انسحاب متعجرف ومتعثر من الشرق الأوسط

ديفيد إجنيشس- واشنطن بوست –
ترجمة قاسم مكي –

كان الرئيس العراقي برهم صالح يزن كلماته في مقابلة هاتفية معه من بغداد يوم الأثنين (4 فبراير). فهو لم يكن يرغب في مفاقمة مشاجرة مع الرئيس ترامب حول استخدام الولايات المتحدة لقاعدة جوية غربي العراق. لكنها السياسة العراقية وأية تصريحات غير مدروسة من جانب الرؤساء الأمريكيين يمكن أن تترتب عنها نتائج جسيمة.
قال لي صالح «أنا أقدر ما فعلته الولايات المتحدة للعراق. نحن نحترم تلك التضحية. لكن هذا النجاح (الذي تحقق في العراق) هش ويجب عدم تحميله أعباء لا طاقة له بها. من السهل أن ينحل (هذا النجاح) ويتفكك. « الترجمة القصيرة لهذا الحديث الدبلوماسي تعني أن على الرئيس ترامب ألا يطلق الرصاص على قدميه. فإذا تحدث عن قاعدة الأسد(العراقية) وكأنها منشأة أمريكية سيسوء ذلك العراقيين ويزيد من الضغوط السياسية المحلية في العراق ضد إستمرار الوجود العسكري الأمريكي.
يترنح ترامب من خطأ فادح إلى خطأ فادح آخر في الشرق الأوسط. لقد كانت آخر تصريحاته حول إعادة تمركز القوات الأمريكية في العراق تفتقر إلى الحساسية تجاه السياسة الداخلية إلى حد يدفعك إلى التساؤل عما إذا كان يفهم حقا الأخطاء التي يرتكبها. فأحيانا يوحي تصرف ترامب بمتلازمة سلوكية يبدو فيها عدم إدراكه لحقيقة أن تعليقاته تؤذي الآخرين وتزيد من عزلته الإجتماعية.
غلطة ترامب هذه سبقها خطأ في التقدير أشد وخامة في ديسمبر الماضي عندما أعلن فجأة أنه سيسحب ألفي جندي أمريكي من سوريا. فعل ذلك فيما كان قادته العسكريون يقولون أن مهمتهم المتعلقة بالقضاء على داعش لم تكتمل. وعلى الرغم من المعارضة التي واجهت قراره من كل ركن من أركان الحكومة الأمريكية إلا أنه مضى قدما في قراره. ويقول المسئولون أن الإنسحاب من سوريا سيكتمل بنهاية أبريل.
عندما تسأل المسئولين الأمريكيين عن ماهية الترتيبات الأمنية المستقبلية في شمال شرق سوريا تحصل على خليط من الأجوبة المتنافرة التي لا يشكل أي منها سياسة متماسكة. لقد طلبت الولايات المتحدة من القوات الفرنسية والبريطانية البقاء هناك لكنها رفضت. لذلك تتموضع القوات التركية والروسية والإيرانية هناك لشغل الفراغ.
عقب ذلك اخترع ترامب حلا جديدا. فكل شىء سيكون على ما يرام لأنه سيرسل قوات العمليات الخاصة إلى العراق. وقال لمارجريت برينان في البرنامج الأخباري “واجه الأمة” الذي بثته شبكة سي بي إس يوم الأحد الماضي 3 فبراير « لدينا قاعدة في العراق.. هذه القاعدة صرح جليل… لقد أنفقنا ثروة لبناء هذه القاعدة المدهشة. وربما لا مناص لنا من الإحتفاظ بها.» شرح ترامب ذلك (إذا كانت كلمة شرح هي المفردة الصحيحة لوصف «تسلسل لا منطق» ترامب ) بقوله إذا حدثت متاعب في سوريا، كما هو متوقع على نطاق واسع، «سنعود إذا لزمنا ذلك. فنحن لدينا طائرات سريعة جدا وطائرات شحن جيدة جدا.» لسوء الحظ قد تعرض مقاربة ترامب بإعادة التمركز في العراق الجنود الأمريكيين لخطر أعظم. فالناس الذين يواجهون إرهابي داعش في الوقت الحالي في سوريا هم حلفاؤنا بقيادة الأكراد في قوات سوريا الديموقراطية. وإذا قامت الولايات المتحدة بدلا منهم بشن الغارات من العراق ستزداد الخطورة على الجنود الأمريكيين. لكن تلك، كما يبدو في عالم ترامب، مسألة تستدرك لاحقا.
ربما تجنب ترامب ورطة دبلوماسية لو أنه اكتفى بالحديث عن إعادة تمركز الجنود. لكنه لم يفعل. كان يريد الترويج لفكرة أنه بخطته هذه يمكنه (أيضا) استخدام القاعدة العراقية «لمراقبة إيران». فقد استطرد قائلا أن قاعدة الأسد «توجد في موقع مثالي لمراقبة مختلف أجزاء الشرق الأوسط المضطرب بدلا عن الخروج. هذا شىء لايفهمه الكثيرون».
الشق المزعج (من هذه الحكاية) عدم إدراك ترامب كما يبدو أن هنالك حكومة عراقية في بغداد تريد، في مواجهة ضغوط كبيرة مناصرة لإيران، بسط سيطرتها على سيادتها هي نفسها. لقد وجهت الدعوة للقوات الأمريكية للمجىء إلى العراق في عام 2014 من أجل محاربة داعش والعراقيون ممتنون حقا للمساعدة الأمريكية. لكنهم لايريدون احتلالا آخر.
حقا ظل بعض العراقيين مؤخرا يثيرون الجدل حول استمرار وجود أمريكا في قاعدة الأسد والقواعد الأخرى. وفي الأسابيع التي سبقت غلطة ترامب في برنامج «واجه الأمة» كان الرئيس صالح في الحقيقة يصارع للحيلولة دون طرح الساسة المناصرين لإيران مشروع قانون في البرلمان العراقي يفرض إنسحابا أمريكيا من العراق.
ربما يشعر ترامب بحقوق ملكية لقاعدة الأسد الجوية لأنها ذلك المكان المعروف بأنه زاره في العراق. فقد كان موجودا هناك يوم 26 ديسمبر حين هبط في القاعدة أثناء رحلة عبور لمقابلة الجنود. وأحال توقفه هناك إلى مهرجان شبه سياسي روج فيه لجداره الحدودي وحذر من قوافل المهاجرين ووقع على قبعات تحمل عبارة « لنجعل أمريكا عظيمة مرة اخرى».
كما صرح أيضا بقوله « لم نعد بلهاء يا جماعة. ففي ظل قيادتي نحن ننتصر الآن.» من المؤلم أن ترى رئيسا أمريكيا وهو يتقهقر مختالا ومتعثرا.
وكما قال لي زعيم شرق أوسطي مؤخرا « من هو ذلك الذي يمكنه أن يتطلع إلى الولايات المتحدة كشريك موثوق»؟