محركات النمو للمستقبل .. السفارات العمانية في الخارج 4

د. يوسف بن حمد البلوشي –
yousufhamad@yahoo.com –

يمر العمل الدبلوماسي عمومًا بمرحلة مهمة نتيجة للعولمة وثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. يتطلب هذا التطور بالضرورة التركيز على الجانب الاقتصادي، بما في ذلك جذب الاستثمار الأجنبي المباشر. وفتح أسواق جديدة لزيادة معدلات تصدير المنتجات الوطنية. وتوفير المعلومات عن المواصفات القياسية وكيفية التغلب على العقبات في الأسواق المستهدفة.
ولقد أضافت العولمة أبعادًا جديدة في التخطيط للتنمية الاقتصادية، ولا سيما حرية انتقال السلع والخدمات ورؤوس الأموال بين الدول، مما يتيح لها أن تقلل اعتمادها على مواردها المحلية، والاستفادة أيضًا من الموارد الطبيعية والبشرية المتاحة في مختلف دول العالم. ومع ذلك، فإن الفائدة المكتسبة تعتمد على مدى استعداد البلاد من حيث المؤسسات الحكومية والخاصة ذات الصلة. وتتضمن المهام الاقتصادية الرئيسية للسفارات العمانية بالخارج توفير التوجيه للمستثمرين الأجانب المحتملين، من خلال استعراض موجز لأداء الاقتصاد في السنوات الأخيرة، وتسليط الضوء على الرؤية الاقتصادية طويلة الأجل، والفرص والقطاعات الواعدة. وينبغي أيضًا أن تحلل التوازن التجاري في ضوء المزايا والحوافز. كما تعد الشركات الرسائل الإعلانية عبر وسائل الإعلام الرئيسية داخل البلدان التي تغطيها من أجل تشجيع الصحافة على إظهار الفرص الاستثمارية المختلفة في سلطنة عمان، بالإضافة إلى تنسيق الاجتماعات وإيجاد نقاط اتصال بين المسؤولين الحكوميين والمستثمرين المحتملين. ويتمثل أحد الأدوار الحيوية للسفارات في جمع المعلومات والبيانات عن الأسواق الموجودة في البلدان المستهدفة واستكشاف الفرص المتاحة في تلك المواقع. يجب أن تشمل هذه المعلومات ظروف العمل والمواصفات القياسية وكيفية التغلب على العقبات المحلية في تلك الأسواق. وبالإضافة إلى ذلك، يجب أن تسعى السفارات للتعرف على التجارب الناجحة التي يمكن أن تساعد على صياغة سياسات اقتصادية محلية أكثر فعالية، علاوة على دورها في تعزيز التبادل التجاري بهدف زيادة الصادرات من السلع التي يكون منشؤها السلطنة وخفض تكلفة الواردات، من خلال تحليل هيكل الواردات والصادرات بين البلدين، وإنشاء نقاط اتصال بين المصدرين والمستوردين المحتملين في عمان. ومن شأن الحضور الفاعل في المعارض التجارية والمؤتمرات الاقتصادية، فضلًا عن إيجاد اتصال مع غرف التجارة والصناعة ومجموعات الأعمال في تلك البلدان، أن يساعد على توليد الفرص لعُمان.

المؤسسات الرائدة

تُعرف المؤسسة من ناحية بأنها كيان مادي قائم أو هيكل إداري يعمل به رئيس ومجموعة من الأفراد المؤهلين لأداء عمل معين. أما الناحية الثانية فهي أن مصطلح المؤسسة (Institution/‏‏Enterprise) يمكن استخدامه للتعبير عن الأعمال في حد ذاتها، مثلما يقال، المؤسسة العسكرية، أو المؤسسة الاقتصادية أي مجموعة الخبراء والمستشارين المعنيين بالشؤون الاقتصادية والمالية، وهكذا. إن اختلاف مستوى التطور والنمو الاقتصادي بين الدول لا يمكن رده بالضرورة إلى مدى وفرة الموارد الطبيعية والإمكانيات المالية فحسب، بل في جودة إدارة المؤسسات بأنواعها: المؤسسات السياسية والمؤسسات الاقتصادية، والإدارية والتعليمية والقضائية، فهي تؤثر بصورة واضحة في الأداء الاقتصادي السائد في البلد.
لقد أصبح دور المؤسسات في التأثير على النمو والتنمية الاقتصادية أحد أكثر المجالات حيوية في مجال الاقتصاد. فالمؤسسات هي محركات المجتمع في إطار ضوابط محددة لشكل التفاعل البشري. ومن ثم، فإن المؤسسات قد تكون هي القيود الرسمية وغير الرسمية ، والسياسات الحكومية التي تنظم التفاعلات بين المتعاملين. وهنا، يرى البعض أن المؤسسات تؤثر على النمو الاقتصادي من خلال التأثير على حقوق الملكية، وهياكل الحوافز وتكاليف المعاملات. فالمجتمعات التي يشعر فيها المستثمرون بالأمان فيما يتعلق بحقوق الملكية، ومحدودية المخاطر القانونية والاقتصادية، تكون العقبات البيروقراطية فيها محدودة والوصول إلى أسواق العمل فيها يكون آمنًا، وبالتالي من المرجح أن تزدهر فيها الأعمال وتزيد الإنتاجية ويرتفع فيها مستوى دخل الفرد. أما المجتمعات التي يواجه فيها المستثمرون مخاطر عالية فيما يتعلق بمصادرة الملكية، ومحدودية اللجوء إلى القانون، والفساد الشديد أو المطالب البيروقراطية الخانقة، تجعلها أقل جذبًا لاستثمارات أصحاب المشروعات بسبب عدم اليقين وتعطيل نشاط السوق. وتشمل هذه التأثيرات أيضًا انخفاضًا في مستويات رأس المال البشري والمادي ونمو القوى العاملة وانخفاضًا في حجم التجارة والاستثمار الأجنبي. وهكذا نجد أن المؤسسات تعتبر أحد المحددات الرئيسية للنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، بل إن العديد من الاقتصاديين يعتقدون أن المؤسسات (السياسية على وجه الخصوص) هي أحد الشروط الأساسية المسبقة (Main Prerequisit) لنجاح التنمية الاقتصادية، مفترضين بذلك أنها تمارس أدواراً أكثر أهمية حتى من الجغرافيا والثقافة والانفتاح.
وهنا يشير أحد خبراء البنك الدولي إلى أن قائمة العلاج التي فشلت الدول النامية في الاستفادة منها تضم كلًّا من المساعدات الخارجية والاستثمار الأجنبي والتعليم وتنظيم الأسرة ومشروعات البنى الأساسية العملاقة والمساعدات المشروطة والإعفاء من الديون. هذه الأنشطة ليس لها تأثير على عملية التنمية الاقتصادية في حالة ما إذا لم تَفِ هذه الدول بالمتطلبات المؤسساتية الأساسية وهي : انعدام القيود السياسية على السلطة التنفيذية وحقوق الملكية وسيادة القانون والبيروقراطية الفعالة والشفافية الحكومية. وثمة رأي آخر يرى وجود علاقة سببية (ذات اتجاهين) بين مستوى التنمية والاختلافات المؤسساتية في الدول. وبمعنى آخر، أنه من الممكن أن يكون لدى الاقتصادات التي تحقق نموًّا سريعًا مؤسسات أفضل. أي أن النمو الاقتصادي يؤدي إلى وجود مؤسسات أفضل بسبب تراكم رأس المال البشري والاجتماعي. فكلما أصبح المجتمع غنيًّا تحسنت الفرص المؤسساتية. أي كلما أصبح الأفراد أغنياء طالبوا بالمزيد من المؤسسات العامة، والمزيد من الأمن وسيادة القانون والنظام. ولقد أجمعت الأدبيات التي تناولت هذا الموضوع على أن المؤسسات ذات أهمية بالغة فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي والتنمية، وأن الدولة والاقتصاد لا ينفصمان، حيث تنمو المؤسسات السياسية والاقتصادية معًا وبتفاعل بعضها مع بعض. كما أن النمو الاقتصادي المستدام يتطلب انفتاح الاقتصاد والدولة للمشاركة بدرجات متزايدة.
تختلف الدول من حيث نجاحها الاقتصادي بسبب مؤسساتها المختلفة، والقواعد التي تؤثر في كيفية عمل الاقتصاد والحوافز التي تحرك وتدفع الناس، هذه جميعًا في النهاية من نتاج السياسة. وثمة نوعان من المؤسسات الاقتصادية : الاستخلاصية /‏‏ الاستخراجية والجامعة /‏‏ الشاملة. ويتمثل هدف المؤسسات الاستخلاصية في ضمان ازدهار قلة من الأفراد على حساب الأغلبية. أما هدف المؤسسات الجامعة/‏‏ الشاملة فهو السماح لكل شخص بالمشاركة في الاقتصاد على أساس متساو. فالاستبداد والنظام الإقطاعي هما من المؤسسات الاستخلاصية، أما مؤسسات اقتصاد السوق القائم على حكم القانون فهي من المؤسسات الجامعة. وتتمثل السمات المميزة لها في الجمع بين التخطيط المركزي والتعددية. مما سبق يبدو أنه لا يمكن تحقيق الأهداف المنشودة إلا من خلال بناء وتطوير مؤسسات فعالة لإنجاح سياسات إدارة الانفتاح الاقتصادي. فعلى سبيل المثال، تطور المؤسسات القضائية يعزز استقلالية القضاء، الأمر الذي يؤدي إلى توفير خدمات تتناسب مع الحاجات الاقتصادية خاصة في مجال فصل المنازعات المالية والاستثمارية والتفكير في دعم المؤسسات التعليمية والارتقاء بها إلى المستوى المطلوب. وفي هذا السياق، تشير الأدبيات إلى أنه بعد أكثر من نصف قرن، أدى نمو كوريا الجنوبية وركود كوريا الشمالية إلى اتساع فجوة الدخل بين شطري دولة كانت موحدة. وعلى الرغم من تقاسم سكان الدولتين نفس الجغرافيا ونفس الثقافة والقيم الآسيوية إلا أن اختلاف المؤسسات -السياسية على وجه التحديد – الموجودة في الدولتين ساهم بدرجة ملحوظة في تباين الأداء الاقتصادي للكوريتين خلال العقود الستة الماضية. وتشير التجارب العالمية إلى أمثلة لتلك المؤسسات التي يمكنها أن تقود عملية النمو والتنمية في المجتمع، على سبيل المثال وزارة الصناعة في كوريا وبنك التنمية في سنغافورة وغيرهما.