قمة شرم الشيخ مالها وما عليها

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –

القمه العربية- الأوروبية الأولى والتي عقدت مؤخرا في مدينة شرم الشيخ المصرية خرجت بنتائج وتوصيات تهدف إلى تعزيز الشراكة بين الجانبين خاصة على صعيد تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط ومكافحة الإرهاب وتسوية الصراعات وقضايا السلام، خصوصا إيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية ومواجهة تحديات الهجرة الغير مشروعة عبر البحر المتوسط وعدد من القضايا التي كانت علي محل نقاش بين القيادات العربية والأوروبية.
والسؤال المهم هل القمة استطاعت اختراق عدد من الملفات الأساسية في المنطقة أم أن تلك التوصيات سوف تبقى مجرد تمنيات وتصورات انتهت بنهاية القمه نفسها؟
ومن هنا فإن عددا من المراقبين يرون أن القمة شهدت اختلافات واضحة في عدد من الرؤى خاصة حول حقوق الإنسان ومعالجة الصراعات في المنطقة والتوجهات في عدد من القضايا الحيوية، ورغم ذلك فإن مجرد عقد القمة بين الجانبين العربي والأوروبي قد يؤسس لشراكة أعمق في المرحلة القادمة في ظل المصالح المشتركة بين العرب والأوروبيين على ضفتي المتوسط والخليج.

إلى أين المسار؟

خرجت قمة شرم الشيخ بمجموعة من التوصيات تركزت علي أهمية الشراكة الاقتصادية وأهمية التعاون لإرساء الأمن وتسوية النزاعات ومواجهة تحديات الهجرة غير الشرعية وقضايا اللاجئين ومسألة الاحتباس الحراري، ولعل موضوع السلام في الشرق الأوسط كان أحد أهم القضايا المطروحة في المؤتمر على اعتبار ان إحلال السلام في المنطقة سوف يقود إلى اختفاء الصراعات وظاهرة الإرهاب والكراهية بين الشعوب، ومن هنا كررت القمة الموقف الأوروبي بإيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية على أساس القرارات الشرعية وإقامة الدولة الفلسطينية علي حدود الرابع من يونيو عام 1967 واعتبار مدينة القدس مدينه فلسطينية محتلة وكذلك عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.
وكان هناك تطابق في المواقف بين العرب والأوروبيين حول الموضوع الفلسطيني وهو امر معروف ورغم ذلك فإن مسار السلام يبقي معطلا في ظل الموقف الأمريكي المنحاز لإسرائيل، كما أن أوروبا وخاصة دول الاتحاد الأوروبي ذات تأثير محدود على صعيد عملية السلام على اعتبار ان الولايات المتحدة وعلي مدى سنوات طويلة تتحكم في هذا الملف، ومن هنا فان مسار عملية السلام والمتوقفة حاليا تمضي في طريق مجهول من خلال ترتيبات أمريكية تروج لها الإدارة الأمريكية من خلال جولات مستشار الرئيس الأمريكي ترامب جاريد كوشنر.
وعلى ضوء قمة شرم الشيخ فان الموضوعات التي يمكن ان يتحقق فيها اختراق حقيقي هي موضوع الهجرة وظاهرة الإرهاب خاصة في دول الساحل وجنوب الصحراء في إفريقيا وموضوع داعش الذي يقترب من الانتهاء في سوريا والعراق وهناك الوضع المتوتر في سيناء.

الشراكة الاقتصادية

هناك علاقات اقتصادية تقليدية بين العرب وأوروبا منذ سنوات ما بعد الاستقلال وانسحاب قوى الاستعمار الغربي من المنطقة العربية سواء من خلال حروب التحرير أو من خلال اتفاقيات سياسية، ومن هنا فان المصالح العربية-الأوروبية كبيرة خلال العقود الخمسة الأخيرة خاصة في مجال استكشاف النفط والغاز وفي مجال التجارة والاستثمار والتكنولوجيا لاسيما ان أوروبا جغرافيا هي اقرب إلى العالم العربي واكثر تفهما لطبيعة المنطقة وشعوبها، وهناك تاريخ طويل من المواجهة والتوافق ومن هنا فان تجديد الشراكة الاقتصادية من خلال القمة المشتركة تعد علي جانب كبير من الأهمية خاصة في مجال نقل التكنولوجيا وتطوير التعليم والاستثمارات ونقل الخبرات الغربية إلى الجانب العربي في عدد من المجالات الحيوية التي تخدم التنمية المستدامة في المجتمعات العربية.
التبادل التجاري بين الجانبين كبير كما ان الاستثمار العربي في أوروبا يتزايد بشكل كبير خاصة من قبل دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، كما ان التبادل التعليمي والبعثات بين أوروبا والعالم العربي يسجل نموا كبيرا في السنوات الأخيرة علاوة علي الزيارات المتبادلة في مجالات عديدة، ومن هنا فإن جانب الشراكة الاقتصادية يمكن أن يتحقق من خلاله الكثير من التطوير ومناقشة المعوقات وإيجاد فهم مشترك لحل تلك المشكلات.
أوروبا التي تعد أكثر فهما للمجتمعات العربية مرشحة ان تكون الأكثر شراكة مع الجانب العربي في السنوات القادمة من خلال تعزيز العلاقات الاقتصادية ونقل التكنولوجيا وتعزير منظومة التعليم وإيجاد حلول حقيقية للأزمات الحالية ورغم أن التأثير الأوروبي محدود علي صعيد الأوضاع في الشرق الأوسط مقارنة بالتأثير الأمريكي، إلا ان أوروبا يبقى لها دور اقتصادي مهم في ظل منظومة الاتحاد الأوروبي كما ان المنظمات الحقوقية تلعب دورا مهما لتعرية الانتهاكات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني وهذا أمر مهم لابد من استثماره عربيا.
وعلى ضوء مقررات قمة شرم الشيخ فقد كان هناك تركيز على أهمية الشراكة الاقتصادية بين الجانبين العربي والأوروبي في ظل تنامي تلك الشراكة خلال السنوات الأخيرة، كما ان موضوع الطاقة يعد من الموضوعات الأساسية التي تلعب دورا حيويا في التنمية من خلال الطاقة التقليدية وهي النفط والغاز او الطاقة المتجددة من الرياح والشمس وغيرها من البدائل الجديدة والتي بدأ عدد من الدول العربية في استخدامها ومن خلال خبرات أوروبية.
كما ان نقل التكنولوجيا والابتكار الصناعي والثورة الصناعية الرابعة هي قضايا يمكن أن يستفيد منها العالم العربي من خلال الشراكة مع أوروبا، خاصة دول متقدمة كبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا وبلجيكا وعدد من الدول الاسكندنافية مثل السويد والدنمارك والنرويج وآيسلندا.

القضايا المعقدة

ظهر خلال الجلسات المفتوحة والمغلقة عدد من الاختلافات في الرؤى وهذا أمر طبيعي حيث إن التوجهات السياسية وحتى في مجال حقوق الإنسان ومعالجة الأزمات الإقليمية بها اجتهادات متباينة، فهناك طرح أوروبي تقليدي ينتقد فيه مجالات حقوق الإنسان في عدد من الدول العربية كما أن هناك ملاحظات أوروبية على موضوع الشفافية وقضايا الفساد وتطبيق الديمقراطية ومع ذلك فقد كان النقاش شفافا وطرحت الأطراف وجهات نظرها للوصول إلى تفاهمات محددة وهو هدف القمه الأولى فهناك العديد من المشتركات بين الجانبين العربي والأوروبي ولكن هناك تباينات في المواقف حول السلوك السياسي في عدد من المشكلات التي تمت الإشارة إلى بعضها.
ومن خلال القمة الأولى كان من المهم طرح كل القضايا على طاولة الحوار لأن ذلك يعد مقدمة أساسية لإيجاد قواسم مشتركة تفضي إلى الحل أو التوافق على الأقل.
ومن خلال البيان الختامي للقمة يتضح أن هناك على الأقل توافقات في المجالات السياسية وخاصة القضية الفلسطينية وموضوع الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط وأيضا موضوع اللاجئين خاصة السوريين والفلسطينيين وأيضا ضرورة دعم منظمة الأنروا ومواصلة التنسيق في مجالات المعلومات الاستخباراتية حول موضوع الإرهاب.
وسوف تبقي هناك قضايا معلقة بين الجانبين خاصة حول جوانب تشمل حقوق الإنسان والديمقراطية وسقف حرية التعبير والمشاركة السياسية وغيرها من الموضوعات التي تعد مدار بحث في جنيف وغيرها من العواصم الأوروبية، ومن هنا فان حدث القمة العربية- الأوروبية الأولى يعد حدثا مهما خاصة أن القمه الثانية سوف تعقد في عاصمة الاتحاد الأوروبي بروكسل عام 2022 وبالتالي فإن استمرارية القمة تعطي مؤشرا بأن العلاقات العربية- الأوروبية تدخل مرحلة مهمة من التنسيق والتعاون ومواجهة المشكلات العالقة بين الجانبين.
العلاقات العربية- الأوروبية هي علاقات تاريخية حيث يعود بعضها إلى عدة قرون وهذا بلا شك يساعد على الفهم المشترك وان الحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية هو المدخل الصحيح لإحلال السلام في المنطقة وإيجاد تعاون بين الشعوب وانتهاء ظاهرة الإرهاب والأزمات الإقليمية وهو الأمر الذي أكدت عليه القمة في بيانها الختامي.
إن القمة وبصرف النظر عن مجمل النتائج النهائية إلا أنها رسمت الطريق نحو تعاون عربي- أوروبي واعد في كل المجالات وهو مؤشر إيجابي وحتى الاختلافات بين الجانبين من المهم مناقشتها وتبادل وجهات النظر حولها وأن العرب لا ينبغي أن يتحسسوا من طرح قضايا حقوق الإنسان بل يتم دراسة الأمور بشكل شفاف وان يكون هناك دور اكبر للجان الوطنية لحقوق الإنسان في الدول العربية، حيث ان هذا الموضوع الإنساني أصبح يحظي بمتابعة إعلامية وسياسية على مستوى المنظمات الدولية وعلى صعيد المجتمع الإنساني وهناك رصد دقيق لأي انتهاكات تحدث ومن هنا فإن إيجاد قواسم مشتركة في إطار العلاقات العربية-الأوروبية سوف يساعد علي إيجاد منظومة علاقات متطورة بين العرب وأوروبا تقوم على الفهم المشترك والتعاون والشراكة في المجالات المختلفة ودعم سياسي أوروبي مهم لكل القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.