صراع الأذكياء الدولي.. المدمر قادم

رشا عبدالوهاب –

عندما يتحول الخيال إلى حقيقة، وتنقلب أفلام الخيال العلمي إلى واقع مرير، وربما إلى كابوس طويل مثلما تحول فيلم «يوم الاستقلال» إلى هجمات 11 سبتمبر 2001. من منا يتخيل أن فيلم مثل «المدمر» أو The Terminator الذي ظهر الجزء الأول منه عام 1984، حيث يجسد نجم الأكشن الشهير أرنولد شوارزينجر دور إنسان آلي قاتل يتم إرساله عبر الزمن من 2029 لاغتيال سيدة قبل أن تنجب ابنها الذي سيقود المقاومة البشرية ضد الآلات.

الفيلم الذي اختاره الكونجرس الأمريكي في 2008، لحفظه في مكتبته الشهيرة لكونه «أثر حضاري وتاريخي وفني»، يتحول إلى مصدر إلهام لحكومات العالم المتصارعة على السيطرة على العالم، فالجميع يحلم بامتلاك «المدمر».
إنها حرب الذكاء المقبلة بين الآلات، تضع دول العالم المتقدم ميزانيات ضخمة من أجل تطوير الذكاء الصناعي العسكري، في سباق تسلح غير تقليدي، مع انتهاء زمن الحروب والأسلحة التقليدية بلا رجعة. ومنذ خمسينيات القرن الماضي، لفت العالم الأمريكي الموسوعي جون مكارثي الأنظار إلى هذا الفرع الجديد وصك هذا المصطلح «الذكاء الصناعي»، وأصبح عراب هذا العلم.
تحدث مكارثي عن «الصفات العقلية للآلات» التي تمتلك معتقدات، وهذه المعتقدات تمثل صفات مميزة لهذه الآلات القادرة على حل المشكلات. وعلى الرغم من النجاحات والانتكاسات التي حققتها أبحاث الذكاء الصناعي، إلا أن الحكومات، خصوصا الأمريكية، لم تكن متحمسة بشكل كبير لهذا الفرع، فمرة تزيد تمويله ومرة أخرى تقطع التمويل عنه، إلا أن الوضع اختلف تماما في التسعينيات مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وصعود نجم الولايات المتحدة كقطب وحيد على الساحة السياسية، بالإضافة إلى الأرباح التي حققتها مبيعات منتجات الذكاء الصناعي التي بلغت حوالي مليار دولار.
والآن، وبعد أكثر من 30 عاما من الحرب الباردة بين الأمريكيين والسوفييت، والتهديد النووي المتبادل، انفتحت ساحات المعارك بين الثلاثي، الولايات المتحدة وروسيا والصين، على احتمالات أكبر، فهناك حروب الفضاء الإلكتروني وصراعات الأسلحة بدون إنسان، والروبوتات القاتلة، إنها أسلحة العصر والمستقبل، حرب الأقوى تسليحا. الولايات المتحدة، بلا جدال، هي الرائدة وعرابة هذا النوع من أسلحة الذكاء الصناعي، إلا أن الجميع الآن يسعى لتطوير هذا المجال، ويخصص ميزانيات مهولة للوصول إلى المقدمة، في زمن اشتعال الحروب التجارية والإلكترونية بين دول العالم. ومع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في انتخابات نوفمبر 2016، افتضح أمر أن الحرب الإلكترونية يمكنها اختيار الرئيس الجالس داخل البيت الأبيض. ويحاول ترامب نفي هذه المزاعم بأنه جاء بمساعدة قراصنة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في وقت شهدت روسيا تحالفا مناهضا لا يلين بعد سيطرتها على شبه جزيرة القرم إلى جانب محاولة فاشلة لتسميم العميل المزدوج سيرجي سكريبال وابنته يوليا في مدينة سالزبوري البريطانية. ومع ظهور «ألفا جو»، المتخصص في لعبة»جو»الصينية، و»ألفا زيرو» الذي هزم بطل العالم في الشطرنج، اتضحت أبعاد جديدة في التطورات المتسارعة للروبوت الذكي، الذي يمكنه أن يهزم ذكاء الإنسان العادي بخورزمياته الفائقة وحجم البيانات المخزن في جهزه، والتي تقدر بالتيرابايت، وتساوي 1000 جيجابايت، إنها لغة الأرقام التي تفوز دائما.
وفي مقابل ألفا، كشفت الصين عن أول مذيع أخبار بتقنية الذكاء الصناعي في العالم، والذي كشف ظهوره أنه لا يمكن تمييز أنه «مذيع تراكبي» كما يطلق عليه، ليقدم أول تجربة متكاملة لإحلال الروبوت محل الإنسان في الكلام والتركيز، ولو لم تعلن بكين هذا الإنجاز لما كان لإنسان أن يلحظ فرقا بين المذيع الروبوت والإنسان.
وذكرت شركة «بي. دبليو. سي» الأمريكية أن منتجات وأنظمة الذكاء الصناعي سوف تسهم في 15.7 تريليون دولار من الاقتصاد العالمي، مع قيادة الولايات المتحدة والصين لهذا المجال.
هذا الجانب الربحي، لكن على الجانب الآخر، يوجد عواقب عسكرية محتملة، ربما هذا الجانب المخيف لما قد يكون عليه وضع إنسان في مواجهة مستعمرة الروبوتات، إلى جانب سعي الدول إلى عسكرة الذكاء الصناعي. وفي الولايات المتحدة، طلب قادة وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» من هيئة التطوير الدفاعي، المكونة من كبار المسئولين التنفيذيين بسيليكون فالي والذي يمدون الجيش الأمريكي بالنصيحة التقنية، وضع مجموعة من المبادىء الأخلاقية لاستخدام الذكاء الصناعي في الحرب، وهو بالطبع ما لن تلتزم به واشنطن، فلا أخلاق في حرب غير متكافئة. وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد جربت أمريكا سلاحها النووي في هيروشيما ونجازاكي، فمن سيكون ضحية أنظمتها الذكية.
وتواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها البحث وبناء الأسلحة الذاتية، ففي أكتوبر أعلنت شركة مايكروسوفت أنه تدرس بيع أجهزة ذكاء صناعي متطورة لبناء دفاع قوي للبنتاجون، بينما قال قادة القوات الجوية الأمريكية إن المقاتلات طويلة المدى المستقبلية سوف تحل محل مقاتلات الشبح «بي -2»، ويمكنها العمل بدون طاقم. بينما تخصص الجيوش الغربية موارد متزايدة لبناء شاحنات ومركبات بدون إنسان.
وخلال خطاب حالة الاتحاد الأخير، دعا ترامب إلى الاستثمار في الصناعات المتقدمة المستقبلية، في إشارة إلى أهمية الذكاء الصناعي، وبعدها بأيام أصدر الرئيس الأمريكي أمرا تنفيذيا بإعطاء أولوية أكبر للذكاء الصناعي، في خطوة من شأنها تأجيج معركة الزعامة في هذا المجال مع الصين.
ويدعو الأمر التنفيذي للمبادرة الأمريكية للذكاء الصناعي الإدارة إلى تكريس الموارد الكاملة للمساعدة على الابتكارات في هذا المجال، ويتضمن الأمر التنفيذي تأمين موارد كافية أكثر للباحثين، ووضع تشريعات، والترويج للذكاء الصناعي في التعليم، وتحسين المنافسة الأمريكية.
واعترف البيت الأبيض بأنه مع تسارع وتيرة الابتكار في الذكاء الصناعي حول العالم «لا يمكن ألا نحرك ساكنا، وندعي بأننا نضمن الريادة»، ودعا إلى خطة عمل لحماية تميز الولايات المتحدة في مواجهة المنافسين الاستراتيجيين والخصوم الأجانب.
المبادرة تهدف إلى دعم القيادة الأمريكية في مجال الذكاء الصناعي، وتشكل نهجا متعدد المسارات، وتتكون من 5 ركائز أساسية، هي: البحث والتطوير وبنى تحتية ذكية، وحوكمة ذكية، ومشاركة مجتمعية ودولية، على حد المعلن من هذه المبادرة، لكن ما خفي كان أعظم.
استراتيجية ترامب لم تكن الأولى من نوعها، قد أعلن تشاك هيجل وزير الدفاع الأمريكي عن استراتيجية «التكافؤ الثالثة» في 2014، والتي تدعم التطور في مجال الذكاء الصناعي، باعتباره يحدد الجيل الجديد من الحروب. وفقا للبيانات العلمية والتحليلة من شركة «جوفيني، فأن وزارة الدفاع الأمريكية زادت الاستثمار في الذكاء الصناعي والبيانات والحوسبة السحابية من 5,6 مليار إلى 7,4 مليار دولار، بينما لم تشهد ميزانية مؤسسة العلوم الوطنية للذكاء الصناعي، وهي مؤسسة مدنية، أية زيادة. وردت الصين على استراتيجية ترامب الجديدة بالسخرية من أنها لن تجد التمويل الكافي، وذلك في ظل شبح إغلاق الحكومة الفيدرالية. وفي 31 أكتوبر الماضي، اختارت الصين مجموعة من الطلبة للالتحاق بمعهد بكين للتكنولوجيا، الذي يعتبر واحد من مراكز الأبحاث الرئيسية، حيث تأمل السلطات في تصميم جيل جيد من أنظمة الأسلحة المعتمدة على الذكاء الصناعي، والتي يتسع نطاقها من الروبوتات منتهية الصغر إلى فيروسات الكمبيوتر والغواصات والدرون والدبابات. كما أعلنت مدينة تيانجين الساحلية الواقعة في شمال الصين عن خطط لتأسيس صندوق قيمته 16 مليار دولار لدعم قطاع الذكاء الصناعي.
هذا البرنامج الصيني تذكير قوي بما يمكن أن يكون سباق تسلح حاسم خلال القرن الحالي، تعاظم قوة علم الحاسوب وبرامج التعلم الذاتي تخلق مدخلا جديدا للحرب ولعسكرة الدول. إنها منطقة قد تتخطى فيها التكنولوجيا الآن التفكير الاستراتيجي والأخلاقي والسياسي.
وبحلول العقد المقبل، يتوقع العلماء الصينيون تشغيل عدد كبير من الغواصات المسلحة بدون لإنسان في محيطات العالم ، لتستهدف قوات العدو خصوصا في المناطق المتنازع عليها مثل بحر الصين الجنوبي. هذه المركبات يمكنها السفر مسافات طويلة، وتظل مختفية عن عيون الرادارات لمدة طويلة. وقد أعلنت بكين أن النموذج المبدئي من درون تعمل تحت الماء قام برحلة بلغت 141 يوما على مسافة 3600 كيلومتر.
روسيا، من جانبها، أعلنت أنها ستكشف عن استراتيجيتها الوطنية للذكاء الصناعي «خريطة طريق» خلال منتصف العام الحالي، ويرى الروس أن الذكاء الصناعي ضروري للهيمنة على المعلوماتية والفضاء الإلكتروني، مع الاتهامات المتواصلة لروسيا بتشكيل كتائب أو جسور إلكترونية تستخدم وسائل التواصل لنشر الأكاذيب.
وفي يناير 2018، حذرت البنتاجون من أن روسيا تبنى وتستعد لتشغيل غوصات نووية بدون إنسان، يمكنها حمل أسلحة نووية، وتضع موسكو وبكين في أولوياتهما الدبابات «الروبوت». بوتين أكد مرارا أن من سيقود «الذكاء الصناعي سيحكم العالم»، أنه التفكير السائد حاليا لدى صناع القرار السياسي والعسكري في العالم، وكأنهم يريدون أن يتقمصوا دور الرجل الشرير أو الروبوت المعجزة الخارق على شاشات هوليوود.