية عالية في دولتها، هي لا تنسى أيضًا في استرسالها ذلك مع جمهورها أن تذكر المستشفى الذي قامت فيه بتلك العملية، تقول: (الآن مهما تناولت من طعام لا أشعر بالقلق، الممتلئات وزنًا أنصحكن بهذه العملية) تقول كلماتها البسيطة تلك ثم لا تهدأ الكثير من المنازل بسبب إلحاح الكثير من الزوجات والفتيات وربما حتى الفتيان بإجراء عمليات مماثلة، وكأن أجزاء الجسم الداخلية التي تستأصل أو تبتر لا ينبغي التفكير طويلا فيها حتى لو كان ذلك فقط من أجل حلم الرشاقة الذي نكسل من الوصول له بالطرق الصحية !
مشهد ثانٍ:
تقول ردًا على سؤال من جمهورها في (انستجرام) عن سبب تغير شكل أنفها بشكل مستمر خلال السنوات الخمسة الماضية: (لقد تقدم العلم الآن، إذ إن إبرة واحدة في الأنف قد تغير شكل أنفك في دقائق، وهذا المفعول يستمر لفترة معينة ثم إن شعرت بالملل يمكنك تعديل ذلك بإبرة غيرها، لم نعد ملزمين بأن نحتفظ بأشكالنا لفترة طويلة وهذا يسري على أشياء كثيرة في الوجه والجسم كذلك) تقول ذلك ثم تخبر متابعيها سرًا عنها: (أصبح وجودي في عيادات التجميل جزءًا مهمًا من حياتي، لدرجة أنني عندما لا أجد ما أفعله أذهب للعيادة وأترك للأخصائية مهمة أن تضع ما تراه مناسبًا لنضارتي وجمالي)!
مشهد ثالث:
بعد أن تفرغ مساءً من عملها في الإعلان لهذا المطعم وذلك المركز وتلك العيادة وذلك المحل تعود لتتقمص دور الحكيم الذي خَبَر الحياة وأصبح لديه من التجارب ما يسمح له بالنصح والإرشاد والتوجيه، تقول وهي ابنة الخامسة والعشرين عامًا: (أنصحكن يا فتيات بعدم الزواج، فهو يحد من طموحاتكن ويجعلكن مجرد تابعات) تقول كل فترة عبارات مماثلة عن هذا الأمر وتصر على رأيها، ويتأثر بها من يتأثر، ثم عند أول رجل تراه مشروع زوج مناسب تهرع للموافقة عليه والارتباط به، غافلة عن كل تصريحاتها التي قالتها عن الزواج والتي قد يكون هنالك من ما زال متأثرًا بها !!
جاءت وسائل التواصل الاجتماعي كأحد أهم أشكال الإعلام الجديد، الذي أحدث طفرة ليس في مجال الاتصال بين الأفراد والجماعات فقط بل في تأثير ذلك الاتصال؛ فقد منحت مستخدميها إمكانية القيام بإعداد المحتوى الذي يناسبهم بأنفسهم إضافة إلى ميزة متابعة محتوى من يتوافق وتفكيرهم أو حتى يتعارض معه وأن يؤثروا ويتأثروا بكل ذلك المحتوى وشخوصه ومع كل هذه المزايا التي منحتها تلك المنصات ظهرت العديد من الحسابات التي استفادت من تأثيرها في بث كل ما تريده سواءً كان ذلك المحتوى ذا مضامين جيدة أو حتى من ذلك النوع الذي لا يعكس وعيًا حقيقيًا بتأثير تلك الرسائل التي ينشرونها في حساباتهم فتتابعها الأجيال الأصغر سنًا وربما حتى التي يبدو عليها النضج والتي قد تميل للتأثر بالحسابات ذات المتابعة العالية، كما قد تميل لمحاولة التقليد حتى لو كان على حساب صحتها وقرارات مصيرية تتخذها في حياتها.
إرشادات ونصائح واستشارات تقدم بالجملة في حساب العديد ممن يتعاملون مع وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة لكسب المعيشة، فهم ربما لا عمل حقيقي لديهم قبلها وكل ما يظهر عليهم من ثراء هو بسبب شهرتهم في تلك المنصات، وما يجلبه ذلك من إعلانات تنهمر عليهم كمطر، وربما تلك الشهرة الحديثة العهد وغير المبنية على نجاحات واقعية جعلتهم يستشعرون أنها تقترن بأهميتهم التي بدورها تمنحهم شعورًا بالمعرفة المطلقة فساعة هم أخصائيون اجتماعيون وساعة محللون اقتصاديون وأحيانًا خبراء تجميل ونضارة بشرة، وقد ينظرون في السياسة عندما يصلون للإحساس الأعلى بالفهم المطلق، وهم في كل تلك الأدوار التي يعيشونها يجدون في أنفسهم رغبة لأن ينصحوا المتابعين، وكأن النصح هو سمة المشهورين في وسائل التواصل الاجتماعي وتحديدًا ممن يفعلون خدمة البث المباشر لحديثهم اليومي مع متابعيهم .
أصحاب تلك الحسابات يقولون إنهم لا يجبرون أحدًا على تبني هذه النصائح والإرشادات التي يقدمونها في مختلف المجالات لكنهم ينسون أن لديهم متابعين يتأثرون بما يقولون ويتبعونهم دون تفكير لذلك فإحساسهم بمسؤولية الكلمة التي يقولونها مهم جدًا؛ لأن شهرة صاحب الحساب تفرض عليه استشعار تلك المسؤولية.
إن أصحاب مثل تلك الحسابات غالبًا ليس لديهم خبرة حياتية كافية تؤهلهم للنصح فهم غالبًا لم يواجهوا من صعوبات الحياة ما يمكن أن يبني تلك المعرفة أو الخبرة، لذا غالبًا ما يقولونه نتاج شعور آني من موقف قريب أو من سماع قصص الآخرين، لكنك مع ذلك عندما تدخل لمشاهدة تلك الحسابات التي تقدم عرضًا يوميًا مباشرًا لحياتها قد يمتد لساعات تستمع لكلام غير مترابط ونصائح لا حصر لها واستشارات مجانية لم يطلبها أحد ظاهرها مغلف بحكمة وباطنها وعي ناقص الأهلية يثرثر كيفما اتفق!