العمارة في الفقـه الإسـلامي.. ضــوابط وأحــكام

المقاول وأمانته مع صاحب البناء والعمال –
د/‏ سعيد بن سليمان الوائلي –
كلية العلوم الشرعية – مسقط –

«مما ينبغي أن نتعاهده فيما بيننا معاني الأمانة والوفاء والالتزام بالعهود، وأن المسلمين على شروطهم.. في كل ما يتفق عليه بين الناس، لأن كل الناس تتداخل مصالحهم وتترابط منافعهم ببعضهم، فلا يصح أن يعهد بينهم النقض والإخلاف.
ومن الأمانة الشرعية على صاحب العمل، مقاولا في البناء أم غير ذلك، أن يدفع للعامل أجره وما اتفق عليه من جزاء نظير ما يقوم من عمل وخدمة، لأن ذلك في مقابل ما يقوم به من جهد، فلا يبخس حقه ولا ينقص من قيمته».

إن البناء المعماري الذي يشيّد إنما يقام بأيدٍ متينة في التشييد أمينة في البناء، بحيث ينجز العمل في أحسن صورة من ذلكم البناء الذي يظهر جانبا من الفن في العمارة والبناء.
وقد أولى الفقه الإسلامي عنايته بهذا الجانب العملي في الحياة، فبينت الأحكام الشرعية التي تضبط كثيرا من مسائله في الحقوق والواجبات الشرعية المتعلقة بكل طرف من الأطراف. وإن هذا الأمر متصل مبدأ في الحياة بالتعامل بين الناس، وأساسه الجوانب التجارية والتعاملات المالية التي تقوم على القبول والتراضي بين كافة الأطراف.. قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) [النساء: 29]، حيث إن التجارة تشمل كل صور التبادل بين الناس في الأغراض والخدمات المتنوعة، وما يكون بينهم من عقود وعهود مبرمة في ذلك.
وبما أن المقاول الذي أوكل إليه البناء وعهد إليه إنجاز العمل في المعمار هو أحد الطرفين من المتعاقدين في إتمام البناء، فإنه يتوجه إليه الخطاب بالإتمام والوفاء بالحقوق التي عليه تجاه صاحب البناء وأمانته من جهة، وتجاه العاملين الذين هم تحت إشرافه من جهة أخرى.
ولإدراك أهمية الوفاء بالعقود ومكانتها ننظر إلى توجيه النصوص الشرعية لإتمام العهود والمواثيق، وننطلق في ذلك من قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) [المائدة: 1]، وقوله تعالى: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا) [الإسراء: 34]
وقد ذكر طائفة من علماء التفسير أن الوفاء بالعهد بمعنى: إتمامه على ما عقد عليه من الشروط الجائزة، وكذا يكون الوفاء بكل العقود التي ألزم الإنسان بها نفسه من الأمور المأمور بها ما دامت فيما أذن الشرع فيه.
وقد جاء في الأثر: «وَالمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إلا شَرْطًا حَرَّمَ حلالا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا». من أجل ذلك، كان من حق البناء وصاحبه على المقاول أن يكون تاما وفق الشروط المتفق عليها، والتي تعاقد عليها الطرفان، فإن تم البناء على أكمل وجه وأحسن صورة فذلك هو الإتقان في العمل، وإن أكمل بحسب ما تعاقد عليه الناس واتفقوا فذلك من الوفاء بالعقود والعهود؛ حيث إن المطلوب الإتمام والإنجاز بحسب الاتفاق، بدون خلل أو تقصير في شيء من الأمور المتفق عليها، فلا يغيّر من شكل البناء أو محتواه أو أجزائه، ولا ينقص منه أو يزيد بما يؤثر على صاحب البناء بصورة سلبية.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إن من الوفاء بالوعود أن يكون إتمام الأمر في مدته الزمنية المتفق عليها كذلك، لإننا نجد أن مما ابتلي به كثير من الناس عدم الوفاء بالمواعيد وعدم الالتزام بالمواقيت المضروبة بينهم، مع ما في ديننا الإسلامي من دعوة صريحة للاهتمام بالمراحل الزمنية والوقت وأجزائه.
فعلى المقاول أن ينجز عمله في الوعد المحدد المتفق عليه؛ حتى لا يترتب على ذلك ضرر بأحد من المتعاقدين، لأن صاحب البناء يلحقه الضرر المادي والمعنوي إذا لم يكتمل البناء حسب الاتفاق، كمثل ما لو بنى منزلا ليسكنه وهو في حالة استئجار، فإذا طالت مدة البناء فسوف تكلفه إيجارات زائدة بجانب عدم الاستقرار النفسي، كذلك قد يترتب الضرر على المقاول وعلى العمال بزيادة الأعباء والتكاليف والغرامات المترتبة على طول المدة وعدم التقيد بالفترة الزمنية.. فمن أجل ذلك ينبغي الاهتمام بالأمر والالتزام بالواعيد.
وإذا كان على صاحب البناء أن يوفي ما عليه للمقاول من الحقوق المادية، فإن على المقاول أن يكون أمينا معه في كل تعاملاته، فعليه أن يتجنب الغش بكل صوره، ويتجنب الخداع والتحايل بكل أشكاله، وليحذر من الإضرار والضرر به، مراعاة لحق الإسلام قبل كل شيء، ففي الحديث: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه»، وقال: «من غشنا فليس منا».
وما أكثر صور الغش والتدليس في البناء والمقاولات، فالغش في مواد البناء، من الحديد والأحجار والإسمنت وغيرها، بصورة تؤثر على البناء إلى درجة كبيرة وصلت في بعض الحالات إلى التشقق والسقوط، فضلا عن الإساءة والتشويه.
ومن الغش والتحايل ما يؤثر على تصميم البناء في إدخال ما ليس منه أو حذف جزء منه أو غير ذلك، ومنه ما يؤثر على التسليك والتوصيلات في الأسلاك والأنابيب، للكهرباء والمياه والأجهزة المختلفة، فإن كان في ذلك مخالفة للأنظمة والضوابط والمقاييس المتفق عليها بين المتعاقدين؛ فسوف يقع النقض للعهود والمواثيق والاختلاف في العقود المبرمة والتي تمّ الاتفاق عليها، وهذا النقض وإخلاف المواعيد يعد من الأشياء المخالفة لما شرعه الله تعالى، كما لا يخفى على عاقل لبيب.
لذلك كان مما ينبغي أن نتعاهده فيما بيننا معاني الأمانة والوفاء والالتزام بالعهود، وأن المسلمين على شروطهم.. في كل ما يتفق عليه بين الناس، لأن كل الناس تتداخل مصالحهم وتترابط منافعهم ببعضهم، فلا يصح أن يعهد بينهم النقض والإخلاف.
وإن ما تقدم ذكره فيما يتعلق بالأمور التي بين المقاول وصاحب البناء المشيّد.
أما فيما بين المقاول ومن هم تحت مسؤوليته من العمال، فإن الأمر واضح في جملة من الحقوق كفلتها الشريعة الغراء في باب حقوق العامل على صاحبه، والتي منها: أولاً: حقه في الأجر وحقه في الحصول على ما اشترطه على صاحب العمل، فعلى صاحب العمل أن يوفي العامل حقوقه التى تم الاتفاق عليها فيما بينهم، ولا يظلم في شيء من ذلك ولا ينقصه شيئا منها. ثم من حقه عليه ألا يكلفه فوق طاقته ولا يلزمه بما لا يستطيعه. ويجب على صاحب العمل أن يحفظ كرامة العامل، فلا يضعه موضع الذلة والسخرية أو موضع الإهانة والدناءة، فليس من حقه ذلك، بل يعد ذلك من الظلم الذي حذرت منه النصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية.. والتي منها قوله تعالى: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) [غافر: 18]، وقوله عز وجل: (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) [الشورى: 40]، وغيرها من آيات كتاب الله العزيز. وجاء في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا». وفي الحديث النبوي: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة»، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته».
ومن مظاهر الظلم التي يجب التعاون في القضاء عليها تكليف العمال والأجراء أعمالا فوق وسعهم وطاقتهم، حيث تظهر صورة التعامل معهم كأنهم خلو من طبيعتهم الإنسانية.. وهذا منافٍ للأدب الإسلامي الذي يدعو إلى مراعاة حقوق كل إنسان، فيعامل بالإحسان كما أمر الله تعالى، فلا يحق لصاحب العمل التعالي عليه فينظر إليه نظرة دونية تجرده من إنسانيته.
ومن الأمانة الشرعية على صاحب العمل، مقاولا في البناء أم غير ذلك، أن يدفع للعامل أجره وما اتفق عليه من جزاء نظير ما يقوم من عمل وخدمة، لأن ذلك في مقابل ما يقوم به من جهد، فلا يبخس حقه ولا ينقص من قيمته، ومن أجل ذلك أتى التوجيه النبوي الكريم من النبي عليه الصلاة وأتم التسليم بالمبادرة لإعطاء الحق والمسارعة في ذلك قبل أن يجف عرق الأجير، للاهتمام والعناية بحقوق الآخرين في حينها، فقد جاء في الحديث: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه».
وفي النهاية، يمكن أن نجعل الخلاصة في تعامل الإنسان مع غيره، التعاملات المبنية على عقود وعهود بحيث يقضى عليها بالصفح والتسامح والمسامحة، بمعنى أن يكون كل فرد سمحا في تعامله مع غيره، وفي تعاملاته كلها، في بيعه وشرائه، وفي أخذه وعطائه، وفي توفيته بالتزاماته ووفائه، فقد جاء في الأثر المروي عن المصطفى عليه الصلاة والسلام أنه قال: «رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى»، وفي رواية: «أحب الله عبدا سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا قضى، سمحا إذا اقتضى».
فأين نحن عن سماحة الإسلام في تعاملاتنا مع بعضنا!
أين تتحقق السماحة في واقع حياتنا؟!