مدينة صحار.. تاريخ عريق وحاضر مزدهر

وصفها الرحالة بأنها دهليز الصين وخزانة الشرق –

العمانية: لا تُذكر المدن العمانية إلا وتُذكر صحار باعتبارها واحدة من أهم المدن التي تمتاز بذاكرة تاريخية عريقة وحاضر مشرق شاهد على ازدهار عُمان في عهدها الحديث.
وتحضر صحار في الذاكرة وفي الحاضر باعتبارها مركزا سياسيا وفكريا وحضاريا ومركزا اقتصاديا وسوقا من أسواق العرب منذ العصر الجاهلي قبل ظهور الإسلام، وكانت سوق صحار الشهيرة التي ورد ذكرها في كتب العرب وفي أشعارهم تقام في أول يوم من شهر رجب وتستمر خمسة أيام.
وقال المرزوقي «إنهم يقيمونه لعشرين يوما من رجب». ورغم أن سوق صحار كانت سوقا تجارية محضة إلا أن شيوخ القبائل يلتقون فيها كما يلتقي التجار، ويقرأ فيها الشعر والخطب ومآثر العرب وتعقد فيها الصفقات السياسية والتجارية، ويذكر سعيد الأفغاني في كتابه أسواق العرب في الجاهلية والإسلام أن الذي يعشر الناس في سوق صحار «أي يأخذ العُشر منهم» هو الجلندى بن المستكبر.
والمتصفح لكتب التاريخ يستطيع أن يقف على المكانة التاريخية والاقتصادية لصحار على مر العصور. وتمتاز المدينة بموقعها الفريد على الشريط الساحلي لبحر عمان ما أهلها لتلعب دورا رياديا في التجارة وتكون وسيطا بين الجزيرة العربية وبلاد الهند والصين ليس في التبادل التجاري فقط ولكن في التبادل الحضاري والثقافي.
وبالنظر إلى الخارطة يتضح أن صحار تقع في مقابلة بلاد فارس وشبه القارة الهندية والصين وجنوب شرق آسيا وهذا ما جعلها حاضرة التجارة العمانية.

وعرفت صحار في التاريخ بالعديد من الأسماء والأوصاف فهي بوابة الدنيا، وقصبة بلاد العرب، وهي خزانة الشرق ودهليز الصين. ويبدو أن اسم مجان أو ماجان الذي عرفت به عمان ويعني جبل النحاس له علاقة بصحار حيث فيها كان يصهر النحاس.
وكانت صحار خلال هجرة الأزد لعمان واقعة تحت سيطرة الفرس، لكن الأزد نجحوا في إخراجهم ليس من صحار فقط ولكن من عمان. واستقبلت عُمان الإسلام عبر بوابة صحار حيث وصلت رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أهل عمان وكانت مقر حكم عبد وجيفر ابني الجلندى ملكي عمان وشع نور الإسلام على كل ربوع عُمان، ووصل إلى عمان عمرو بن العاص وأبو زيد الأنصاري يحملان رسالة رسول الله إلى ملكي عمان وذلك في السنة الثامنة للهجرة.
وكشفت تنقيبات أثرية أعلنت عنها وزارة التراث والثقافة عن آثار تعود إلى أواخر الألف الأولى قبل الميلاد، حيث عثر على أختام للتجار، وعلى بقايا فخار هندي أحمر وبورسلين صيني، كما كشفت التنقيبات عن وجود نظام ري متقدم.
وكانت وزارة التراث والثقافة قد أعلنت منتصف ثمانينات القرن الماضي عن مكتشفات أثرية وجدت في قلعة صحار تعود إلى فترة ما قبل الإسلام وترتفع عن مستوى سطح البحر بحوالي 1.8م، ودلت اللقى الأثرية المكتشفة في مستوطنة القلعة على أن المدينة كانت مركزا تجاريا مرموقا حيث وجد خزف أسود مستورد من الصين.
ويرد ذكر صحار في كتب التاريخ كثيرا، حيث وصفها المقدسي في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم بأنها «قصبة عُمان ليس على بحر الصين بلد أجمل منه، وهو عامر آهل حسن طيب نزه ذو يسار وتجار وفاكهة» وأضاف في وصفه لها «وهي دهليز الصين وخزانة الشرق والعراق». ووصفها الإصطخري في كتابه «المسالك والممالك» بأنها «هي أعمر مدينة بعمان وأكثرها مالا، لا تكاد تعرف على شاطئ البحر بجميع بلاد الإسلام مدينة أكثر مالا وعمارا من صحار» وفي كتاب صورة الأرض لابن حوقل قال واصفا صحار: «لا توجد في كل أنحاء العالم مدينة تضاهي صحار في ثراء تجارها». وأورد ابن خراداذبة نصا عند حديثه عن الطريق من البصرة إلى عُمان على الساحل حيث يقول «ثم إلى قطر ثم إلى السبخة ثم إلى عُمان وهي صحار ودبا».
وقال الإدريسي متحدثا عن صحار «إن تجار البلاد يقصدونها في كل سنة بما لا يحصى عددهم.. وإليها تجلب جميع بضائع اليمن ويتجهز منها بأنواع التجارات، وأحوال أهلها واسعة وبها النخيل والموز والرمان والسفرجل وكثر من الثمار الطيبة».
وذكرها الحميري أيضا بقوله «مدينة بأرض عمان وهي قصبة عُمان وهي على ساحل البحر، مقدارها فرسخ في فرسخ ومياهها من الآبار». ومن بين من زار صحار وكتب عنها جيمس ريموند ولستد في عام 1836 وقال إنها أعمر ساحل عُمان وأكبرها على الإطلاق وهي تلي مسقط بكونها مركزا تجاريا مهما.
وتقول الموسوعة العمانية إن عثمان بن أبي العاص الثقفي قد استعان بالقوة البحرية العمانية عندما انطلق من صحار ومسقط لمهاجمة ساحل الهند الغربي في سنة 16 للهجرة، ولم تتأثر المدينة، رغم مركزيتها، بالحملات التي شنتها الدولة العباسية على عمان في عهد الخليفة هارون الرشيد ولا في عهد الخليفة المعتضد بالله. لكن كتب التاريخ تثبت تأثرها بهجوم القرامطة سنة 287هجرية، وبعد ذلك في سنة 362 وقعت صحار في يد أبي حرب بن طغان عضد الدولة بعد أن استطاع تخليصها من أيدي الزنوج وفق ما تذكر الموسوعة العمانية أيضا.
وتأثرت صحار كثيرا في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي حيث توقفت تجارتها مع شرق أسيا وانتقلت التجارة إلى عدن وتذكر كتب التاريخ أنها كانت «خربة: في القرن الثالث عشر الميلادي حيث كانت التجارة قد تحولت إلى مدينة قلهات. لكن أعيد بناء صحار مرة أخرى وبدأت بالازدهار قبل أن يحتلها البرتغاليون في مطلع القرن السادس عشر الميلادي. لكن الإمام ناصر بن مرشد قد حررها منهم في عام 1643 ميلادية وعاد نشاطها التجاري وازدهارها الثقافي والحضاري.
وفي عام 1744 عندما استطاع الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي إخراج الفرس من صحار ومن ربوع عمان تأسست أسرة البوسعيد التي تحكم عُمان اليوم في هذه المدينة العريقة.
وأنجبت هذه المدينة الكثير من أعلام عمان أمثال الربيع بن حبيب الفراهيدي ومحبوب بن الرحيل ومحمد بن محبوب، وسلم بن مسلم العوتبي الصحاري والمختار بن عوف الأزدي المعروف بأبي حمزة الشاري.
هذا التاريخ العريق أهل المدينة لتكون حاضرة من حواضر عُمان في العصر الحديث الزاهر بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ، فهي اليوم واحدة من أهم المدن العمانية من حيث العمران ومن حيث النهضة في شتى المجالات الحياتية التي يعيشها الإنسان العماني. وبعد إنشاء ميناء صحار ازدهرت حوله التجارة والصناعة فتحول إلى واحد من أهم الموانئ على بحر عمان وبحر العرب. ونشأت إلى جواره عشرات المصانع واستوطنت بجواره الكثير من الصناعات الثقيلة، وتحول الميناء التجاري الذي كان في مسقط لصحار، وصارت كبريات السفن العملاقة في العالم ترسو على شاطئ صحار. وعادت المكانة التاريخية للمدينة ولكن في قالب حديث.
وإذا كان شاطئ صحار من بين أجمل الشواطئ العمانية فإن قلعة صحار من بين أهم المعالم التاريخية التي على الزائر أن يقصدها في المدينة. ومن بين أهم ما يميز قلعة صحار عن القلاع الأخرى أن فيها نفقا يمتد منها باتجاه الغرب على طول 10 كيلومترات وكان وسيلة أساسية لنقل المؤن للقلعة خلال فترات الحصار. ومدخل النفق ما زال موجودا في القلعة حتى اليوم، وتقول بعض الروايات إن انهيارات أرضية حدثت على طول النفق في مرحلة من مراحل تاريخ الولاية.
وتشير آثار المبنى الأصلي في القلعة الحالية إلى أن التحصين الأقدم كان مبنى مربع الشكل محاطا بجدران مرتفعة تصل إلى حدود 45 مترا. وكان قد وجدت آثار لبقايا منازل خلال مرحلة التنقيب داخل القلعة يعود تاريخها للقرن الثالث عشر للميلاد تحت أساسات القلعة الحالية.
ووصف القائد البرتغالي البوكيرك القلعة في مذكراته بالقول «إنها قلعة مربعة الشكل بها ستة أبراج تحيط بها كما يوجد برجان كبيران عند البوابة، وتحتوي على آبار عذبة وتتسع ل300 جندي وكان يطوقها جدار».
وتضم القلعة ضريح السيد ثويني بن سعيد الذي حكم عمان في أواخر القرن التاسع عشر للميلاد، كما تضم متحفا يتحدث عن المدينة وتاريخها.
ويجد الزائر اليوم لمدينة صحار الكثير من المعالم التي يمكن أن يرتادها خاصة المواقع الطبيعية مثل المواقع الأثرية في المناطقة الجبلية والأودية والعيون، إضافة إلى عشرات المجمعات التجارية الحديثة، ويرافق الزائر منذ عبوره من بوابة صحار التي هي معلم من معالمها الجميلة شعور بأن الجمال في المدينة متناثر في كل مكان وربما مناظر التشجير الجميلة والورود التي تحفل الزائر منذ دخوله المدينة وحتى خروجه منها هو مصدر من مصادر ذلك الشعور إضافة إلى تاريخها العريق الذي لا يمكن أن يغيب عن الزائر فإن لم يقرأه في كتاب فهو حتما يشاهده في كل أرجائها ويقرأه معه امتداد حضارة هذه المدينة العريقة فيما أضافته النهضة الحديثة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ لها في إشارة إلى أن هذه النهضة جاءت امتدادا تأصيليا لنهضة عمان التاريخية..