الديموغرافيا .. هذه الهالة السكانية المخيفة

أحمد بن سالم الفلاحي –
كاتب صحفي –

إن الحالة السكانية بكل حمولتها وثقلها، وما تفرزه من عوائد كبيرة، وما تصدم به الواقع من قضايا شائكة، فإنها تظل القلق الدائم لصاحب القرار، وتظل دائما حالة مستنفرة، ولا بد من مواجهتها بالتخطيط السليم، والرؤية الواعية التي تستشرف أفق المستقبل.
ينظر الى الحالة السكانية في أي بلد، بكثير من الترقب والحذر، وبكثير من الاهتمام المقرون بالدراسات والعلاقات التنظيمية المختلفة، ذلك أن الحالة السكانية هي المرتكز المهم في التنمية، ولن تقوم أية تنمية بصورتها الحقيقية إلا إذا وجهت هذه الحالة التوجيه السليم، وحظيت بالعناية والرعاية، ولذلك تبذل الحكومات جهودا كبيرة في شأن استقرار هذه الحالة، وعدم انفلاتها عن ما يخطط لها، لأن العشوائية في التعامل معها يفضي الى كثير من المشاكل، سواء في جانب الانفجار السكاني الـ «مخيف» أو هلامية القوى البشرية المعقود عليها الآمال في الأخذ بزمام متطلبات التنمية، مع أن الوصول الى حالة من التوازن بين القوى البشرية، واستحقاقات التنمية من هذه القوى البشرية، ليس يسيرا، ويحتاج الى كثير من التخطيط، وكثير من وضع البرامج الحاكمة لتفاعلات هذه القوى البشرية، ومتطلباتها من مشروعات التنمية: الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والمسألة معقدة بشكل كبير، ولا تقتصر فقط على بقعة جغرافية تضم عددا من البشر.
كثيرون تحدثوا عن الهدايا الديموغرافية التي تقدمها الحالة السكانية في كثير من البلدان، ولعل البلدان النامية؛ على وجه الخصوص؛ هي من يحفل بوجود مثل هذه الهدايا، أكثر من الدول المتقدمة، التي تطبق سياسات سكانية شديدة التحكُم، وخاصة في شأن تدفق المواليد، والقدرة على إيجاد حالة التوازن بين الوفيات والمواليد، مع قدرتها؛ على ما توفره من رعاية صحية، وعلى المحافظة على النمو المنظم للمواليد، بينما ترتبك هذه الصورة كثيرا في الدول النامية، وما يربكها هو وجود الدفعات المتتالية من السكان، وهي الدفعات التي؛ بعد عمر معين؛ تكون في موقف المطالب باستحقاقاتها الكاملة من التنمية، من حيث المعيشة والرفاه الاجتماعي، ويأتي في مقدمتها وجود سوق عمل فاعل وقادر على استيعابهم، بلا مشقة، وبلا تخبط، وعندما يأتي ذكر الدول النامية في شأن الهدايا الديموغرافية، فإن شعوب هذه الدول تكون عندهم ظاهرة الإنجاب في قوتها لاعتبارات كثيرة: ثقافية، واجتماعية، واقتصادية، والقليل القليل من المعرفة التي تبين أن الاستثمار في القوى البشرية ليس بالعدد الكمي، بقدر ما هو بالعدد النوعي، لأن هذه الهدايا الديموغرافية لها متطلبات محورية من برامج التنمية، ولا بد من استكمالها كلها بلا تقصير، وإلا لدخلت هذه البلدان في قضايا سكانية أخرى، تؤول الى الفوضى، وإلى استفحال المشاكل، بما في ذلك استقطابها من جهات أخرى معادية، وربما تخرج؛ بفعل كثرتها؛ عن السيطرة، حيث تضرب الأمن الاجتماعي في الصميم.
ولذلك فليس شرطا أن ينبئ الانفجار السكاني في كل الدول عن وفرة في موارد المتاحة لملء أفواه كل السكان بلا مشقة، فقد يحدث هذا الانفجار في دول تقتات على اليسير اليسير مما يمكن الوصول إليه من موارد طبيعية، وصناعية، إما لسوء التخطيط، وأما لفساد الإدارة في إدارة الموارد بصورة صحيحة، ولذلك يبقى الانفجار السكاني أحد التحديات الصعبة، والصعبة جدا في جداول التنمية في أي دولة كانت؛ متقدمة في مشروعات التنمية، أو متخلفة في مشروعات التنمية، ومن هنا يأتي دوما استحداث برامج مقننة لعمليات الإنجاب، وسن تشريعات قاسية؛ في بعض الأحيان؛ للحد من هذا الـ «تفريخ» على الذين لا يتقيدون بمثل هذه البرامج، ومع ذلك فكثيرا ما يواجه المنظمون لهذه البرامج تداعيات جانبية أخرى، لم تكن في الحسبان، وكثيرا ما قرأنا عن دول اتخذت برامج تحديد النسل؛ على سبيل المثال؛ فإذا هي بعد جيلين أو ثلاثة أجيال، تعيش في مأزق فئة السن المتقدمة، حيث يكون كبار السن، أكثر عددا من صغار السن، فيتم مراجعة هذه البرامج من جدي%D