خيارات العمل في صحافة المستقبل

أ.د. حسني نصر –

توقفنا في مقال الأسبوع الماضي عند تأكيد حقيقة تغير خصائص جمهور وسائل الإعلام في المستقبل، وأن التحدي الأكبر الذي سيواجه الإعلام والإعلاميين سوف يكون تقديم محتوى إعلامي يتناسب مع اهتمامات واحتياجات الجيل الرقمي ويتناسب أيضا مع منصات النشر الرقمية سواء الحالية أو ما سيظهر منها في قادم الأيام.
في ضوء ذلك يصبح على الإعلاميين الاستعداد لمواجهة التغيرات البنيوية المهمة التي ستطرأ علي تحرير وكتابة المحتوى الإعلامي. ولعل أول ما يجب التأكيد عليه أن العمل في إعلام المستقبل لن يعرف تقسيم العمل السائد في الإعلام التقليدي. فالصحفي في إعلام المستقبل لا يُتوقع منه أن يقوم بالتغطية الخبرية فقط أو أن يكون كاتبا فقط أو محررا فقط، وإنما يجب أن يقدم عملًا إعلاميا شاملًا. ولذلك فإن المهارة الأولى التي يجب أن يتقنها صحفي المستقبل هي المرونة. إذ من المتوقع منه القيام بمجموعة من الأعمال تتزايد وتتعقد بمرور الوقت. وتعني المرونة قابلية الصحفي ورغبته في أداء مهام متنوعة ومتعددة ربما في اليوم نفسه.
ويحتاج صحفي المستقبل إلى إتقان المهارات التقليدية في جمع الأخبار، ولكنه سوف يحتاج في الوقت نفسه إلى إتقان مهارات التعامل مع الصحافة الخوارزمية أو صحافة الروبوت والتي يتم فيها صناعة المحتوى الإعلامي باستخدام برامج الحاسوب وبرامج الذكاء الاصطناعي بدلاً من الصحفيين البشريين. وإذا كان من المتوقع أن تقوم الخوارزميات الذكية بتقديم المعلومات والمحتوى الإعلامي، فإنه من المتوقع أن يبقي الصحفيون البشريون هم عصب صناعة الإعلام مهما تغيرت وتطورت التكنولوجيا. وسوف يكون الصحفي البشري قادرا على تجاوز التهديدات القادمة من صحافة الخوارزميات من خلال تطوير مهارات التفكير والإبداع لديه، وذلك عبر تبني ما يسمي «التفكير المتعدد الجوانب» أو التفكير بعقل منفتح على كل الاتجاهات. فالصحفي في المستقبل يحتاج إلى معرفة شيء عن كل شيء على عكس الصحفي الحالي. فمصمم الموقع الإلكتروني يجب أن يتقن مهارات الكتابة الصحفية وبالمثل فإن المحرر يجب أن يكون على دراية جيدة بمهارات تصميم المواقع وإخراجها. وتبدو هذه المهارة متوافقة إلى حد كبير مع تغير مفهوم العمل الصحفي في المستقبل والنظر إلى الصحفيين باعتبارهم منتجي محتوى، وبالتالي فإن مهامهم سوف تتسع لتشمل الكتابة والتحرير والبحث وكتابة العناوين والإخراج ومهام أخرى عديدة. ورغم أن هذا الاتجاه أصبح واضحا في بعض وسائل الإعلام الحالية فانه سيكون هو الاتجاه السائد في كل منصات النشر في المستقبل، خاصة مع تزايد عدد مستخدمي هذه المنصات وتزايد حاجاتهم الإعلامية.
وإذا كان من الصعب وضع توصيف متكامل لوظيفة الصحفي في إعلام المستقبل، يحدد المتطلبات الخاصة التي يجب توافرها فيمن يريد العمل فيها، فإننا يمكن أن نلخص الخطوط العريضة لهذه المتطلبات في إتقان مهارات العمل الصحفي التقليدية، من منطلق أن الصحافة كمهنة للبحث عن المعلومات وتحريرها ونشرها سوف تبقي كما هي، وتوافر الرغبة في تطبيق مهارات العمل الصحفي في بيئة المنصات الرقمية، بالإضافة إلى إتقان مهارات استخدام الإمكانات الجديدة التي توفرها بيئة العمل في المنصات الورقية.
سوف تبقي الكتابة هي الجزء الرئيسي والأهم في وسائل الإعلام في المستقبل، وسيكون علي صحفيي المستقبل أن يطوعوا كتاباتهم لتناسب متطلبات المنصات الرقمية الجديدة. ومع ذلك فإن السمات الأساسية للكتابة الصحفية سوف تبقي كما هي. إذ سوف تبقي صحة المعلومات المتطلب الرئيسي في الكتابة لوسائل الإعلام في المستقبل، وسيكون على الصحفي أن يقدم المعلومات بطرق واضحة وفي سياق يجعلها سهلة الفهم من جانب الجمهور، كما سيكون عليه الاقتصاد في الكتابة، والقدرة على استخدام أقل عدد من الكلمات لتقديم المعلومات بشكل صحيح وواضح. ومن الضروري للصحفيين في المستقبل أن يتقنوا مهارات أنماط الكتابة التقليدية القائمة حاليا والتي لا بديل عنها في إعلام المستقبل، مع إتقان الأنماط الجديدة التي تتناسب مع طبيعة وخصائص ومميزات المنصات الرقمية. ولعل من أهم أنماط الكتابة المأخوذة من الصحافة الورقية التي يجب أن يتقنها إعلاميو المستقبل، نمط أو قالب الهرم المقلوب الذي من المتوقع أن يكون النمط الأمثل للاستخدام في منصات النشر الرقمية في المستقبل، كونه يرتب المعلومات بطريقة تجعل من السهل على المستخدم اختيار ما يقرأه منها، وأنه يقدم المعلومات في بنية لا خطية، تركز على الأهم ثم المهم وليس على التتابع الزمني للحدث، وهو ما يناسب الخاصية الفورية التي تميز صحافة منصات النشر الرقمية.
وإلى جانب أساليب الكتابة التي انتقلت من الصحافة التقليدية إلى منصات النشر الرقمية سيكون علي الصحفيين أن يستخدموا أنماطا جديدة في الكتابة وفي ترتيب المعلومات داخل الموضوع الصحفي لتقديم المعلومات للقراء وتنظيم المعلومات في أجزاء صغيرة وافية المعنى ومستقلة ولكنها مرتبطة في الوقت نفسه بالنص الأكبر، سواء أخذت شكل كلمة واحدة أو جملة واحدة أو فقرة واحدة. ولعل من أهم مهارات الكتابة التي سيكون علي صحفيي المستقبل إتقانها، مهارة كتابة الملخص، وهو فقرة مكونة من جملة أو جملتين أو ثلاثة تخبر المستخدم عن الموضوع الذي تدور حوله حزمة القصة الخبرية أو الموضوع الصحفي بوجه عام. ولا تتوقف وظيفة الملخص عند حد إخبار القارئ بما يتضمنه الموضوع من زوايا مختلفة ولكنه أيضا-وبمعنى تجاري- يبيع الموضوع لزائر المنصة الرقمية ويشجعه على الاستمرار في استخدام المنصة.
ومن الطبيعي أن تكون الكتابة بفعالية وكفاءة واحدة من أهم متطلبات إعلام المستقبل. ويعنى ذلك ضرورة إتقان مهارة استخدام أقل عدد من الكلمات لنقل أكبر كم من المعلومات في الموضوع الصحفي، بالإضافة إلى استخدام طريقة عرض جيدة تشجع على القراءة. وفي ضوء ذلك لن يكفي صحفي المستقبل أن يكتب الموضوع ولكن عليه أيضا أن يدعمه بالعناصر المرئية المناسبة انطلاقا من فكرة أن الكاتب يتحول إلى منتج في المنصات الرقمية وتكون لديه حرية أكبر ومسؤولية أكبر في الطريقة التي يظهر بها موضوعه على المنصة الرقمية. ومن المتوقع أن يشكل استخدام العناصر المرئية أهمية كبيرة في إعلام المستقبل انطلاقا من حقيقة أن المستخدم يريد أن يحصل على المعلومات التي يريدها من الموضوع بسرعة وأنه يتجه إلى مسح النص المعروض واختيار مواضع معينة وفقرات محددة للقراءة واستبعاد فقرات أخرى تبدو أقل أهمية بالنسبة له، وبالتالي فإنه لا يقرأ الموضوع كاملاً إلا فيما ندر.
من المؤكد أن إعلام المستقبل سوف يقوم في جزء كبير منه على المهارات التي يتوارثها الإعلاميون من جيل إلى جيل سواء على مستوى جمع المعلومات والبيانات أو على مستوى الكتابة الواضحة والدقيقة والموضوعية. ومع ذلك فان اختلاف الوسائل التي ستحمل رسائل إعلام المستقبل وهي منصات النشر الرقمية المتنوعة، بالإضافة إلى اختلاف طبيعة الجمهور، يتطلب استعدادا من الإعلاميين للتعامل مع متطلبات هذه المنصات الجديدة. ولذلك فإن ما يبدو خيارا مفتوحا الآن أمام الصحفيين لإتقان مهارات الكتابة الرقمية، سوف يكون هو السبيل الوحيد للبقاء في المهنة والاستمرار في العمل الإعلامي.