الذكاء الاصطناعي في السياسة الدولية ما بين الأبعاد الاقتصادية والعسكرية

طارق الحريري –

من الأدوار المهمة التي يلعبها الذكاء الاصطناعي التنبؤ بنتائج محتملة الحدوث في المستقبل لأوضاع السوق أو تطور الصراعات وهي أمور لا غنى عنها عند بناء الخطط السياسية، مما يوفر فرصا جيدة للاستجابة للمخاطر ومواجهة التحديات التي تمتد أيضا لقضايا البيئة والهجرة غير الشرعية والتصدي للجماعات الإرهابية.
عندما ظهر الذكاء الاصطناعي مع تطوير أجهزة الحاسوب قفزت الكثير من الأنشطة الإنسانية قفزات غير مسبوقة في كثير من المجالات في الصناعة والزراعة والاقتصاد والتجارة والبنوك والتعليم والسلاح والحرب وهكذا إلى أن وصل الأمر نتيجة لذلك إلى عالم السياسة وهو تصور كان من عقود قليلة ضرب من الخيال، لكن قبل الولوج إلى الكيفية والتأثير والنتائج التي أسفر عنها استخدام الذكاء الاصطناعي لا بد من التذكرة بصاحب فضل وضع بذرة مهمة في عالم الرياضيات كان من نتائجها ما تنعم به البشرية الآن من نعم التقدم العلمي.. إنه عالم الرياضيات والفلك العربي «أبو عبدالله محمد بن موسى الخوارزمي» الذي عرض في كتابه الشهير «حساب الجبر والمقابلة» أول حل منهجي للمعادلات الخطية والتربيعية وهو بذلك يعتبر المؤسس الحقيقي لعلم الجبر لكن الخدمة الكبرى التي قدمها هذا العالم للبشرية هي اختراعه للصفر في منظومة ما يعرف بالأرقام العشرية والصفر كان في عالم الرياضيات وأي حسابات هو التعويذة السحرية التي سيستمر مفعولها حتى بدء واستمرار صناعة الحاسوب فكل العمليات التي تقوم بها الأجهزة تعتمد على رقمي الصفر والواحد، وهكذا قدم ابن الحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها واحدة من أهم لبنات العلم ودون أن يدري السياسة أيضا والدرس هنا أن الحضارة ليست حكرا على عرق أو موقع في الأرض أو عقيدة وأن تقدم الإنسانية نتاجا تاريخيا شارك فيه جميع البشر دون شوفينية أو استعلاء من أحد.
منذ أن تأسست المدرسة الحرة للعلوم السياسية في باريس عام 1872 تم تدشين السياسة كعلم في الجامعات والمراكز البحثية والأكاديمية وإن ظل هذا العلم ملحقا بالعلوم الاجتماعية حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية ليحتل بعدها مكانته المنفردة، وبعيدا عن الغوص في تفاصيل هذا العلم ومفاهيمه تكتسب عملية اتخاذ القرار أهمية كبيرة عند دراسة تأثير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في المجال السياسي حيث يصبح على متخذ القرار في الشأن السياسي سواء كان فردا أو مؤسسة أو منظمة الإلمام بتفاصيل تسهل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي إعادة إنتاجها بما يخدم الاحتياجات اللازمة لمن له سلطة اتخاذ القرار بل والقائمين على التنفيذ أيضا.
ومن هنا يمكن القول أن أهمية عمل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تتمثل في المجال السياسي في قدرتها على هيكلة عدد كبير من البيانات والاحتفاظ بها بقدرات وسرعة تفوق العقل البشري، لكن يجب الأخذ في الاعتبار الحذر من أن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تتعرض مثل أي آلة للخلل والعطب إذا قابلت موقف أو «داتا» طارئة تبدو غير مألوفة عما تمت برمجة الجهاز عليه على عكس العقل البشري الذي يتسم بمرونة، لذلك يجب عدم تجاهل أن العقل البشري يبقى فاعلا مركزا تبدأ وتنتهى عنده صياغة القرار وقد تستمر آلية الجوانب الإجرائية أحيانا التي تغطيها أدوات الذكاء الاصطناعي منوطة بالإنسان. يوجد عاملان أصبحا يؤثران بقوة على الواقع السياسي الدولي في مطلع الألفية الثالثة هما الاقتصاد والقوة العسكرية والذي طرأ عليهما مع مطلع الألفية من تغيرات هيكلية هو الذكاء الاصطناعي وهو آخذ في التغلغل بقوة في تطور أدوات وأداء كل منهما بتسارع متصل، وهذا ينعكس بالطبع على جوانب متعددة في السياسة الدولية وعلاقات المصالح وتوازنات القوة لذلك من المهم الإشارة إلى بعض التغيرات التي طرأت مع استفحال دور الذكاء الاصطناعي على جوانب أنشطة الاقتصاد والقوة العسكرية قبل التطرق لتأثيرهما على دولاب عمل السياسة الدولية ففي مجال الاقتصاد يمكن على سبيل المثال لا الحصر رصد بعض المتغيرات ومنها: تشير الدراسات طبقا لما قدمته شركة ماكينزي حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى أنه سيلعب دورا كبيرا في زيادة الإنتاج وتقليل تكاليفه وأنه سوف يزيد من معدل الإنتاج العالمي من 0,8% إلى 1,4% في العام الواحد ويشير بعض الخبراء إلى أن الذكاء الاصطناعي سوف يساهم في مضاعفة معدل النمو الاقتصادي لعدد كبير من الدول المتقدمة بحلول عام 2035 وأن الأرباح الناتجة عن هذا ستأتي من خدمات الرعاية الصحية والأسواق المالية وشركات البيع بالتجزئة وخدمات النقل وأن قطاعات التجزئة والدواء والصناعة والنقل يمكن أن تضخ في المدى القريب أو المتوسط قرابة 6 تريليونات دولار في الاقتصاد العالمي كما أن الدول القادرة تنفيذ المدن الذكية سوف تساعد على تطور كبير في البنية التحتية لاقتصاديات الحكومات المحلية كما ستساهم في تعزيز سلامة البيئة والاستفادة المتضاعفة من عمليات تدوير كل ما ينجم عن الاستخدام.
أما في المجال العسكري فقد أحدث الذكاء الاصطناعي نقلة مذهلة في مجالات التسليح وإدارة عمليات القتال تمثلت في:
أولا في مجال السلاح تقوم الدول الكبرى بتطوير في كل أنواع الأسلحة ففي الأسلحة البرية يبدأ التطوير من بدلة الجندي التي تزود بلاقطات من أنواع متعددة تعمل على تغيير لون بدلة الجندي تبعا لطبيعة الأرض، كما تقوم بتغيير درجة حرارة البدلة طبقا لتغير درجة حرارة الجو والجسم، كما أن نسيج بدلة الجندي يصنع من ألياف قادرة على مقاومة الشظايا وطلقات الأسلحة الصغيرة وهناك تفاصيل أخرى كثيرة في خوذة الجندي وحذائه الذي يساعد على القفز لارتفاعات كبيرة، وتعمل أدوات الذكاء الاصطناعي على مضاعفة قدرات الدبابات والعربات المدرعة وتأمينها من الأسلحة المضادة وفي مجال الصواريخ المجنحة مثلا يمكن تزويد ذاكرة الصاروخ بإحداثيات لمكان وصورة للهدف يطابقها عند الوصول إليه، ووفر الذكاء الاصطناعي إمكانيات مشابهة للقوات البحرية والجوية.
أما عن استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات على النطاق التعبوي أو الاستراتيجي فيمكن القول أن الإدارة الرقمية أوجدت منظومة موحدة تشمل مراكز الاتصالات ونظم المعلومات ودوائر تحليل الوضع الميداني والاستخباراتي وبذلك أضحت مراكز القيادة والسيطرة ذات فاعلية كبيرة تمكنها من السيطرة الكاملة على مسرح أو مسارح العمليات.
تأمل الوضع السياسي الدولي في علاقات القوة بين بلدان العالم ولا سيما القوى الكبرى بدأت تكشف إلى أي مدى اثر الذكاء الاصطناعي بعد نفاذه في بنية كل من الاقتصاد والجيوش ثم السياسة فكلاهما عامل أساسي وجوهري في حسابات العمل السياسي، فالقوة الاقتصادية وحركة المال أصبحت أداة رئيسية للنفوذ وبسط الهيمنة بين الدول في حين أن القوة العسكرية تعتبر أداة مهمة عند مد النفوذ لا سيما بالنسبة للقوى الكبرى ووسيلة في فض النزاعات وتأمين مصالح الدول ضد التدخل الخشن عسكريا أو حتى اقتصاديا. أما عن الكيفية التي يترجمها الذكاء الاصطناعي لتشابكات الجوانب الاقتصادية والعسكرية في مجال السياسة الدولية فإن ذلك يتم من خلال تحليل قواعد البيانات للحصول على نتائج تتماشى مع النماذج التي تمت برمجتها مثل متابعة تنفيذ معاهدات السيطرة على الأسلحة النووية أو متطلبات الحفاظ على التوازن الاستراتيجي وبلورة مدخلات البيانات المتجددة التجارية أو الاصطناعية وتحليلها لجعلها صالحة لمتخذ القرار السياسي. من الأدوار المهمة التي يلعبها الذكاء الاصطناعي التنبؤ بنتائج محتملة الحدوث في المستقبل لأوضاع السوق أو تطور الصراعات وهي أمور لا غنى عنها عند بناء الخطط السياسية، مما يوفر فرصا جيدة للاستجابة للمخاطر ومواجهة التحديات التي تمتد أيضا لقضايا البيئة والهجرة غير الشرعية والتصدي للجماعات الإرهابية. وأخيرا تجدر الإشارة إلى الأهمية التي تنبه لها العقلاء لوضع إطار أخلاقي وقانوني مع انتشار الذكاء الاصطناعي وتعدد تطبيقاته بعد أن طالب إعلان «تورنتو» في مايو 2018 بضمان الانتشار الواسع لتعلم أنظمة التكنولوجيا المستقلة التي تدمج بين العقل البشري والذكاء الاصطناعي.