أي رئيس يتطلع إليه الأمريكيون؟

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

مبكر جدا هذه المرة، تنطلق الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020، ويبدو أننا أمام انتخابات مغايرة لما جرت به المقادير في الانتخابات الأخيرة، وذلك بعد أن بدا الرئيس ترامب حجر عثرة وليس حجر زاوية بالنسبة للكثير من الأمريكيين.

أسئلة عديدة انطلقت الأسابيع الأخيرة وجميعها متعلقة بمنصب الرئاسة، ذلك أن هذا المقام الرفيع دائما ما يعبر عن روح أمريكا، تلك التي تستمد دائما ملامح ومعالم شخصيتها من رئيسها، فأمريكا جورج واشنطن كانت تعني للعالم الاستقلال والتخلص من الاستعمار الانجليزي، وبدايات الحلم اليوتوبي لمدينة فوق جبل، فيما أمريكا ابراهام لينكولن فهي تلك الساعية إلى ضرب مثال رائع لوضع نهاية لفكرة عبودية البشر وبخاصة الأمريكيين الأفارقة الأصل، أما ايزنهاور فإن اسمه يعني أمريكا المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، والساعية إلى تقديم نموذج مغاير لقيادة العالم، ومفارق عما كانت بريطانيا وفرنسا، وكذا بقية القوى الاستعمارية التقليدية قد نهجت دربه في العقود والقرون السابقة، ومع وصول كيندي إلى السلطة، بدا وكأن هناك أمريكا الشابة القوية، وكان من الواضح أن الرئيس الكاثوليكي الوحيد في تاريخ البلاد لديه أجندة للوفاق الدولي، وإنهاء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي باكرا جدا، غير أن ما تعرض له من غدر سريع قطع عليه الطريق، وقد كانت رئاسة رونالد ريجان قد أعطت أمريكا المجد والقوة معا من خلال انتصار ساحق ماحق على الشيوعية.
ولا شك أن المواطنين الأمريكيين يسعون لاختيار رؤساء متميزين، ومعظمهم يتوقون إلى رئيس يقترب من الكمال، أو على الأقل رئيس يجمع بين عظمة لنكولن والحكمة السياسية لروزفلت وحنكة تشرشل الحربية ومثابرة مانديلا وسمو الأم تريزا، فضلا عن السمات البطولية التي لا نطالعها إلا من خلال أبطال أفلام الحركة.
والشاهد انه عندما يسعى الأمريكيون إلى البحث عن رئيس جديد، فانهم يتطلعون إلى زعيم يوحدهم حول هدف واحد ويفجر ينابيع الإبداع داخلهم بيد ان هذا يبدو صعب المنال في دولة جبلت على إعلاء قيمة الفرد على حساب الجماعة، وعدم توقير المبادئ السياسية والمؤسسات الحكومية المركزية.
وغالبا ما تكمن عظمة من يدعوهم الأمريكيين بأعظم الرؤساء في انتصاراتهم العسكرية، أو في رؤيتهم الإصلاحية، مع أننا لو عدنا بالذاكرة إلى الخلف فسنتذكر أيام مجد أخرى لهؤلاء الرؤساء.
ولعل علامة الاستفهام الحقيق بنا طرحها في تلك السطور: «هل يمكن عزل عملية اختيار الرئيس القادم عن معارك الأمريكيين مع منصب الرئاسة منذ نهاية الثمانينات وحتى الساعة؟ المؤكد انه مع نهاية ولاية رونالد ريجان الثانية العام 1988، بدأت حقبة دولية جديدة، اطلق عليها خليفته الرئيس جورج بوش الأب تعبير «النظام العالمي الجديد، أو إن شئت الدقة قل النظام الأمريكي المنفرد بمقدرات العالم، ففي ذلك الوقت انهار الاتحاد السوفييتي، فيما الصين لم تكن قد طفت على السطح الأممي بالرسم والجسم اللذين نراهما في حاضرات أيامنا، وأوروبا كانت لتوها داخلة في تجربة مثيرة إذ تحملت عبء وتبعات دول أوروبا الشرقية المنضمة إليها، وعليه فقد ظهرت اهتمامات أخرى على الساحة الأمريكية الداخلية، اهتمامات مكنت الشاب القادم من ولاية بعيدة وصغيرة، اركانساس «بيل كلينتون من ان يجد طريقه إلى البيت الأبيض انطلاقا من رهانه على الاقتصاد، وكلنا يتذكر الشعار الذي رفع في الحملة الرئاسية الخاصة به «انه الاقتصاد يا غبي».
في تلك الأوقات كانت أمريكا العظيمة هي طريق الرئيس كلينتون، العظيمة اقتصاديا على الأقل، وقد فعل الرجل الشيء الكثير للاقتصاد الأمريكي، وترك الخزانة وفيها من الفائض ما عجز عنه رؤساء سابقون.
لم يمهل القدر الرئيس الجمهوري بوش الابن الكثير من الوقت ليرسم معالم أو ملامح رئاسته، فقد عاجلته أحداث سبتمبر 2001، ذلك الحدث الذي غير مسار العالم كافة، وجعل مساقات ومسارات الحياة السياسية والأمنية الأمريكية تمضي في طريق مغاير.
في ذلك الوقت بلغ تجلي المحافظين الجدد في الداخل الأمريكي أعلى نقطة يمكنهم الوصول إليها، وقد لعبوا كثيرا على إشكالية الخوف، الأمر الذي دعا وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد كلينتون «مادلين اولبرايت» إلى وصف الولايات المتحدة الأمريكية بانها أضحت «جمهورية الخوف».
كانت المعادلة التي توقف الأمريكيون عندها منذ صباح ذلك اليوم وربما حتى الساعة هي الموازنة بين الحرية والأمن وأيهما أجدر بالاختيار والوقوف في صفها، فهل يختار الأمريكيون الحريات، ذلك المبدأ الذي قامت عليه بلادهم قبل ثلاثة عقود، أم الأمن بما يستتبع ذلك من تضحيات بالحريات سواء العامة، أو الانتقاص من الحقوق الشخصية للأفراد.
ولعله من تأثير الصدمة التي كانت قريبة إلى حد ما زمنيا، اختار الأمريكيون الرئيس بوش مرة جديدة، الأمر الذي وصفه الكاتب الأمريكي «توماس فريدمان» من النيويورك تايمز، الرجل المعروف بانه «عراب العولمة» عنوانا مثيرا لافتتاحية تلت انتخاب بوش الابن ثانية.. «أمريكا لم تخطو جهة الثاني عشر من سبتمبر»، بمعنى ان اختيارها لبوش مرة جديدة يعني أنها لا تزال أسيرة لمخاوف وهواجس ذلك الثلاثاء الدامي الذي اهتزت فيه ثقة الأمريكيين بأنفسهم، سيما وأنها ضربة غير متوقعة، وللقوة الأولى المسيطرة حول العالم.
كان لبوش ان يمضي بعد ثماني سنوات، وبدا أيضا أن الأمريكيين قد سئموا من حروبه، ومن خفوت الضوء الأمريكي في القنديل المعلق فوق الجبل، ولهذا ظهر الشاب الأمريكي الذي سيتجرأ على الأمل، وبدأ في مشاغبة أفكار الأمريكيين وعقولهم، متحديا الواقع ومتحدثا عن دولة شابة فتية جديدة، متصالحة في الداخل، ومتسامحة مع الآخر في الخارج.
هكذا بدا السيناتور الشاب باراك أوباما سرديته التي ستوصله تاليا إلى البيت الأبيض، وليلتها كان الحلم يتحقق، ذلك انه طويلا جدا كانت فكرة وصول رئيس أسمر البشرة إلى البيت الأبيض غير منطقية أو متخيلة من قبل دولة الرجل الأبيض والحضور الأنجلوساكسوني منذ زمان وزمانيين.
أمام صناديق الانتخابات اختار الأمريكيون أوباما الشاب وان كان من غير أي خبرات سياسية دولية أممية ولا تجارب نضالية في الداخل، مفضلينه على السيناتور الأمريكي الراحل «جون ماكين» المحارب في فيتنام والأسير لمدة خمسة أعوام، وقد كان السؤال حينئذ كيف يفضل الأمريكيون رجل بلا خبرة على سياسي متمرس؟ والجواب يرتبط بالذهنية الأمريكية التي ترغب في التجديد والابتكار، ولا تمضي في طريق الاستكانة الذهنية أو الاتباع المنهجي.
قدر لأوباما بان يفوز بولاية ثانية بسهولة، غير أن سنواته الأربع الثانية أصابت الولايات المتحدة بحالة من التكلس السياسي، فقد فضل الرجل ما أطلق عليه المراقبون سياسة القيادة من خلف الكواليس، وفقدت أمريكا في سنواته الثمانية مربعات قوى كثيرة لصالح روسيا الاتحادية بقيادة فلاديمير بوتين.
عطفا على ذلك فقد تعرضت الولايات المتحدة وسياساتها إلى هزة عميقة من حلفائها حول العالم، والشرق أوسطيين في القلب منهم، بسبب الدعم الواضح والفاضح من قبل أوباما لجماعات الإسلام السياسي ودعم ما يسمى بثورات الربيع العربي، والتي أثبتت التجربة التاريخية لاحقا أنها لم تكن ثورات، وبالقدر نفسه لم يكن لها علاقة من قريب أو من بعيد بالربيع، بل شتاء أصوليا قارس البرودة، وها هي دول المنطقة تعاني من جراءه حتى الساعة.
بحلول العام 2016 كانت الجماهير الأمريكية قد سئمت من الممارسات السياسية للحزبين الكبيرين الجمهوري والديمقراطي، وبنوع خاص الذين شغلوا مناصب متقدمة من قبل، لا سيما في إدارة أوباما، وفي المقدمة من هؤلاء «هيلاري كلينتون»، تلك التي أحاطت بها فضائح سياسية وأخلاقية عديدة، جعلت المفاجأة تحدث ويختار الأمريكيون رجل من خارج دولاب المؤسسة السياسية الأمريكية إن جاز التعبير، رجل لا دالة له على العمل السياسي ولم يشغل يوما وظيفة عمدة لأصغر مدينة أمريكية في أقصى الجنوب أو الوسط الأمريكي الريفي.
كان اختيار الأمريكيين انتقائي ويمكن للمرء أن يقول دون تأنيب من ضمير انتقامي، لا سيما في زمن باتت فيه الديمقراطية الأمريكية تباع على الأرصفة، فأنت تستطيع وزوجك أن تمضي ليلة في جناح إبراهام لنكولن، وتتناول في اليوم التالي طعام الإفطار مع الرئيس الأمريكي في مقابل تبرع قدره مائة ألف دولار لحملة الرئيس الانتخابية، وحتى المحكمة الدستورية العليا في واشنطن ما قدر لها أن تأخذ موقفا حازما وحاسما من تبرعات الشركات الكبرى عابرة القارات، ومتعددة الجنسيات، ما جعل الداخل الأمريكي سوقا لجماعات الضغط، المالية والعقائدية، وهذه قصة تحتاج إلى شرح مستفيض بدوره.
مهما يكن من أمر فقد اختار الأمريكيون دونالد ترامب والرجل، ومن عام الحملة الانتخابية لم يوار أو يدار أي من رغباته أو توجهاته، ومهما يكن من أمر اتفاقنا معه أو افتراقنا عنه، إلا أن كل ما وعد به نفذه في مجال السياسات العامة الأمريكية الخارجية والداخلية معا.
لكن ترامب سبب ضررا كبيرا للنسيج الاجتماعي الداخلي الأمريكي، فقد اختلف من حوله الأمريكيون، بسبب سياسات تميل إلى اليمين ورؤاه، ولهذا كان من المثير جدا ان نستمع مؤخرا إلى ان الحزب الجمهوري يسعى الآن وإن بصورة غير معلنة إلى إيجاد مرشح بديل لترامب في انتخابات 2020، وهذا امر فريد فقد جرى العرف ان يعاد ترشح الرئيس الساكن في البيت الأبيض أيا ما يكن انتمائه ديمقراطيا أم جمهوريا.
ولعل السؤال ما هي المواصفات التي يبحث عنها الأمريكيون في رئيسهم القادم وربما كل رئيس؟ الجواب ربما نجده عند البروفيسور «توماس كرونين» الباحث والعالم السياسي الأمريكي البارز في كتابه «الرئاسة.. تشريف أم تكليف؟»، وفيه ان الرئيس لابد أن يتصف بالاستقامة وسمو الأخلاق، وبالشجاعة، بالطموح والزعامة، بالتفاؤل، بالقوة الحزم، بالتعلم والانصات، بالثقة في النفس والتواضع، بالتفاهم وحب الناس أولا وأخيرا.
هل على سطح الحياة السياسية الأمريكية الداخلية في الوقت الحاضر آية نماذج لأشخاص بهذا القدر؟ الجواب متروك للأمريكيين أنفسهم.