نوافذ :«يحزنني أن ينساني الرفاق..»

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

أعجبتني هذه الجملة التي أعنون بها هذا المقال؛ التي جاءت على لسان من سوف أسرد لكم قصته هنا، مع قصة أخرى لا تقل إثارة وأهمية، وعلى الرغم من قسوة الواقع الذي ترويه القصتان، إلا أن الحقيقة الإنسانية هي نفسها منذ نشأتها الأولى، عندما اعترك ابنا آدم قابيل وهابيل، فقتل قابيل هابيل، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم لا تزال الإنسانية مشوهة الصورة، مرتبكة الحقيقة، مبتورة الأطراف، مرتهنة على القوة، ومنجذبة نحو خصوصية الذات وتموضعاتها المختلفة، وستظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولأجل ذلك تتناسل هذه القصص، ولن تتوقف، تدهشنا أحيانا لفظاعتها، وتؤلمنا كثيرا لأنها مسحوبة من أرصدتنا الإنسانية التي لا نزال نقتات عليها، وتزيدنا قناعة أكثر، بأن الإنسانية لا تزال تمارس غواياتها على أفرادها، على الرغم من حقائقها المرة والمتعبة.
لفت انتباهي خلال الأسبوع الماضي في الرسائل الـ «واتس أبية» التي تتوارد على شاشاتنا «كجلمود صخر حطه السيل من عل» كما قال امرؤ القيس نصين:
الأول؛ قصة حارس المرمى الذي نسيه زملاؤه. ونص قصته أنه: «في عام 1937م تم إلغاء مباراة في كرة القدم بالمملكة المتحدة بسبب انتشار ضباب كثيف بملعب المباراة، غادر الجميع أرض الملعب باستثناء حارس المرمى الذي لم يسمع صافرة حكم المباراة من صخب الجماهير، وظل يحرس مرماه متحفزا لأي تسديدة مباغته لمدة 15 دقيقة، قبل أن يأتي رجل الشرطة لإخباره بقرار الإلغاء، وعندها قال الحارس: يحزنني أن ينساني الرفاق وأنا أحرسهم، وقد ظننت أننا كنا نهاجم طول الوقت». أما الثاني؛ فقد نشرت صورة – وحسب النص – أنها جثة لـ «امرأة، وجدها ذووها مفارقة للحياة بعد شهر ونصف، نص الشرح المرفق مع الصورة يقول: «هذه الجثة التي في الصورة تعود لحاجة في إحدى الدول العربية، للأسف اكتشفوا بأنها فارقت الحياة في منزلها، وقد قدر الطبيب الشرعي أن وفاتها حصلت قبل أكثر من شهر ونصف، وهي تعيش وحيدة لم يسأل عنها جيرانها، ولم يفقدها أبناؤها منذ فترة، فتذكرتها ابنتها بعد شهر ونصف !!».
فالقصتان كلاهما تحملان «ثيمة» الفقد، والفقد من من؟ من أقرب الناس إليهما، حيث تناءت الأجساد والأرواح معا، ولم يبق إلا كل واحد يواجه مصيره، مع أي ظرف يواجهه، والحياة بعناوينها الكثيرة والكبيرة لا تخرج عن دائرة الفقد، وعن دائرة المصير المقرون بالفردية، ولا عليك من التسويق اللفظي لمجموعة التقاربات الاجتماعية التي يروج لها الناس، أخوة، صداقة، زمالة، رفقة، فهذه كلها مجسات لحظية، لا تلبث أن تزول مع أول خطوة نحو الفقد أو الهروب، وتعبير «مصيرنا واحد» ويقصد به المجموع هو نوع من الخرافة، يعزي بها الناس بعضهم بعضا.
هناك قيم تروج لها الجماعات لتبقى على تماسكها، وهذا يحدث في صورة المجموع وهي لا تخرج عن كونها عناوين عريضة و«كليشيهات» تفقد قيمتها الحقيقية مع أول محطة للنزعة الفردية، فالناس اعتادوا أن يرددوها هكذا دون وعي، ويستسهلون خفة حمولتها، أما لو أخضعت لميزان توظيفها على الواقع لكانت الحياة جنة الله في الأرض، وربما لحكمة يعلمها الله، أراد أن تكون حالة الناس وفق هذه الصيرورة التي يعيشونها، ويتعايشون معها.
ألم الفقد ثقيل على النفس، وكان الله في عون من يفقد قريبا، أو صديقا، أو صاحبا، أو زميلا، أو حتى أي شيء مادي، أو حيوانا، ولكن قبل أن يحل الألم لا بد للإنسان أن يروض نفسه؛ ترويضا روحيا؛ بأن هذا حال الحياة الدنيا، فلا علاقات سرمدية مع أي كائن من كان، هناك علاقات مؤقتة لتحقيق مصالح مؤقتة، ولا يجب أن ينظر إلى مجمل العلاقات إلا وفق هذه الرؤية، لا أكثر.